عرض ونقد

ما الحِكمة في تغيُّر بعض الأحكام الشرعية ونسخها، ولماذا لم تُفرض الصلوات خمسًا من البداية؟

  • السؤال:

لماذا حصل تغيُّر في بعض الأحكام الشرعية، وهل التغيُّر فيها ينافي علم الله؟

يقول لي ملحد:لماذا فُرضت الصلاة ٥٠ مرة وتغير العدد إلى أن وصل إلى ٥ مرات؟ أليس يعلم الله من البداية أن ذلك سيكون ثقيلًا على المسلمين, فلم لم يفرضها ٥ مرات من أول الأمر؟


  • الجواب:

سنورد الجواب على أربع نقاط بإذن الله:

  1.  النسخ لا ينافي علم الله عزوجل.
  2.  الحكمة من تغيير بعض الأحكام الشرعية ونسخها.
  3. الحكمة من تغيير عدد الصلوات.
  4. توجيه للملحد المستشكل.

وهذا تفصيلها: 

  • أولًا:

الشبهة التي أثارها الملحد بأن تغيُّر الحكم الشرعي -وهو من النسخ- ينافي علم الله ليست بجديدة، فقد أثيرت قديمًا وزُعِم أن نسخ الأحكام يستلزم نسبة البداء أو الجهل السابق إلى الله -تعالى الله عن قولهم-.
وهذا الفهم سقيم، فإنه لا تلازم بين النسخ والبداء، النسخ ليس فيه تغير في علم الله تعالى، بل هو تغيير في الحكم مع كمال العلم السابق.
أما البداء -وهو الظهور بعد الخفاء – فالله سبحانه منزه عنه، فعلم الله محيط بالظواهر والبواطن، وبالماضي والحاضر والمستقبل، وبما كان وبما سيكون وبما لم يكن لو كان كيف يكون، {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا}.

وبالفرق يتضح أن رب العالمين في تشريعه للحكم المنسوخ يعلم أنه سُينسخ فى وقت كذا، وله في ذلك حكمة، وليس معنى النسخ أبدًا أن الله وقت تشريعه الحكم المنسوخ كان يجهل سبحانه ثم بدا وظهر له شيئا فغير الحكم لأجله.

وممكن مراجعة هذا الرابط لمزيد من التوضيح:
اضغـــط هنــــــــــــا

  •  ثانيًا:
    بعد ما وضحنا أن تغيير الحُكم لا يُنافي علم الله عز وجل المُسبق ولا علاقة له بذلك، نتحدث عن الحِكمة من النسخ في تغيير بعض الأحكام الشرعية، فنقول أنّ من حِكمة ذلك:
  • اختبارُ الناس أيُّهم سيكون أكمل تسليما وطاعة لله تعالى، وأيهم يفتن وينكص على عقبيه.
    كما يظهر هذا في آية تحويل القبلة، حيث قال تعالى:
    {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}.
  •  التيسير والتخفيف ورفعُ الحرج عن العباد.

مثل تخفيف عدد الصلوات، وفي مجيء ذلك بالنسخ ظهور للمنة والرحمة في تخفيف العدد.
قال الإمام الشافعي فى “الرسالة”:
«إن الله خلق الخلقَ لِما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم،لا معقب لحكمه،وهو سريع الحساب، وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة،وفرض فيه فرائض أثبتها، وأخرى نسخها،رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم،وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم: جنتَه والنجاةَ من عذابه، فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ، فله الحمد على نعمه».

  • التدرج فى التشريع مراعاةً لأحوال العباد.
  • مثل التدرج في تحريم الخمر، فهو يعلم سبحانه مسبقا أنه سيحرّم الخمر, ولكن شفقة بعباده جعل ذلك على التدريج في تحريمها، ليكونوا مهيئين لتحريمها،ووقتها جاء النهي الصريح الذي نسخ ما قبله.
    قال د.منقذ السقار في “تنزيه القرآن”:
    «ولتقريب فهم النسخ إلى الأذهان مثَّل العلماء له بفعل الطبيب الحاذق الذي يصف للمريض دواء، وهو يعلم أنه بعد تحسن حاله سيصف له دواء بديلاً يناسب حاله الجديد، فتبديله للدواء عن علم وحذق، وإن استنكر صنيعه بعض الذين لا يعلمون».
  •  لتربية الناس إيمانيًّا وعقديًّا على أن الله هو الملك المُشرِّع وأنه وحده من له الأمر والنهي، يتصرف في ملكه كيف يشاء.

وهذه الحكمة أشار المولى جل علاه لها بعد حديثه عن النسخ،فقال سبحانه:
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}قال الإمام السعدي:
«فإذا كان مالكًا لكم متصرِّفًا فيكم تصرف المالك البَرِّ الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه، فكما أنه لا حَجْرَ عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير، كذلك لا يُعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام؛ فالعبد مدبَّر مسخَّر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية، فما له والاعتراض!»

  • وقد يكون النسخ تشديدًا من الله جل علاه وعقوبة للبعض بسبب طغيانهم، كما شُدد على بني إسرائيل، قال سبحانه: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً ` وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.​

وهناك غيرها من الحِكم، ولكن لعل هذه أبرزها.

  • ثالثًا:
    أما بالنسبة لاستشكال تغيير عدد الصلوات على وجه الخصوص، فنقول: إضافة لما سبق من الحكمة من نسخ بعض الأحكام الشرعية عموما، فإن عدم جعل الصلوات خمسا من البداية نتج عنه آثار عظيمة جدا نافعة للمسلم فى علاقته بربه جل وعلا، وعلاقته بأنبيائه عليهم السلام، وأمور عقدية أخرى تصلح قلبه وحاله، ومنها على سبيل التمثيل لا الحصر:
  • ظهور رحمة الله عز وجل بأمة النبي صلى الله عليه وسلم فى التخفيف عليهم، وكرم الله فى جعل الأجر كاملا مع التخفيف (أجر خمسين صلاة)، فيزداد المرء حبًّا لمولاه وإقبالاً على التودد له.
  • لتظهر المودة والمحبة بين الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين فى نصح سيدنا موسى للنبي صلى الله عليه وسلم، و هذه عقيدة يهم ترسيخها عند كل مسلم، فهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إخوة ودينهم واحد، لا حسد ولا غل بينهم البتة، بل لهم نفس الغاية والرسالة والاعتقاد.
    وليظهر أيضا الارتباط بين هذه الأمة وكل الأنبياء، فنحن أولى بموسى وعيسى، وهم محبون لنا حريصون علينا، وهذا ظهر فى مواقف كثيرة فى الإسراء والمعراج منها قول سيدنا إبراهيم عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر”. وهذه المواقف تعزز الولاء لأنبياء الله والمحبة لهم وصلتنا بهم مما هو أصل من أصول الاعتقاد.
  • بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم بنا على وجه الخصوص فهو كما قال ربنا جل علاه:{حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}، فبمجرد معرفته أن هذا سيثقل علينا رجع إلى ربه عدة مرات يطلب منه التخفيف، فكيف نعصيه ونخذله وهو أحرص الناس علينا وأشفق الناس بنا ! بل هذه المواقف تزيد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم اتباعه.
  •  ليعلم العبد أن شريعة الإسلام سمحة، رفع الله بها عنا الحرج والمشقة فيها، وأن الصلاة كانت أثقل ثم خُففت, فيكون هذا أدعى للالتزام بها وعدم التقصير فيها، والحياء من الله جل علاه أن يُضيع العبد فرضا واحدا بعد كل هذه الرحمات والتخفيف مع مضاعفة الأجور.

فكلها أمور تُصلح القلب وتُرسخ عقائد مهمة، وقد ظهرت بتغيير الحُكم وتخفيفه في ذلك الموقف, والمسلم في حاجة للرقائق والمواقف التى تُعينه على الامتثال وتُصلح قلبه، وهو ما نجده دوماً مقترناً بالتشريع للأحكام.

 فهذه بعض من المنافع العظيمة، لعلّها من الحِكمة من التخفيف وعدم فرض الصلوات خمسًا من البداية، ولعل هناك المزيد مما لم نحط بعلمه، فلن نُدرك حِكمة الله جل علاه كاملة، ويجب التيقن من أنه سبحانه حكيم عليم، وكل تشريعاته وراءها حِكم عظيمة عرفها العبد أو جهلها.

  • رابعًا :
    وأخيرًا، ننبه على أن سؤال الملحد عن حكم من الأحكام الشرعية لا وجه له، لأنه لا يؤمن بوجود إله أصلًا, فضلا عن إيمانه بكماله ووجوب تنزيهه عن النقائص, فكيف يستشكل كمال صفات الإله وإحاطة علمه؟ ومن هنا ندعوه أن يرجع أولًا عن تناقضه إلى الإيمان بما دل عليه العقل والفطرة من وجود الله جل علاه, وبراهين الإسلام ودلائل صحته, ثم يناقش ما يشكل عليه.

     ويَحسُن مراجعة هذه الإضاءة المنهجية ، لمعرفة كيفية التعامل مع تشكيكات الملاحدة واللادينيين فى حِكمة الأحكام الشرعيّة :
    اضغـــــط هنـــــا

والله أعلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

الكاتب: الفريق العلمي لقسم الأحكام الشرعيّة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى