عرض ونقد

إن كانت السنة وحيًا، فهل نقلت إلينا كاملة؟!

الإعتراض:

السنة النبوية التي تزعمون ضبطها وحفظها، لم تنقلوها كاملة!!
فإن كانت وحيًا، فكيف ينقل جزء منه ويترك جزء كبير آخر…!؟
فمن الأحاديث عن أبي هريرة: ” حَفظتُ عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثتُه، وأما الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم “.


الجواب:

بيننا وبينك أيها المنكر القرآن الذي ارتَضيتَهُ حكمًا، ففيه أن الله قد يوحي بوحي فيُذهب بما يشاء منه، ويبقي منه ما يشاء، قال تعالى: { سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى،،إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } [ الأعلى: 6،7 ]، وقال: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا }، [ البقرة: 106 ]، فإذا كان يجوز أن يُنسي الله محمدًا وأمته شيئًا من قرآنه، بعد أن عرفوه وتَلوه، فالسنة من باب أولى يجوز عليها ما جاز على القرآن، فلا يبقى مع الأمة من القرآن والسنة إلا ماتحتاج إليه من أمر دينها إلى آخر الزمان[1]،( ودليل ذلك هو أدلة حفظ الدين القطعية اليقينيَّة وأنه دين آخر الزمان )، وما سوى ذلك مما علم الله أن الأمة ليست بحاجة إليه، فقد أنساهم الله إياه[2]، وكون الله قادرًا على أن ينسي عباده ما يشاء هو أمرٌ متقرِّرٌ في القرآن، فإن دقائق التدبير بيده تعالى؛ فالحاصل أن القرآن قد دلَّ على أن في مقدور البشر حفظ الوحي متى أخلصوا وصدقوا. وإن المرء ليعجب من قول الروياني: ” لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي [3]، كيف يقع لأقوال الشافعي وفتاويه من الحرص والحفظ ما لايقع لأقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ وهو في مقادير الإله أولى؟! معاذ الله أن نتألَّى عليه. وهذا مبتنى على الإعتراف بأن الوحي ليس له صورة واحدة. فقد يكون بكتاب، وقد يكون علمًا بغير كتاب. فما نطق به الرسول مما هو تشريع فهو وحي وإن لم يأت في القرآن، والأدلة على ذلك من القرآن متوافرة.

ثم أن هناك دليل عملي على حفظ السنة – التي تكون من أمر الدين – كاملةً، ألا وهو: واقع علوم السنة ( في روايتها ودرايتها )، وواقع عناية الأمة بها، منذ جيل الصحابة وحتى العصر الحديث. لكن الإقرار بهذا الدليل يحتاج علما واسعًا واطلاعا على علوم السنة.


الهوامش والمراجع:

[1] قال الإمام ابن الجوزي في كتابه: ( كشف المشكل من حديث الصحيحين ): ” لقَائِل أَن يَقُول: كَيفَ استجاز كتم الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ:  ” بلغُوا عني”، وَكَيف يَقُول رَسُول الله ﷺ مَا إِذا ذُكِرَ قُتِلَ رَاوِيه؟ وَكَيف يستجيز الْمُسلمُونَ من الصَّحَابَة الأخيار وَالتَّابِعِينَ قتل من يروي عَن رَسُول الله ﷺ؟ فَالْجَوَاب: أَن هَذَا الَّذِي كتمه لَيْسَ من أَمر الشَّرِيعَة؛ فَإِنَّهُ لَا يجوز كتمانها، وَقد كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: لَوْلَا آيَة فِي كتاب الله مَا حدثتكم، وَهِي قَوْله: { إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى} [الْبَقَرَة: 159]، فَكيف يظنّ بِهِ أَن يكتم شَيْئا من الشَّرِيعَة بعد هَذِه الاية، وَبعد أَمر رَسُول الله ﷺ أَن يبلغ عَنهُ، وَقد كَانَ يَقُول لَهُم: ” ليبلغ الشَّاهِد مِنْكُم الْغَائِب “. وَإِنَّمَا هَذَا المكتوم مثل أَن يَقُول: فلَان مُنَافِق، وستقتلون عُثْمَان، و ” هَلَاك أمتِي على يَدي أغيلمة من قُرَيْش ” بَنو فلَان، فَلَو صرح بِأَسْمَائِهِمْ لكذبوه وقتلوه “.

[2] ثبت في الصحيحيْن عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ” قام فينا النبي ﷺ مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيَهُ من نسيه “؛ وفيه جواز إنساء بعض تفاصيل الأخبار، مما عُلم أن الحاجة لا تمس إلى العلم به. وفي رواية أبي زيد عمرو بن أخطب عند الإمام مسلم أن النبي ﷺ صلّى بنا الفجرَ، وصَعِدَ المِنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلّى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلّى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غَرَبَت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائنٌ، إلى قيام الساعة، قال الراوي: ( فأعلَمُنا أحفَظُنا )، قال حذيفة: ” إنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجلِ إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه “. فالأمر ظاهرٌ أن النبيَّ ﷺ أخبر في مقامه ذلك بتافصيل كثيرة جدًا لم تنقل كلها؛ بدليل أن ماروي منها، ووصلنا، إنما رُوي من جميع من نقل الحديث على وجه الإجمال لا التفصيل، قال ابن حجر: ” دلّ ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدأت إلى أن تفنى إلى أن تُبعَث “، [ فتح الباري (6/291) ]، ط. دار المعرفة. فهل نَقَلَ الصحابة عنه ﷺ (جميع أحوال المخلوقات)، عن آخرها، وكما أخبر؟؛ كلَّا! ولا ضير.

[3] طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (194/7).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى