[الجزءُ الأول: نظرةٌ تاريخية]

قالوا: القرآنُ من تأليفِ محمدٍ ﷺ، وقد نقلَ فيهِ من شعر أمية بن أبي الصلت الذي يقولُ في قصيدته:

وَيَوْم مَوْعِدِهِمْ أنْ يُحْشَرُوا زُمَراً … يَوْم الَتَّغَابُنِ إذ لا يَنفَعُ الحَذَرُ

مُسْتَوسِقِينَ مَعَ الدَّاعِي كَأَنَّهُمُ … رِجْلُ الجَرادِ زَفَتْهُ الرَّيحُ مُنْتشرُ

وأُبرزوا بصعيدٍ مستوٍ جُرُزٍ … وأُنْزِلَ العَرْشُ والميزانُ والزُبُرُ

تَقُولُ خُزَّانُها مَا كَانَ عِنْدَكُمُ … أًلُمْ يَكُنْ جَاءَكُمْ مِنْ رَبَّكُمْ نُذُرُ

قالوا: بلى فأطعنا سادةً بطروا … وغرّنا طولُ هذا العيش والعمرُ

قالوا: امكثوا في عذاب اللهِ ما لكمُ … إلاّ السلاسلُ والأغلالُ والسّعرُ

فهذا الشبهُ الكبيرُ بين هذه الأبياتِ وبين القرآنِ دليلٌ على أن القرآنَ مأخوذٌ من مصادر بشرية، ومنهم أمية بن أبي الصلت.

  • والجواب: من جانبين:

الجانب الأول: بافتراضِ صحةِ نسب هذا الشعر لأمية، الجانب الثاني: نقض نسبته إليه.

  • نظرةٌ على تاريخِ أميّة:
  • نَسَبُه: هو أميّة بن أبي الصلت عبدِ الله بنِ أبي ربيعةَ بنِ عوفٍ بن عقدة بن غِيَرَة بن عوفٍ بن ثقيف. [مختصر تاريخ دمشق ٥/٤٢]
  • ما جاء عن حياتهِ من روايات:
  • شاعرٌ جاهلي، قدم دمشق قبل الإسلام، وقيل: إنه كان نبياً وإنه كان في أول أمرهِ على الإيمان، ثم زاغ عنه، وأنه هو الذي أرادَ اللهُ تعالى بقوله: ” واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ” [مختصر تاريخ دمشق ٥/٤٢].
  • قال الزُّبير بن بكّار: حدّثني عمي، قال: كان أميةُ في الجاهليةِ ينظرُ للكتب ويقرؤها، ولبس المسوح وتعبّد أوّلا بذكرِ إبراهيم وإسماعيل والحنيفية، وحرّمَ الخمر، وتجنّبَ الأوثان، وطمعَ في النبوة؛ لأنه قرأ في الكتب أنّ نبياً يبعثُ بالحجاز، فرجا أن يكون هو، فلما بُعث النبيّ ﷺ حسدهُ فلم يسلم. [الإصابة في تمييز الصحابة ١/٣٨٥]
  • كان يتعبدُ في الجاهليةِ ويؤمنُ بالبعث، وأدركَ الإسلامَ ولم يسلم. [سلم الوصول إلى طبقات الفحول ١/٣٤٥]
  • جاهلي، كان يقرأ كُتبَ المتقدمين، ويَعْنِي بأخبار الماضين، وله شعرٌ كثيرٌ يَذكرُ فيهِ الجنةَ والنار، والجزاءَ بالأعمال، ويبشرُ برسولِ اللهِ ﷺ قبل ظهوره، فلما بعث الله نبيهُ حسدهُ أمية، ولم يؤمن به. [تلخيص المتشابه في الرسم ٢/٨٤٦]
  • وَكَانَ أُميَّةُ بن أَبى الصَّلْت كثيرَ الْعَجَائِب، يذكرُ في شعرهِ خلقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض، وَيذكرُ الْمَلَائِكَة، وَيذكرُ من ذَلِك مَا لم يذكرهُ أحدٌ من الشُّعَرَاء، وَكَانَ قد شام أهل الْكتاب. يريد: أنه نال شيئًا من علمِ أهلِ الكتابِ وأخبار دينهم [طبقات فحول الشعراء ١/٢٦٢-٢٦٣]
  • وقد قرأ الكتبَ المتقدمّةَ من كُتبِ الله جلّ وعزّ، ورغبَ عن عبادةِ الأوثان، وكان يُخبر بأنّ نبياً يُبعث قد أظلّ زمانه، ويؤمّل أن يكون ذلك النبي، فلمّا بلغه خروجُ رسول الله ﷺ وقصّته كفر حسداً له. [الشعر والشعراء ١/٤٥٠]
  • وأغلبُ الظنِ أن العصرَ الجاهلي لم يعرف رجلًا كأميّة بن أبي الصلت، حيثُ يقولُ الجاحظُ عنه: «كان داهيةً من دواهي ثقيف، وثقيفٌ من دُهاة العرب، وقد بلغَ من اقتدارهِ في نفسهِ أنّه قد كان همّ بادّعاءِ النّبوة، وهو يعلمُ كيف الخصال التي يكون الرجل بها نبيّاً أو متنبّياً إذا اجتمعت له، نعم وحتّى ترشّح – أي: تقوّى – لذلك بطلب الرّوايات، ودرْس الكتب، وقد بان عند العرب علَّامةً، ومعروفاً بالجولان في البلاد، رَاوِيةً» [الحيوان ٢/٣٢٠]
  • سافر مع أبي سفيان إلى الشام في تجارة ، وأثناءَ السفرِ كان أمية بين الفينة والأخرى يقرأ على أبي سفيان بعض النصوص من الكتب والأسفار التي كان مولَعًا بقراءتها ، والتقى ببعضِ النصارى هناك وذهب إلى بيت أحد علمائهم ، فأخبره الشيخ النصراني ببعض ما في كتابهم من العلم : من أن الناس ستبعثُ بعد الموت، وأن هناك نبيّاً يبعثه الله في ذلك الزمان، فسأله أمية عن صفاته، فقال : هو رجلٌ من العرب ، فتمنى أميّة أن يكون هو، فلما علم أنه يكون من قريش اغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، ولما حدَّث أبا سفيان بالأمر تعجب منه أبو سفيان وأنكر عليهِ القولَ بالبعثِ بعد الموت، ولما عاد أبو سفيان من التجارة، علم ما كان من خبر النبي ﷺ حيث انتشر في مكة أنه يدعي النبوة، ففزع لذلك وتذكّر حديث أميّة، فقام من فوره وذهب إلى اليمن ليقابل أميّة ، فلما أتاه وقصّ عليه الخبر، عزم أميّة لئن ظهر وهو حيّ لسوف ينصره عذرًا، وذهب أبو سفيان، فلما التقى به مرة أخرى قال له أميّة : والله ما كنت لأومن برسولٍ من غير ثقيف أبداً ! [باختصار من: مختصر تاريخ دمشق (٥ /٤٣ – ٤٦)، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٣/١٢٤-١٤٥)، البداية والنهاية (٢/٢٨١-٢٨٣)]
  • وهناك خبر آخر يذكر سبب جحودهِ وعدم دخولِ الإسلام، وفيه أنه ذهب إلى النبي ﷺ، وسمع منه سورة (يس) في مكة، فتتبعته قريش تسأله عن رأيه فيه فقال: أشهد أنه حق، قالوا: هل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره، وخرج إلى الشام. وهاجر النبي ﷺ إلى المدينةِ وحدثت وقعة بدر، فعاد أميّة من الشام يريدُ الإسلام، فقال له قائل: يا أبا الصلت ما تريد؟ قال: أريد محمدًا، قال: وما تصنع؟ قال: أومِن به، وأُلقي إليه مقاليد هذا الأمر. قال: أتدري من في القليب؟ [قليب بدر حيث ألقي قتلى المشركين] قال: لا. قال: فيه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما ابنا خالك، فامتنع من الإسلام. [البداية والنهاية، ابن كثير ٢/٢٨٥]
  • وجاء في رواية أنه قال: مَا يَمْنَعُنِي إِلَّا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ إِنِّي كُنْتُ أُحَدِّثُهُنَّ أَنِّي هُوَ، ثُمَّ يَرَيْنَنِي تَابِعًا لِغُلَامٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! [البداية والنهاية ٣/٢٨٣]
  • وفي رواية أخرى، أنه قال: هو على الحق، ويمنعني الحياءُ من نُسَيَّاتِ الطائف، كنت أحدثهن أنني هو، ثم أصير تبعًا لغلام من بني عبد مناف. [مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ٣/٢٣٩]
  • الجمع بين الروايات:

قد يكون في ظاهر بعضِ هذه الروايات تناقض في سبب عدم إسلامه، فروايةٌ تقول بأنه الحسد، وثانية تقول بأنها العصبية لأهله وعشيرته، وأخرى تقولُ بأنه الكبر، ويمكن الجمع بينها بحمد الله، فنقول:

  • أما القول الأول: الذي يقول بأنه كان نبيًا فقولٌ ظاهرهُ البطلان؛ لأن الله يختار للنبوة أشرف الناس وأزكاهم، ويعصمهم من الوقوعِ في الكفر، كما قال مجاهد: “وهو غير صحيح؛ لأن الله لا يصطفي لنبوته إلا من يعلم أن لا يخرج عن طاعته إلى معصيته” [تفسير الماوردي 2/279]، وكما قال فخر الدين الرازي: ” وإن قال قائل بأن المذكور في الآية كان نبيًّا ثم صار كافرًا، قلنا: هذا بعيد؛ لأنه تعالى قال :”الله أعلم حيث يجعل رسالته” [الأنعام: 124]، وذلك يدل على أن الله تعالى لا يشرِّف عبدًا من عبيدهِ بالرسالةِ إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد من الشرف والدرجات العالية والمناقب العظيمة، فمن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر! ” [التفسير الكبير ١٥/٥٤].
  • وفي باقي الرواياتِ يمكننا أن نقول:

قد قرأ أمية الكتب، وعلمَ الكثير عن النبوة، وعلمَ صفات النبي الخاتم، وكان من دُهاة العرب وأشرافهم، فتوقّع أنه سيكون النبي، حتى بلغ من الثقة أن أخبر بذلك نساءَ قومه.

  • ولما تأكّدت لديه نبوةُ النبي محمد ﷺ بما سمع عنه من أوصافٍ على لسانِ أبي سفيان تُصدِّق ما قرأه في الكتب، وبما سمعه من القرآن حينما قابل النبي ﷺ وسمع منه سورة يس، اغتمَّ لذلك، وأصابه من الهمّ ما أصابه، ودخل قلبه على النبي ﷺ حسدٌ شديد؛ لشدة وَلَعِه بمقام النبوة، ولأجل اشتياقه لها وظَفَرِ النبي ﷺ بها دونه، فكفر حسدًا.
  • ومما زاد من أسباب امتناعه ما عُرف عنهُ من المجدِ والكرمِ والسيادة، بالإضافة إلى كونِه من بيت حسبٍ ونسب؛ فنسبهُ من جهة الأبِ ترجعُ به إلى ثقيف -من الطائف-، وأمه رقية بنت عبد شمس من قريش، وفي القرآن: “وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم” [الزخرف: 31]، والقريتان هما: مكة، والطائف، وقد جمع بينهما. فربما أصابهُ الكبر والتعالي على اتباع النبي ﷺ على ما فيه – أعني أميّة – من الشرف والوجاهة، ولعل هذا يظهر في قوله «…ثم أصير تبعًا لغلام من بني عبد مناف!»، «… والله لا أؤمن برسول من غير ثقيف أبدًا» فكفر به لشيء من الكبر.
  • ثم إن أميّة لم يكن كسائرِ الجهلة بأمور العقيدة من الجاهليين؛ بل كان عالِمًا قارئًا للكتب، فهو – وإن كان فيه حسدٌ على النبي ﷺ، وشيء من الكبر – إلا أنه خيرٌ من الجاهلِ بمئة مرة، فالعالِم يوشك أن ينتفع بعلمه، بخلاف الجهلةِ الرعاع أتباع كل ناعق! فيبدو أنه انتصر على نفسه ذاك الحين، وقرر أن يؤمن بالنبي ﷺ؛ لِعِلْمِه بمصير المكذبين للنبي، كيف لا وقد أكْثَر في شعره من ذكر الجنة والنار؟ وأثناء هذه الفترة – فيما يبدو – قال في مدح النبي ﷺ والدعوة إليه بعضَ الأشعارِ التي نجدها مُثبتةً في ديوانه لم ينكرها أحد من المتقدمين.
  • وأثناء سفرهِ في رحلةِ ذهابه للنبي ﷺ يريد الإيمان به، لقيه ذاك الرجل وأخبره خبر ابنيْ خالِه، فكفر عصبيةً جاهليةً لأهله، وهذه المرة وقع في مستنقع الكفرِ وقعةً لم تقُم له قائمةٌ بعدها، وظل على الكفرِ إلى يوم موته.
  • القول في ديانته: ذهب قوم إلى أنه كان يهوديًّا، وآخرون إلى أنه كان نصرانيًّا، وعلى أنه ليس من اليسير على الباحث أن يُلحِق إنسانًا بدينٍ ويبرِّئه من آخر، وخاصةً إذا لم يكن هناك دليل قاطع، إلا أن الأقرب والذي يظهر – والله أعلم – أنه كان وثنيًا عَدَلَ عن عبادة الأوثان كما أجمعت على ذلك المصادر القديمة، وهو بهذا يكون أقرب إلى الحنيفية إن لم يكن عليها. أما مجرد قراءته كتبَ النصارى أو اليهود، أو كثرة دخوله الكنائس والترداد على الرهبان والقساوسة؛ فلا ينهض أن يدل على تهُّوده أو تنصّره.

انظر:الجزء الثاني


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 3.7 / 5. عدد الأصوات 3







مشاركة عبر البريد الإلكتروني