عرض ونقد

شبهة عدة المرأة المتوفى عنها زوجها


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
نتناول بإذن الله في بحثنا هذا شبهةً تدور حول عدة المرأة المتوفى عنها زوجها، واستبراء الرحم مع تطور الطب الحديث، ونسأل الله الهداية والتوفيق للصواب.

  • صورة الشبهة:

لماذا إذا توفي زوج المرأة جلست مدة لقضاء فترة العدة؛ مع أن آلات الطب الحديث تستطيع أن تكشف لنا براءة رحمها؟

قبل التفصيل في هذه الشبهة لابد من بيان أنها قائمة على خطأين:
• حصر تشريع عدة المتوفى عنها زوجها في علة استبراء الرحم من الحمل.
• تجاهل شمولية الشريعة، وصلاحها لكل زمان ومكان.

  • الرد على هذه الشبهة من وجوه:

أولاً: لابد أن يُعلم أن عدة المتوفى عنها زوجها؛ ثبت وجوبها وثبتت مدتها بدلالة قطعية من الكتاب والسنة والإجماع:
– من القرآن قوله تعالى: ﴿وَالَّذينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرونَ أَزواجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا﴾(1).
– ومن السنة: (كُنَّا نُنهَى أنْ نَحُدَّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْراً)(2)
– ومن الإجماع: قال القاضي عياض: “والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ، وأن عدتها أربعة أشهر وعشر”(3)

ثانياً: أن العلماء حينما يذكرون الحكمة من مشروعية العدة، وبقاء المرأة هذه الأشهر لاستبراء الرحم من الحمل؛ فإنهم لا يجعلون استبراء الرحم هو العلة الوحيدة التي يقوم عليها الحكم؛ لأن هذا يترتب عليه أنه إذا انتفت هذه العلة زال الحكم، وهذا غير صحيح.
ومما يذكر العلماء من الحِكَم والمقاصد لمشروعية العدة للمتوفى عنها زوجها، يقول ابن القيم: “ومنها تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه”، ثم يقول: “ومنها الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه؛ ففي العدة أربعة حقوق”(4).

ثالثاً: دلالة العموم(5) في الآية؛ فلم تستثنى المرأة التي مات عنها زوجها قبل الدخول بها؛ مع ثبات براءة رحمها، بل لزمتها العدة.

رابعاً: لابد من استحضار أن الشريعة جاءت صالحة لكل زمان ومكان، فلابد أن تكون منسجمة مع أحوال النساء في كل زمان وفي كل مكان؛ فما تفعل المرأة التي تعيش في البادية أو المناطق النائية، وما تفعل المرأة التي عاشت قبل تطور الطب وظهور الآلات الحديثة!

خامساً: أن هناك من رد هذه الشبهة بذكر دراسات علمية؛ فيقول: “أثبتت الدراسات الحديثة أن ماء الرجل يحتوي على 62 نوعاً من البروتين وأن هذا الماء يختلف من رجل إلى آخر فلكل رجل بصمة في رحم زوجته” إلى أن يقول: “أثبتت الأبحاث أن المرأة المتوفى عنها زوجها بحزنها عليه وبالكآبة التي تقع عليها هذا يزيد من تثبيت البصمة لديها”(6). ووصفوا هذا بالإعجاز العلمي، وسواء كانت هذه الدراسة مثبتة علمياً أو غير ذلك؛ وما في هذا الكلام من مغالطات إلا أننا لو سلمنا بذلك؛ فما الجواب في شأن المرأة التي توفي زوجها قبل الدخول بها ووجبت عليها العدة!
ولا شك أن الاعتماد على مثل هذه الدراسات يوقع خللًا قد يعود على الشريعة بالنقض.

وفي ختام هذا البحث؛ لابد من معرفة أن تعليق الأحكام الشرعية على مدى معرفتنا وكشفنا عن الحكمة من مشروعيتها أو على ما يصدر من مكتشفات علمية؛ سيهدر الكثير من الأحكام الشرعية، بالإضافة إلى أنه يتضمن نقضًا لمبدأ التسليم المبني على الخضوع التام لله عز وجل.


(1) سورة البقرة-234
(2) رواه البخاري ٥٣٤١
(3) الجامع لأحكام القرآن الجزء (3) = القرطبي
(4) إعلام الموقعين عن رب العالمين = ابن القيم
(5) إلا ما جاء من تخصيص لهذا العموم في حق المرأة الحامل وقد ثبت هذا بدليل صحيح قطعي في دلالته.
(6) الإعجاز العلمي في عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها


المراجع:
– تفسير الطبري
– تفسير ابن كثير
– عمدة الأحكام للمقدسي
– الجامع لأحكام القرآن القرطبي
– التفسير والبيان لأحكام القرآن الطريفي
– روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن الصابوني
– شرح الممتع من زاد المستقنع ابن عثيمين
– موسوعة الحديث الشريف: الكتب الستة
– إعلام الموقعين عن رب العالمين ابن القيم
– شبكة إسلام ويب
– شبكة طريق الإسلام
– موقع الإسلام سؤال وجواب


0

الكاتب: مهرة العتيبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى