تعزيز اليقين

أصول مهمة في إثبات النسخ ورد الشبهات عنه

  •  الأصل الأول:

دلائل الشريعة متضافرة على ثبوت النسخ؛ فقد قرر سبحانه أنه ينسخ ما شاء من آياته، فقال عز من قائل: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} وما يُوهِم نفيَه؛ فإنه محمول على غير وجهه. 
ومن ذلك:
١- قوله تعالى: {لا مبدل لكلماته}.
٢- وقوله: {ما يبدل القول لدي}.
٣- وقوله: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} 
٤- وقوله: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}

 

  •  فأما الأول؛ فلا يدل:
  •  لأن المراد أن غيره سبحانه لا يستطيع أن يبطل ما شرعه، أو ينفي ما أخبر به
  • ولأن الحكمين الناسخ والمنسوخ كليهما من كلماته التي قضاها، وليست تبديلا، وإنما علمُنا نحن بها هو الذي استجد وحصل شيئا بعد شيء. 
  • وأما الثاني؛ فهو وارد في مقام الأخبار لا الأحكام، وهو ظاهر في السياق، ذلك أنه أخبر أنه يعذب الكافرين، فلا يبدل خبره بتعذيبهم ولا يرجع عنه.
  • وأما الثالث؛ فلا يدل؛ لأن الناسخ والمنسوخ كليهما من عند الله تعالى، والمنفي هو أن يرد ما يبطله من غيره. ثم إن المنسوخ ليس باطلا في نفسه، بل هو حق، لكن يناسب وقتا دون وقت، وحالا دون حال.
  •  وأما الرابع؛ فالاختلاف بين الناسخ والمنسوخ اختلاف في زمانين وحالين، وليس اختلافا مطلقا، فيوجب التناقض والتضاد، وهذا هو المنفي في الآية.
  • الأصل الثاني:
النسخ لا يُخِلُّ بكمال العلم الإلهي، بل هو من مقتضياته.
وبيان ذلك: أن كلا الحكمين -الناسخ والمنسوخ- داخل في علم الله الكلي المطلق، فهما في علمه سواء، يعلم بهما قبل أن يشرعهما، وليس أحدهما طارئا على علمه، وإنما علمنا نحن هو الذي يطرأ عليه الحكم الجديد، وأما الله تعالى فهو قد قضى وقدر أنه يشرع الحكمين الناسخ والمنسوخ، فليس فيه بداء عليه ولا خفاء عنه..
 
  • الأصل الثالث:
النسخ لا يُخل بكمال الحكمة، بل هو من مقتضياتها.
وبيان ذلك: أنه سبحانه شرع الأحكام بما يناسب العباد، ويأخذ بهم مسلك التدريج لينقلهم من حالهم إلى حال يريدها ويرضاها، فيشرع لهم حكما مؤقتا يناسبهم في حال ويعلم أنه لن يدوم حالهم على ذلك، فينسخ حكمه إذا تغيرت حالهم.
 وإذا رأيت الطبيب يصف الدواء للمريض وهو يعلم أنه سيستعمله مدة ثم سيحتاج إلى آخر بعده، فوصفه للدواء أول الأمر كان بعلم وحكمة، لكونه إنما يناسبه في تلك الحال، ثم ستتغير حاله وتتهيأ نفسه للدواء الجديد، فيصفه له، ووصفه له في هذه الحال هو من العلم والحكمة أيضا.
والشارع هو الطبيب الأعظم ؛ فيشرع للناس ما يصلح لهم في وقت، لا يناسبهم فيه غيرُه، حتى إذا تهيأت نفوسهم لقبول الحكم الجديد، أنزل سبحانه نسخه للحكم القديم.. فالأمر مبني على تمام العلم والحكمة لا عكسهما.
 
  • الأصل الرابع:
النسخ لا يَرِد على جميع الأحكام. بل على بعضها. 
وبيان ذلك: أن النسخ ممتنع فيما مصلحته دائمة؛ لأن حسنه ذاتي. كالتوحيد وأصول الشرائع. وإنما يجوز فيما يكون مصلحة في حال ومفسدة في أخرى؛ لأن الحسن والقبح في مثله إضافي غير ذاتي.
وبهذا يتبين أن النسخ جار على وفق التحسين والتقبيح العقليين غير مناقض لهما.
  • الأصل الخامس:

لا نسخ في الأخبار. بل هو محال فيها.

والسر في ذلك: أن الخبر يتعلق بحقيقة المخبر عنه، فإن ورد عليه النقض؛ لزم منه أحد أمرين: 
– إما الكذب. 
– وإما الجهل وقصور العلم. 
والله سبحانه منزه عن هذين النقصين؛ لذا لم يرد في أخباره أي نسخ؛ لأنها حق مطلق، وصدق محض؛ إذ هي ناشئة عن علمه المحيط، وصدقه الذي لا يتبدل ولا يتخلف.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.

الكاتب: زياد بن أسامة خياط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى