عرض ونقد

ما الحِكمة من تحريم الشذوذ ومحبة الإنسان لأحد من نفس جنسه ؟


السؤال:

ما الضرر في أن يحب الإنسان أحدا من نفس جنسه، المرأة تحب المرأة والرجل يحب الرجل؟


 الجواب:

أولًا/

 إذا كان السائل يقصد بالحب الشذوذ فنقول له :

 1) كتأصيل عام :

 ينبغي على المسلم أن يعتقد أن شرع الله عز و جل هو المصلح للإنسان في كل زمان ومكان، وأن يتيقن أن الله تعالى لم يحرّم شيئًا إلا وفيه مفسدة، سواء أدركها بعقله أو لم يدركها .

فالله تعالى أنزل شريعته للناس كاملة بالغة الحكمة، حافظة للناس دينهم ودنياهم، معتنية أشد العناية بحفظ الضرورات الخمس للإنسان: (الدين والنفس والنسل والعقل والمال)، ترتقي بهم إلى الكمال الإنساني والسمو الروحي والأخلاقي، وهذا من كمال علم الله وحكمته ورحمته بالخلق،  {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.

والإيمان بهذا من مقتضى الإيمان بالله ربًّا وإلهًا واحدًا يتصف بالكمال المطلق وبأنه تعالى مستحق للانقياد والتسليم،  ولا يصح أن يشك العبد في شيء من ذلك أو في حِكمة أي أمر من أوامر الله عز وجل؛ لأن صحة هذا الدين وأنه من عند الله العليم الحكيم ثبتت بالأدلة والبراهين القاطعة ، ويَحسن مراجعة هذه الإضاءة المنهجية لتأمل هذا الأمر .

لمراجعتها ⇐ اضغط هنا

————————-

 2) ومع أصل التسليم والثقة في أمر الله نجد  أن ضرر الشذوذ ليس أمرًا خفيًّا، فهذه الجريمة من أعظم الجرائم الخلقية، لما فيها من الفساد الذي ينافي حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره، ومن هذه المفاسد :

تفكُّك الأسرة وانحلالها .

فقد خلق الله عز وجل الذكر والأنثى وجعل بينهما اختلافا وتكاملا؛ ليؤدي كلٌ منهما دورا أساسيا لا يمكن أن تستقر الأسر وتَنشأ الأجيال السوية بدونه، فعلى سبيل المثال: الرجل مسؤول عن القوامة والنفقة والتربية النفسية والجسدية من جوانب، والأم تحمل وتنجب وتسهر وتقوم على رعاية أبنائها ورعاية شؤونهم وتغمرهم بعاطفتها وحنانها وتعتني بتربيتهم من جوانب، والشذوذ يفسد هذا الأمر، ويؤدي إلى اختلال التوازن في الأسر، وفقدان التكامل بين الرجل والمرأة.

تقليل النسل باكتفاء الذكور بالذكور والإناث بالإناث. 

انتكاس الفطرة.

فالله عز وجل خلق الرجل ومَن عليه برحمة منه بخلق زوجته ليسكن إليها، وهذه فطرة الله عز وجل كما قال تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وهو خالقنا ومالكنا والمتصرف فينا جل جلاله، ومَنَّ يفعل غير هذا يكون انتكس ومال عن هذه الفطرة السوية، وهذا الانتكاس يُوجِد التنافر بين الخلقة الحسنة التي خلق الله عز وجل الناس عليها وبين واقعهم، وهذا الانتكاس يؤدي -كذلك- إلى شقاء الإنسان وإلى مفاسد كثيرة ستنشأ عند محاولته تغيير الفطرة التي فطره الله عز وجل عليها وجعله بها في أحسن تقويم، ولهذا كان نبي الله لوط عليه السلام يذكر قومه بهذه الفطرة .

يقول تعالى على لسان نبيه عليه السلام: { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}. ولهذا يستنكر الشذوذ وتأنف منه الفطرة السويّة والجبلّة المستقيمة والعقل السليم وجميع الشرائع .

➖ وذكر  كثير من العلماء أن الشذوذ يؤدي إلى انتشار العديد من الأمراض المستعصية.

والناظر في مفاسد هذه الفاحشة يرى أن ضررها قد مس الضرورات الخمس، فأدى إلى فساد الدين بالحياد عن الفطرة ومعصية الخالق وانهيار الأسرة، وأدى إلى فساد النسل والنفس.

▪️ ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات، فقوم لوط هم أول من سعى إلى تطبيع هذه الإباحية المخالفة للفطرة {ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين}، وعاقبهم الله عز وجل بأشد العذاب {فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل}، وجعلهم وديارهم عبرة للمعتبرين. 

وورد عن النبي ﷺ لعن فاعله فقال: “ملعون من عمل بعمل قوم لوط”.

3)  مع التنبيه على عدد من الأمور الهامة :

➖ لا يشترط أن نذكر عددًا من الأضرار الصحية والأمراض لبيان حِكمة التحريم، وكأن الحُكم يجب أن يُبنى على هذا فقط دون اعتبار  لوصف الله تعالى لهذا الفعل بأنه فاحشة وفسق وظلم وتعدٍّ وإسراف، ودون اعتبار للجوانب الأخرى التي تخل بالمصالح العظمى للتشريع، كاختلال نظام الأسرة الذي هو مصلحة عظمى، وكمخالفة قيمة الفطرة التي يصلح الإنسان بالمحافظة عليها ويفسد بفسادها.

 ويُرجى مراجعة هذه الإضاءة المنهجية لتأصيل هذه القضية:

لمراجعتها ⇐ اضغط هنا

➖ كذلك ما فصلنا في ذكره من مفاسد وأضرار هي حِكم اجتهادية ملتمسة من تحريم الشذوذ، وهذا يعني أن غياب بعضها لا يؤثر على الحُكم الشرعيّ من حيث التحريم؛ ذلك لأنها بُنيت على الأغلب، ولأنها اجتهادية وقد يوجد غيرها مما لا نعرفه أو استأثر الله عز وجل بعلمه إذ إن من المُحال أن يدرك المخلوق حِكمة الخالق عز وجل كاملة.

فبهذا سواء وُجدت هذه المفاسد أم احتيط في بعضها سيبقى الشذوذ محرما وكبيرة من الكبائر .

————————————————

 ثانيًا: 

          أما إذا كان السائل يقصد بالحب التعلق المحرم  الذي يختلف عن المحبة الفطرية العادية من الرجل للرجل ومن المرأة للمرأة :

➖ فهذا وإن كان لا يترتب عليه عقوبة الشذوذ لكنه يُوقع صاحبه في الإثم إن لم يجاهده ويدفعه؛ لأنه سيكون ذريعة إلى جريمة الشذوذ، كما أنه نتيجة لإطلاق البصر والسمع والفكر في ما لا يباح.

– كما أن في هذا التعلق عذابًا شديدًا للقلب؛ لأن من المُحال أن يستمر هذا الحب ويُتوج بعلاقة شرعيّة كالزواج لما تحدثنا عنه من حرمة ومفاسد الشذوذ، فلن يستفيد صاحبه منه إلا عذابه وعدم تمتعه بما أحله الله عز وجل وإفساده عليه.

لهذا؛ يجب على مَن وقع في هذا البلاء أن يُجاهد نفسه ويعالج قلبه بكل السبل، ويحافظ على أفكاره وخواطره ويغلق على نفسه كل أبواب الفتنة؛ خشية الوقوع فيها وحفاظا على قلبه وسعادته وحرصا على الرجوع إلى فطرته، فإن مجرد ميل القلب لا يحاسب عليه الإنسان إذا دافعه وجاهد نفسه، لكن الاسترسال في الأفكار والخواطر هي التي تجر إلى الإثم.

 

➖ ومن الأضرار والمفاسد التي قد تترتب على الغلو في هذا الحب والتعلق الشديد :

– أنه يشغل صاحبه -غالبا- بحب المحبوب وذكره عن حب الله وذكره؛ كونه حبًّا مُحرّمًا، وقد يُفسد الحواس معنويًّا وظاهريًّا.

“أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان فيرى القبيح حسنًا منه ومن معشوقه، فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه.

وأما فساده للحواس ظاهرًا فإنه يمرض البدن وينهكه وربما أدى إلى تلفه كما هو المعروف في أخبار من قتله العشق”.

– كذلك يشغل صاحبه عن مصالح دينه ودنياه؛ لانشغاله بهذه الخواطر والأفكار المحرمة وعدم دفعها.

” أما مصالح الدين فإنها منوطة بلمّ شعث القلب وإقباله على الله، وعشق الصور أعظم شيء تشعيثًا وتشتيتًا له، وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه فمصالح دنياه أضيع وأضيع”.

الاقتباسات من كتاب الداء والدواء لابن القيم .

والله أعلم .

 

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى