عرض ونقد

هل الإلحاد وترك الدين حل لما يواجهه الانسان من مشكلات اجتماعية وغيرها؟

 


(بسم اللّٰه الرحمن الرحيم)

إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له ولن تجد له وليًّا مرشدًا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة فصلوات الله وسلامه على النبي الكريم وعلى آله وصحبه وسلّمَ تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد:
فقد مرت الأمم بأحداثٍ ونوازلَ كثيرة كبيرة شديدة، لا حصر لها ولا مجال لعدّها، وحاول العلماء والمفكرون على مرِّ العصور أن يقدموا تفسيرًا لما يصيب الناس من كدرِ العيش وتقلُّبات الزمان، وتهافتَ الكثيرون من العامة والخاصة إلى إبداء شيء من الاحتجاج على طبيعة حياتهم المكدرة فكان هذا سوق من لا بضاعة  له ومنبر من لا منبر له..
وتقسم الناس -في غير ظل المنظومة الإسلامية المتكاملة- إلى صامت تعيسٍ و إلى غاضب ثائر، وصار الإلحاد والخروج عن الدين لونًا من ألوان الاحتجاج، إذ كيف يقبل إله كاملُ الرحمة أن يحدث لمخلوقاته كل هذا البؤس في الحياة ولا يتدخل فيمنع ذلك؟ إذًا هو قطعًا غير موجود،  تعالى ربُّنا سبحانه عما يقولون علوًا كبيرًا وتبارك اسمه وتعالى جده.
وبغضِّ النظر عن مغالطة تنافي كمال رحمته سبحانه وتعالى مع وجود الشرور في الدنيا، فإن علينا الإجابة عن سؤال قوي مجلجِل يفرض نفسه، ألا وهو هل أصحاب هذه الاعتراضات فاهمون لطبيعة الحياة الدّنيا التي أرادها الله سبحانه وقدَّرها وخلقها عليها؟! أم أن الخلل أصلًا كله أو جُلَّه في هذا الباب؟.

الدنيا دار ابتلاءات ومرض وفقد:

فإن الوجود في الحقيقة متنوع بطبائعه وحقائقه فكما أنّ هناك من الراحة والأمن والسلام في هذه الدنيا فإن هناك أيضًا من التعب والمشقة والخوف والجوع ما يكمله ويجعل لحقيقة الخير تصورًا صحيحًا، فكيف لنا أن نميز السلام لولا الحروب؟ وكيف للجائع أن يدرك جوعه لولا أن أحس بالشبع والاكتفاء..؟
وهكذا فإن الشّر والخير والابتلاء والنعم والمرض والصحة كلها لوازم طبيعية موجودة في الكون لا يمكن بحال أن تقوم له قائمة لولا تضافر لوازمه وصفاته و طبيعاتِه، وكذلك الأمر في المشاكل الاجتماعية المتعددة.
فهلّا اتّعظ المعترض على تكدر رفاهيّة عيشه من خير البشر وأطهرِهم وأفهمهم لطبيعة الدنيا؛ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فهم أكثر من ابتُلي من بني آدم، فما زادهم هذا إلا يقينًا وتسليمًا ورجوعًا لله سبحانه وتعالى.

فهذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يؤمر بذبح ابنه وفلذة كبده فيقول الله تعالى به: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ}وأيوب عليه السلام { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ويبين الله سبحانه وتعالى للناس في كتابه صراحةً طبيعة الدنيا فيقول في كتابه العزيز: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} {لتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} والكثير الكثير من الآيات الموضحة للناس طبيعيةَ وجود الشرور والآلام والأمراض.

وقوع الشرور والظلم من الناس بين بعضهم البعض:

عندما خلق الله سبحانه وتعالى الكون، قدر له بحكمته الواسعة وعلمه اللامنقطع سننه ولوازمَه وطبيعته، وشرع للناس دستورًا يحتكمون إليه فيما يشجر بينهم، ومن أبرز دواعي هذا تحقيق العدل وبيان الحق بين الناس كي لا يجور قويُّهم على ضعيفهم ولا ذَكرهم على أنثاهم، ولا جماعاتهم على أفرادهم، ورتب سبحانه بحكمته الواسعة حقوقَ وواجبات كل فرد منهم لكي لا يتظالموا، فعن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم  فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا).
فهذا هو الشرع وهذا هو الأصل وما يحصل بين الناس من تظالم وأكل حقوق بعضهم بعضًا بما لا يرضي الله سبحانه وتعالى إنما هو من تجاوزات البشر وإفراطهم بإرادتهم الحرة وعلمهم المسبق واختيارهم التام، وإنهم بظلمهم هذا إنما يستحقون من الله الوعيد الشديد، فحاشاه ربنا سبحانه وهو الحقُّ العدل القوي المعز المذل ألا يقتصّ لمن ظُلِم يومَ لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.
فإن سأل سائلٌ أين الله مما يحصل للمظلومين من اعتداء؟ فنقول لهم كما قال الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}.

لماذا قد يختار الإنسان الإلحاد على التدين؟

فإن ناقشنا هذا السؤال فسيتبين لنا أن الشبه المؤدية له متعددة متنوعة بتنوع التجارب الإنسانية، ولكنها حتمًا ستنحصر ضمن أصول معينة محددة لا تكاد تخرج منها، فمن هذه الأصول:

-[شبهة مشكلة الشر وعلاقته بوجود الله وعدله]:

مشكلة الشر، مشكلة قديمة حديثة، استسلم أمامها الكثير من العلماء والفلاسفة وصرحوا بحيرتهم وترددهم إذ لم يصادفوا جوابًا شافيًا لما يخوض في قلوبهم وعقولهم، حيث يقولون: كيف لإله كامل الرحمة والقدرة أن لا يمنع وجود الشر؟ وهنا تظهر المغالطات المنطقيّة، ومن هذه المغالطات، تصور الإنسان الخاطئ لمفهوم الحكمة الإلهية، فقد يقدر الله سبحانه له أمرًا يكون في نظره كل الشرّ وهو حقيقةً يحمل في طيّاته شتى أنواع العطاء والخير والكرم الإلهي سبحانه. فإنه بفهمه الخاطئ هذا كأنه يحاول القول أنّ ما يراه بعينه هو الخير، وكأنه يحيط بعلم الله سبحانه! فيا ليته أدرك كمال حكمة الله وقوته وجبروته وأنه لا يتعارض مع رحمته التي وسعت كل شيء ويا ليته يدرك أن وقوع الشر في حياته قد يترتب عليه خيرٌ عظيم آتٍ لا محالة، وليس لأجل مجرد وقوع الشرّ ذاته.
وهل يا ترى تنتهي الشرور بالإلحاد؟
الشرور بأنواعها المتعددة؛ النفسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وغيرها، إن وجدت بطبيعة الحياة الدنيا كما بينا سابقًا، هل يستوجب وجودُها إنكار الوجود الإلهي؟ فهنا علينا أن نسأل، أين وجه التلازم بين وجود الشر وبين انتفاء وجود الله سبحانه وتعالى؟! الاعتماد هنا على قضية الشَّر في إنكار الوجود الإلهي مبنيٌّ قطعًا على القفز الحكمي، إذ ليس من مُسبّبات وجود الشر اقتضاء انتفاء وجود خالق مقدّرٍ حكيم أراد وقدر  لهذه الشرور أن تكون أصلًا فقد قال الله تعالى بشكل واضح في كتابه العزيز: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}فيدل ذلك صراحة على أنّ المعترضين لم يبنوا اعتراضهم على دليل عقليٍّ بل على اتباع الهوى والعواطف النفسية التي لا يؤبه لها ولا يُحتجّ بها لتقديم اعتراضٍ أصلًا.
ومَن سيحاسب المجرمين بعد موتهم؟
ونرى في تقديم هذه الدعاوى والاعتراضات مستفيدين أخفياء، حيث أننا لو قلنا أنّ وجود الشر يقتضي عدم وجود خالق فهذا يتيح لمن يريد للشرور أن تقع أصلًا من تُجّار الحروب والدمار والنهب والظلم وعبيد الرأسمالية والماديّة البحتة وغيرهم، يتيح لهم الاستشراء بأفعالهم وأخذ إشارة خضراء في المضيّ قدمًا بما يحاولون القيام به.
فهل يقبل العقل البشري المتجرد السليم هذا؟! كيف يقبله وقد فُضِح مدى قبح وفساد لوازم الملاحدة واللادينيّين، إذ يستوي عندهم الظالم القاتل للآلاف والملايين مع المظلوم المنهوب المسلوب حقه والمستضعف بل ويُقَدم الظالم عليه لأنه فعل ما يحلو له واستمتع بحياته! فلا والله لا يهربون من الوقوف بين يدي الله سبحانه والحساب على شرور أعمالهم وما اقترفته أيديهم. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ۖ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
المشاكل النفسية والضغوطات الاجتماعية:
بتنا نسمع مؤخرًا عن فلانة تركت الدين وأنكرت وجود الله سبحانه وتعالى بسبب مشاكل مع عائلتها وصديقاتها، وفلان عنده من الهموم ما عنده ومن ضغوطات الحياة ما يسخط فيه على قدر الله سبحانه وتعالى وقضائه مما جعله يكفر به سبحانه، وهذا ليس بجديد أو مقتصر على زماننا فالله سبحانه ذكرهم في كتابه {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } فمن شدة ضعف إيمانه إن أصابه خير استمر بعبادة الله وإن مسّه سوء انقلب على عقبيه، ولا خسران أكبر من هذا فلا دنيا سُرّ بها، ولا آخرة فاز بها..

-[شبهة الدين والمتدينين، سببُ كثير من الحروب في العالم]:

وقد يقول قائل: إنّ الإسلام بفرضه الجهاد القتالي إنما هو دين وحشيّ يحرّض على القتال وتعظيم مشكلة الشر. فنقول له: إن المتأمّل المنصف لحقيقة الإسلام وطبيعة أحكامه ومقاصد شرائعه، يُدرك أنه دين سلام للبشرية كلها، عربها وعجمها، بكل مللها ونحلها.
الباعث على الحرب والقتال في الإسلام هو دفعُ الاعتداء، لا البدء به، قال عز وجل: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}
السلم هو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم، وهو أصلٌ في عقيدة الإسلام، وعنصر من عناصر تربيته، وهدف يعمق الإحساس به في ضمير الفرد، وفي واقع المجتمع، وفي بناء الأمة .
الجهاد القتاليّ في الإسلام لم يكن قطُّ دون ضوابط وآداب، فللجهاد ضوابط قبل بدء القتال، وفي أثناء القتال وبعده.
التاريخ والمنصفون من غير المسلمين يشهدون بعدالة الفتح الإسلامي، سماحة المسلمين مع أهل البلاد المفتوحة.
وكيف لمن يدعي ذلك أن يَنسى ما فعله أثر تحجيم القيم الإنسانية السامية التي جاء بها الدين في سبيل التّطور الرأسمالي اللاديني في تصنيع أدوات الحرب والأسلحة الفتاكة النووية التي أهلكت الحرث والنسل ودمرت الشعوب في سبيل الخضوع للرغبة بالسلطة المادية اللادينية؟
هل وجد الملحدون في إلحادهم حلًّا للمشكلات التي يواجهونها؟
وهنا السؤال الصريح الواضح الذي يطرح نفسه، فليخبرنا أصحاب الإلحاد عن سعادتهم وصفاء نفوسهم التي يتمتعون بها بعد إلحادهم..
فلن نجدهم يحدّثونا إلّا عن انتحارات ومشاحنات وضنك عيشٍ وكدر حياة. فها هو الدكتور سامي عامري يقول: (القول: إن وجود الشرور في العالم دليل على عدم وجود إله، هو حل للإشکال سهل، شديد السهولة؛ إذ لا يستغرق من العقل جهدًا ولا محاولة لاستكمال صورة الوجود الكبرى، هو حل يكتفي بالرفض والوجوم، وهو أيضًا يقدم حلًّا كارثيًّا لا يمكن أن يرضي وجدان الإنسان ولا أن يروي أعماق نفسه المتعطشة لنموذج العدل، إذ الإلحاد يجعل الشرور التي في هذه الدنيا بلا عاقبة، ينجو الشرير من شروره، ويمنع المحسن من الجزاء، ولا ينتصف للمظلوم. إنها مسرحيّةٌ تراجيدية قاتمة المقاطع، لا تقود فيها الحبكة الدرامية المتقنة في فصولها الأولى إلى نهاية منطقيّة، وإنما تنتهي المسرحية في فصولها الأولى القصيرة بلا أمل في “حكمة!”.)
ونحن نهايةً نقول، إن لم يستمطر الناس جلاء همومهم في رحاب رحمة ربهم وعفوه وغفرانه، فبأيّ أزقّةٍ مظلمةٍ ضيقةٍ يبحث هؤلاء عن سلامة عيش وصفاء قلب و ذهن؟!

سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرُك ونتوب إليك.


الكاتب: أسمَاء القاضِي - مَريَم الهِبِل.

التدقيق اللغوي: فَاطِمة عِماد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى