عرض ونقد

محاسن الوضوء وردّ بعض الشبهات المثارة عنه.

  • السؤال :

ما هي أهمية الوضوء؟
ولماذا نغسل الوجه واليد والرأس والرجل ولا نغسل باقي الجسم مثل الظهر والبطن؟

وكيف لبضعة حركات تفعلها بالماء تجعلك طاهرًا؟ ليس هناك دليل على هذا.


  • الجواب:

سيكون الجواب في محورين :

المحور الأول : تأصيل متعلق  بالأحكام التعبدية بوجه عام .

– المحور الثاني : الحديث عن الوضوء على وجه الخصوص، وذلك عن طريق :

1▪️ ذكر الحِكم الملتمسة في الوضوء .

2▪️ ذكر الحِكم في غسل هذه الأعضاء في الوضوء دون غيرها

3▪️ الرد على  ادّعاء أن حصول الطهارة بالوضوء لا دليل عليه، والقول بأن من المُحال ببضع حركات تُفعل بالماء تحقيق طهارة حقيقية.

وهذا تفصيل الجواب  ⬇️

 المحور الأول: تأصيل متعلق  بالأحكام التعبدية بوجه عام .

1▪️ لابد أن نتذكر أن الغاية من خلق الإنسان هي عبادة الله عزوجل كما قال سبحانه وتعالى{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، ولهذا عرفنا المولى سبحانه كيف نعبده وبأي طريقة، وما العبادات التي يحبها جل جلاله؛ لنعبده على الطريقة الصحيحة التي يرضاها؛ ولذا أنزل الله عزوجل الكتب وأرسل الرسل ليكون فيهما الهداية والإرشاد.

وإدراك هذه الغاية وتذكرها يجعل في أي عبادة نص عليها الشارع حِكمة عظيمة من هذه الجهة، وهي حِكمة تحقيق العبودية لله، والخضوع له بالطريقة التي يحبها ويرضاها، وهذا لا يعني حصر الحِكم في هذا الأمر فقط، بل أفعال الله عزوجل ترجع لحِكم كثيرة لكن لا يشترط أن تظهر لنا كلها، بل من المؤكد أننا لن نحيط بها علمًا.

———

2▪️  كذلك لابد من الانتباه إلى أن العبادات على وجه الخصوص أحكامها توقيفية تعبدية،  قائمة على التسليم لله عزوجل والخضوع لأمره، ولن ندرك الحِكم والعلّل في أغلب تفاصيلها، لذلك هذا السؤال سيفتح بابا لاستشكال كل شيء في تفاصيل العبادات، كسؤال لماذا الطواف سبع مرات؟ لماذا المغرب ثلاث ركعات؟ لماذا السجود مرتان والركوع مرة؟ لماذا ولماذا ولماذا !؟

 وهنا لابد من وقفة نعقد فيها قلوبنا على أن الأصل في العبادات وتفاصيلها أنها توقيفية، نتعبد لله عزوجل فيها بما يحب ويرضى ونثق بحِكمته جل جلاله.

 ويَحسن مراجعة هذا الجواب السابق على سؤال كيف تقنع مسلما بالأحكام التعبدية؟

للاطلاع عليه اضغــط هنـــا 

——————————————————

المحور الثاني: الحديث عن الوضوء على وجه الخصوص .

فما سبق هو تأصيل عام، لنعرف كيفية التعامل مع هذه التساؤلات حول العبادات التوقيفية، لكن لا يخفى على أحد أن الوضوء على وجه الخصوص يمكننا التماس حِكم كثيرة فيه .

أولًا: الحِكم الملتمسة في الوضوء .

– الوضوء نعمة  عظيمة من الله، فهو عبادة يسيرة فيها أجر عظيم وثواب كبير، كما أن فيه تطهيرًا للقلب والنفس (بمغفرة الذنوب كثمرة للوضوء) وتطهير البدن (بغسل الأعضاء  الحسية).

–  وتطهير القلب والبدن فيهما منفعة عظيمة بشكل عام، فالله جميل يحب الجمال، قدوس يحب المتطهرين كما قال سبحانه{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}، وفيهما منفعة ومقاصد خاصة قبل الصلاة؛ فالله ملك جل جلاله ولا يليق به سبحانه إلا أن نتطهر قدر المستطاع حسيا ومعنويا قبل أن ندخل في الصلاة وما فيها من استقبال القبلة وما فيها من الوقوف بين يدي الله عزوجل ومناجاته بل والحديث معه كما رُوي في الحديث الشريف (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين … )، فلابد أن يدرك العبد أن الوضوء فيه تهيئة للقلب بتطهيره من الذنوب وتطهير البدن قبل الوقوف بين يدي الله، واستشعار هذا قبل الصلاة له أثر عظيم على القلب وعلى الخشوع.

وهذا رابط يوضح بعض فضائل الوضوء وأجره العظيم

رابط (1)

رابط (2)

———————

ثانيًا: الحِكم في غسل هذه الأعضاء في الوضوء دون غيرها :

1▪️قد يرجع هذا إلى أن هذه الأعضاء تُباشر الأدناس أكثر من غيرها، كونها الأعضاء المكشوفة الظاهرة، كما أنها الجوارح التي يعصي بها العبد ربه سبحانه، فكانت بهذا أحق بالطهارة الحسية والمعنوية.

2▪️أما عن سبب عدم غسل البطن والظهر في الوضوء ، فقد يرجع  هذا والله أعلم إلى التخفيف ورفع الحرج والمشقة، ويدل على ذلك أن غسلهما من الأمور الواجبة في الغسل، لكن الوضوء يحصل مرات كثيرة في اليوم، فمن رحمة الله عزوجل بنّا أن خفف علينا، فشريعة الإسلام سمحة توازن بين المصالح وبين المفاسد، والتطهر مصلحة تكميلية يُراعى في تحقيقها ألا يترتب عليها مفسدة كبيرة كالمشقة والحرج، ولعلّ هذا ما جعل الوضوء على هذه الهيئة المذكورة المقدور عليها.

وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة:

«فتأمل محاسن الوضوء بين يدي الصلاة، وما تضمنته من النظافة والنزاهة ومجانبة الأوساخ والمستقذرات، وتأمل كيف وضع على الأعضاء الأربعة التي هي آلة البطش والمشي، ومجمع الحواس التي أكثر تعلق الذنوب والخطايا بها؛ ولهذا خصها النبي بالذكر في قوله: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها الاستماع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه».

« فلما كانت هذه الأعضاء هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي، كان وسخ الذنوب ألصق بها، وأعلق من غيرها؛ فشرع أحكم الحاكمين الوضوء عليها، ليتضمن نظافتها وطهارتها من الأوساخ الحية وأوساخ الذنوب والمعاصي».« وقد أشار النبي إلى هذا المعنى بقوله:إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء – آو مع آخر قطر الماء حتى تخرج من تحت أظفاره، وقال أبو أمامة: یا رسول الله، كيف الوضوء؟ فقال: «أما فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك و أناملك، فإذا مضمضت و استنشقت بمنخريك، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك، فإن نت وضعت وجهك لله، خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك» رواه النسائي، والأحاديث في هذا الباب كثيرة».

 « فاقتضت حكمة أحکم الحاکمین ورحمته أن شرع الوضوء على هذه الأعضاء التي هي أكثر الأعضاء مباشرة للمعاصي، وهي الأعضاء الظاهرة البارزة للغبار والوسخ أيضا، وهي أسهل الأعضاء غسلا، فلا يشق تکرار غسلها في اليوم والليلة؛ فكانت الحِكمة الباهرة في شرع الوضوء عليها دون سائر الأعضاء، وقد نبه سبحانه عباده على هذا، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} إلى قوله { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم ها مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لم يأمرهم بذلك حرجا عليهم، وتضييقا ومشقة، ولكن إرادة تطهيرهم وإتمام نعمته عليهم، ليشكروه على ذلك، فله الحمد كما هو أهله، و كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله». انتهى من كلامه رحمه الله

 مع التأكيد على أمرين :

– أنّ الحِكم التي تُلتمس لِحُكم من الأحكام قد تكون اجتهادية مبنية على التفكر والنظر البشري المحدود, وقد يوجد غيرها مما نعلمه أو لا نعلمه, كما قال تعالى:{ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء}, فقد لا يكون الحكم الشرعي محصوراً فيها أصلا, فلا يتوقف الحكم على تصوّر وجود كل منها بوضوح في محل الحكم الذي دلّ عليه النص, والمسلم بإسلامه صدّق بأنّ الله تعالى مستحق للانقياد والتسليم, وأيقن أنّه عليم حكيم, فإن فاته تصوّر الحكمة بموضع, فإنّ ذلك ثابت له بالبرهان العام, مشاهد له بالعيان في كثير من الأحكام الأخرى, فالعقل يقضي بأن يبني على دليله, ويقيس ما غاب عنه من قليل على ما ثبت لديه من كثير.

– وأنّ مقام العبودية يستلزم من العبد التُسليم لله عزوجل والامتثال لأوامره، ولا يشترط من ذلك أبدا معرفة الحِكمة في كل أمر ونهي.

 وهذا مقطع قصير عن التسليم لله عزوجل.
اضغط هنا لمشاهدته

ثالثًا : أمّا بالنسبة لادّعاء أن حصول الطهارة بالوضوء لا دليل عليه، والقول بأن من المُحال ببضع حركات تُفعل بالماء تحقيق طهارة حقيقية.

فهنا نقول :

1▪️إن الشرع لم يكتفي في الطهارة بالوضوء والغسل، بل راعى زوال النجاسات الحسية وأمر بإزالتها؛ فمن المعلوم أن تحقيق الطهارة كحُكم شرعيّ يتمّ بأمرين (رفع الحدث وزوال الخبث).

* وفي (زوال الخبث)، يتم إزالة كل النجاسات المتعلقة بالثوب والبدن والمكان، وجاء الشرع ببيان أنواع النجاسات وكيفية إزالتها، وهنا تتحقق الطهارة الحسيّة.

* وفي (رفع الحدث)، يتحقق الوصف الشرعيّ بالطهارة، والذي هو أمر معنوي واجب ليتمكن الإنسان من القيام بعبادات معينة لا تصح بدون هذا الُحكم .

والحدث هو شيء معنوي غير محسوس يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة ونحوها، وقد يكون حدثًا أصغر وهو ما يُوجب الوضوء أو حدثًا أكبر وهو ما يُوجب الغُسل.

وبهذا يتضح أن الوضوء لم يُشرع في المقام الأول لحصول الطهارة الحسية؛ فالطهارة الحسية تحصل بزوال الخبث، وإنما جاء الشرع الحنيف بالوضوء كعبادة فيها أجر عظيم يحصل بها رفع الحدث الأصغر معنويًا، ويحصل بها زوال أشياء كالغبار والتراب وغيرهما، ليسوا بنجاسات ولكن يُعتبر التخلي عنهما أكمل في التطهر.

ويُمكن مشاهدة هذا المقطع القصير لمعرفة الفرق بين رفع الحدث وزوال الخبث :

اضغــــط هنـــا لمشاهدته

2▪️ أمّا الادّعاء بعدم وجود دليل على تحقيق الطهارة بالوضوء فهذا باطل،

لأن هناك الكثير من الأدلة الشرعيّة على عبادة الوضوء وعلى أنه مُجزئ في رفع الحدث الأصغر والحُكم على المسلم بالطهارة، وهذه الأدلة الشرعيّة كافية بل هي الوحيدة المعتبرة، نظرًا لكون رفع الحدث والحُكم بالطهارة أمرًا معنويًا وحكمًا شرعيًا، فلابد أن يكون دليله الشرع وإلا لما انضبط، فالشرع هو الذي يُحدّد كيفيّة الأحكام الشرعيّة والعبادات من طهارة وصلاة وعمرة وحج وغيرذلك.

 ولابن القيم – رحمه الله – في إعلام الموقعين لفتة جميلة حول هذا الأمر حيث قال:
« ولعل قائلا يقول : وما يجزئ مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة ؟ ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالا لأمر الله وطاعة له وتعبدا يؤثر في نظافته وطهارته ما لا يؤثر غسله بالماء والسدر بدون هذه النية، والتحاكم في هذا إلى الذوق السليم، والطبع المستقيم» 

وفي الختام:
نوصي أنفسنا وزائرنا الكريم  أن يكون اهتمامنا الأكبر بتحقيق مقاصد كل عبادة، فالله جل جلاله يستحق العبادة ويستحق أن تخضع له كل المخلوقات وتتقرب له في كل لحظة بكل الفرائض والنوافل التي يحبها ومنها الوضوء، وما أجمل أن نستشعر الامتثال والعبودية لله، وما أروع أن نعبد الله بما يحب وبما أمر وفرض.

 نسأل الله عزوجل أن يرزقنا حبه وحب من أحبه وحب كل عمل يقربنا لحبه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله أعلم

0

الكاتب: الفريق العلمي لقسم الأحكام الشرعيّة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى