عرض ونقد

لا يمكن إثبات وجود الله بالمنهج العلمي التجريبي!

يعترض الملاحدة على المؤمنين في مسألة الوجود الإلهي بدعوى: أنّه لا يمكن إثبات وجود الله بالمنهج العلمي التجريبي، وإذا كان ذلك -بزعمهم- فلا يمكن إثبات وجوده سبحانه؛ لأن “الذي يعجز العلم عن اكتشافه= لا يستطيع البشر معرفته” على حدّ تعبير برتراند رسل.


والجواب على اعتراضهم هذا من وجوه:

أولاً: أصل هذا الاعتراض يتضمن افتراضاً مسبقاً فحواه: أن المعارف والموجودات لا يمكن أن تتحصل المعرفة بها إثباتاً ونفياً إلا عن طريق المنهج العلمي التجريبي وما يخضع للتجربة والحس لا غير. وعليه، فيكون عدم إمكانية إثبات الوجود الإلهي بهذا المنهج قادحاً بمجرده في أصل الثبوت نفسه للوجود الإلهي؛ وفي هذا تجاهل وتنكُّر واضح لبقية مصادر المعرفة الثرية التي يمكن من خلالها تحصيل المعارف وإدراك وجود الأشياء، بل ولا يكاد يُستغنى عن جنس من أجناسها بإطلاق في الحياة العملية -بما في ذلك من يُنظِّرون لدعوى احتكار المنهج العلمي التجريبي لهذا الأمر-، كما سيأتي.

ثانياً: نقول: أن هذا الاعتراض لو سلّمنا به -جدلاً- لكان غاية ما فيه هو إثبات العجز عن إخضاع مسألة الوجود الإلهي لأدوات التحقق العلمية التجريبية، ولا يدل ذلك بحال على عدم الوجود الإلهي ذاته، فكما في القاعدة العقلية المعروفة: (عدم الدليل المعيّن ليس دليلاً على العدم، وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود).

ثالثاً: ومن هنا نتساءل: هل هذا المنهج العلمي قادر أصلاً على إدراك جميع الحقائق والظواهر واختبارها حتى يكون مجرد العجز عن إخضاع شيء ما لأدواته حجة على نفي ذلك الشيء؟

الواقع أن التأمل البسيط في الواقع يُفضي إلى خلاف ذلك -ومن المشتغلين بالمنهج العلمي من يُقرّ بهذا القصور فعلاً-، فنحن لا نجد مثلاً للمنهج العلمي التجريبي سُلطة على البديهيات والمبادئ العقلية الضرورية كمبدأ السببية بحيث يمكنه اختبارها والتحقق منها تجريبياً، بل على العكس من ذلك، نجد هذه المبادئ هي عِماد هذا المنهج وأسّ بناءه ولولاها لما وُجِد أصلاً! كما أننا نجد من مكونات هذا المنهج نفسه ما ليس داخلاً في إطار التجريب كتأثر الفروض العلمية بالحدس والخيال وما لهذين من أثر بالغ في تطور العلم، هذا علاوة على الأسس المتافيزيقية للعلم كالاستقراء وافتراض اطراد الحوادث في الماضي والحاضر.

وكذا الأمر أيضاً في المبادئ الأخلاقية سواء العامة التي يشترك فيها الناس جبلة وفطرة كحب العدل والصدق وبغض ما يضادهما من الجور والكذب، أو تفاصيل الأخلاق التي إما أن يأخذها الناس من الشرائع الدينية أو بعض المناهج العقلية أو النفعية الوضعية، بينما ليس شيء من ذلك يمكن إناطته بالعلم التجريبي. ووجه ذلك: أن المنهج التجريبي غاية ما يمكنه هو توصيف الظواهر، لكنه لا يملك القدرة على تعييرها وتقييمها والحكم عليها بالصواب أو الخطأ، فهو علم وصفي لا معياري.

رابعاً: لا يفوتنا هنا أن نشير لتناقض يقع فيه أصحاب هذا الاعتراض، فبينما هم ينكرون الوجود الإلهي بزعم عدم إمكانية إخضاعه للطريقة العلمية -ويعنون بذلك الحس والتجريب المباشر-، تجدهم أنفسهم لا يلتزمون بهذه الصرامة المزعومة إذ يصفون كثيراً من الأمور بأنها علمية ومثبتة عن طريق الاستدلال بآثارها المترتبة عليها فقط؛ كقانون الجاذبية، ونظرية التطور، ودراستهم للذرَّة وخواصها وتركيبها ووظائفها مع أنهم لم يكونوا يرونها، ودراسة تركيب الأجرام السماوية البعيدة، وكذا الحال في عدم تصورنا للكهرب مع أنه بآثاره أثبَتُ عندنا من الخشب كما يعبِّر الطبيب ليكونت دي ينوي! [عقائد المفكرين في القرن العشرين:٨٧]. وفي هذا السياق يقول العالم الطبيعي ميربت ستانلي كونجدن:

«إننا نستدل على هذه الظواهر جميعاً بآثارها، معتمدين في ذلك على الاستدلال المنطقي الصرف… وإننا لنستطيع أن نستخدم نفس المنطق الاستدلالي في إدراك وجود الله تعالى وصفاته» [الله يتجلى في عصر العلم: ٢٣].

خامساً: هل المنهج العلمي الصحيح يتعارض مع الوجود الإلهي؟ أم على العكس يوافقه ويؤكده؟

بناء على ما سبق بيانه من تسليمهم -ولو عملياً- بصحة الاستدلال على الحقائق والموجودات بآثارها المترتبة عليها -وهذا نوع من الاستدلال العقلي كما ترى-؛ نقول أن وجود الله تعالى يثبت بنظير هذه الاستدلالات كما قال كونجدن، ومن ذلك الأدلة العقلية التي نستدل بها على وجود الله كدليل الخلق والإيجاد في حدوث آحاد المخلوقات المشاهَدة، ودليل النظم والإحكام وما ينضوي تحته من مفاهيم بعضها تدخلها مادة من التجريب كالذي صاغه بعض المعاصرين للبرهنة على ما يسمى التصميم الذكي كمفهوم التعقيد غير القابل للتبسيط (irreducible complexity) للكيميائي مايكل بيهي، ويقاربه التعقيد المخصص  (specified complexity) للرياضي وليم ديمسكي، إلى غير ذلك.

0

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى