الحمدُ للهِ المتفضِّلِ بالإنعامِ والصّلاةُ والسلامُ على رسولِه خيرِ الأنام سيّدِنا محمّدٍ وعلى آلهِ وصحبِه مصابيحِ الظّلامِ ومن سارَ على نهجِه واقتفى أثرَه واستقامَ، وبعد:

لمّا كانت أدلّةُ نبوّةِ محمّدٍ ﷺ براهينَ واضحاتٍ لا ينكرُها إلّا مكابِرٌ أو معانِدٌ استحالَ على المشكّكينَ ابطالُها؛ فنَبشت أقلامُهم الموتورَةُ بدلًا من ذلك بحثًا عن أيِّ شُبهةٍ يُتوهَّمُ منها الطّعنُ في شخصِ النبيِّ ﷺ ليُشكِّكوا به الناسَ، ولكن من تدبّرَ في شُبهاتِهم وجَدَ أنها مجرّدُ تهويشاتٍ لا يصِحُّ منها شيء، ومن أمثلةِ هذه الشّبهاتِ استنكارُهم لدخولِ النّبي صلّى اللهُ بالسيدةِ عائشةَ وهيَ في سنِّ التاسعة، ولو تفحّصنا الموضوعَ ودرسناهُ بروّيةٍ لما وجدنا في الأمرِ أيّ إشكالٍ، ولعلّ النقاط التالية تُبيّنُ ذلك:

أولًا: قَبول النّفوسِ للزّواجِ في هذا السنِّ أو استنكارُه إنما هو عائدٌ للأعرافِ لا للحقيقة في ذاتِها؛ وإلا فلَو كانَ هناكَ أي غَضاضَةٍ في هذا الأمرِ لكانَ أوّلُ من استنكرَه كفّارُ قريشٍ واليهودُ والمنافقون الذين لا يفوّتونَ فرصةً للطّعنِ بالنبي ﷺ ، فهم لم يَألوا جهدًا في الطعنِ به ﷺ عن طريقِ عائشةَ في حادثةِ الإفك، وقد ذكرَ الله في القرآن الطُّعونَ التي وجَّهها الكفارُ والمنافقونَ للرسولِ ﷺ  في آياتٍ كثيرةٍ، فقالوا عنه: ساحرٌ، وشاعر، وكاهنٌ، وأنّه يستعينُ بأقوامٍ آخرينَ، وأنّه إنما يُعلِّمُه بَشَر، وذكرَ الله استنكارَهُم أكلَهُ الطّعامَ ومشيَهُ في الأسواقِ، وأنه أُذُنٌ، وغيرَ ذلك، ولم يذكُر منها طعنَهُم عليهِ في هذا الزّواج، كما أنّ السُّنَّة والأخبارَ لم تنقُل لنا شيئًا من ذلكَ معَ نقلِها لكثيرٍ مما أثَاروهُ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّمَ، كما أنّ العالمَ الشرقيَّ والغربيَّ إلى فترةٍ قريبةٍ كانوا يُزَوِّجون البناتَ في سنٍّ يعتبرونَها الآنَ مخالِفةً للقانونِ والذّوق!

ثانيًا: المعتبرُ عقلًا في سنِّ الزّواجِ هو استعدادُ العروسِ للزواجِ وهذا الاستعدادُ يكون بدنيًّا ونفسيًّا ومهاريًّا، فالبنسبةِ للجانبِ النفسيِّ والمهاري فيصعُبُ تحديدُه بسنٍّ معيّنٍ فقد رأينا شابّاتٍ في الثّلاثينياتِ ولا يصلُحنَ للزواجِ كما رأينَا؛ طبعًا منهنّ من تصلح له، وبالمِثلِ في الشابّاتِ الأصغرِ سنًّا، فلا يصِحُّ ربطُ هذا الجانبِ بسنٍّ معينٍ بلِ الأقربُ أن نقولَ أن هذا مَنُوطٌ برعايةِ وليِّ الأمرِ لِحالِ الفَتاةِ فمتى رأى تأهُّلَها للزواجِ وافقَ على تزويجِها أيًّا كان سنُّها طالمَا أنّها مستَعدّةٌ له بدنيًا، وبالنّسبةِ للاستعداد ِالبدنيّ فلا شكَّ أنّ من بلغَت (أي حاضت) فقد تهيّأت بدنيًّا للزواجِ وبالنّسبةِ لحالتِنا التي نُناقِشها نجِدُ أن عائشةَ رضي الله عنها كانت في سنٍّ لا يُستبعَدُ أن تكونَ قد بلغَت فيه بشهادةِ أهلِ ذلك العصرِ وبالشَّهاداتِ الطبيّة المُعاصرةِ، فقد ذكرَ الإمامُ الشافعيُّ عن نساءِ قريشٍ أنهنَّ يبلُغنَ عند التاسعَةِ، وقالت رضيَ الله عنها: (إذا بلغتِ الجاريةُ تِسعَ سنينَ فهي امرأةٌ)[١]، فقولُها هذا يحمِلُ الكثيرَ مِن الدّلالاتِ لمن تأمّلَه.

ونجِدُ أنّ المراجِعَ الطبيَّةَ تذكرُ أنّ سنَّ بلوغِ الفتياتِ في أمريكا الآن هو بينَ العاشرةِ والسادسةَ عشَر[٢].

 والسيّدةُ عائشةُ تم زِفافُها وهي في سنّ التاسعةِ فبلوغُها آنذاك في بلدٍ حارٍّ كمَكّةَ غيرُ مُستبعَدٍ، فالفتياتُ يبلُغنَ أسرعَ كلما كانوا أقربَ لخطِّ الاستواء كما تذكُرُ المراجِعُ الطبيَّة[٣].

ثالثًا: الثابتُ من سيرتِه ﷺ من اشتهارُه بالاستقامةِ والتّعفُّفِ عن الفاحشةِ والتّصرفاتِ الشائِنَةِ قبل البِعثةِ وبعدَها؛ فلم يُنقل عنهُ ﷺ ولا اتَّهمَه أحدٌ من خُصومِه بأنّه فعلَ أيَّ فعلٍ مخزٍ على الرَّغم من توفُّرِ أسبابِ الانحرافِ والفاحشةِ في مجتمعِ مكَّةً، ومن الشّواهدِ على تعفُّفِ النّبي ﷺ :

  • أنه ﷺ  لم يتزوجْ إلا في سنِّ الخامسةِ والعشرينَ في مجتمعٍ كانَ السّائدُ فيه هو الزّواجُ المبكِّر.
  • أنه أوّلَ ما تزوجَ؛ تزوجَ من امرأةٍ ثيّبٍ وهي السيدةُ خديجةُ بنتُ خويلدٍ رضيَ الله عنها ولم يتزوّج بكرًا وهي التي تكونُ أحظى للباحثينَ عن المُتعةِ، وكان عمرُها قريبًا من الأربعينَ ولها أولادٌ عمُرُهم قريبٌ من العشرين.
  • كما أنه بعدَ زواجِه منها لم يتزوَّج عليها بل دامَت عِشرَتُهم حتى ماتت وقضى معها زهرةَ شبابِه ﷺ .
  • كما أنّه عاشَ عمُرَه كلَّه بعدَ وفاتها مُحبًّا لها يحفَظُ لها أطيبَ الذكرياتِ ويَذكُرُ مآثِرَها حتى غارت منها زوجُه السيدةُ عائشةُ رضيَ الله عنها.
  • كان أوّلُ زواجِه بعدَها من امرأةٍ ثيِّبٍ أيضًا وعجوزٍ وهي السيدة سودةُ بنت زَمعة رضيَ الله عنها.
  • كان عمرُهُ ﷺ  حينَما جمعَ بين امرأتينِ لأوّلِ مرَّةٍ قد تجاوزَ الخمسينَ فهل إن كان دافِعُه الشّهوَةُ كان سينتظِرُ كلَّ تلك السنواتِ وحتى يصِلَ لسنٍّ تنطفِئُ فيها جَذوةُ الشّهوَةِ وتَقِلُّ فيها الحاجةُ الجنسيّة؟
  • أنّ الصحابةَ رضوانُ الله عليهم كانوا يَفدونَ رسولَ الله ﷺ بمُهَجِهم وأرواحِهم، ولو أنّه طلبَ الزواجَ لما تأخَّرَ أحدٌ منهم عن تزويجِه بمن شاءَ من الفتياتِ الأبكارِ الجَميلات، فلماذا تركَ ذلك؟

رابعًا: إنّ أسعدَ النّاسِ بهذا الزّواجِ هي عائشةُ رضيَ الله عنها، وقِصَصُ الأُلفةِ والمحبّةِ بينها وبينَ النبيِّ ﷺ  أفضلُ نموذَجٍ للاقتداء، وبالتالي؛ فالمحذورُ الذي يُخشى من الزُواج بالصغيرة من تضررها جسديًّا أو نفسيًّا لم يكُن في هذا الزواجِ المبارك. لو كانت رضيَ اللهُ عنها ممن ظُلِمَ بهذا الزواجِ لرأيتَ شيئًا منها يدلُّ على هذا بل على العكسِ  كانت تحبُّ رسولَ الله ﷺ  حبًّا عظيمًا، وتفخَرُ بمكانتِها عندَه؛ بل تغارُ عليه غَيْرَةً شديدةً، وهذه دلائلُ على حالةِ هذا الزواجِ؛ لأن المرأةَ لا تفعلُ ذلكَ مع أيِّ رجلٍ، بل تفعلُ ذلك مع الرجلِّ الذي له مكانةٌ عندَها ولِما فيه مِن أخلاقٍ وصفاتٍ وعظَمةٍ، ويَبطَلُ مع هذا أن تكونَ تحسّرَت على هذا الزواجِ لحظةً مِن زمنٍ، أو شعرَت فيه بأدنى ألَم.

ومن بركاتِ هذا الزواج على الأُمّةِ أنَّ عائشةَ رضي الله عنها كانت تتميَّزُ بالذكاءِ والفِطنة وقد عمرَت طويلًا بعدَ وفاةِ النبي ﷺ ؛ فحفِظَت للأمّةِ أحوالَه فهيَ أكثرُ من روى الأحاديثَ بعدَ أبي هريرةَ رضي الله عنه، وكانت مرجِعًا للصحابةِ رضي الله عنهم في شؤونِهم، بل إنَّ عددًا من الفتاوى يُرجَع فيها إليها رضي الله عنها، وقد بقيَت خمسًا وأربعينَ سنةً بعد وفاةِ الرسولِ ﷺ  منذُ أن كان عمرُها ثمانيةَ عشرَ عامًا، أي كانت شابّةً يافعةً عُمُرًا طويلًا فكان عندَها من الجهدِ وقوّةِ الشبابِ لتعليمِ وتفقيهِ الناس أمورَ دينِهم، فكثيرٌ من الأمورِ الخاصَّةِ به صلى الله عليه وسلم داخلَ بيتهِ ومع أزواجِه لم يَعلم بها إلا هيَ، وقد قيل: “لو لم تكنِ السيدةُ عائشةَ رضي الله عنها في تِلكَ السّنِّ التي صحِبَت بها رسولَ الله صلى الله عليه وسلمَ، وهي التي يكونُ فيه الإنسان أفرغ بالًا وأشدَّ استعدادًا لتلقِّي العلم، لَما تهيأ لها ذلك”.

 وختامًا نُذَّكر أن ما جاءَ به الرسولُ ﷺ  من براهينَ قاطعةٍ وحُجَجٍ جليّةٍ واضحةٍ على أنه نبيٌّ مرسَلٌ من عند الله عزَّ وجلّ لهيَ كافيةٌ في الرّدِّ على ما يثيرُه أهلُ الباطلِ والمشكّكينَ في نبوتِه ﷺ ، والدلائلُ على نبوته لم تكُن محصورةً في نوعٍ واحدٍ بل إنها تَضافَرَت وتآزرَت حتى تجعلَ في قلبِ المتجرِّدِ للحقِّ يقينًا تامًّا على أنّه رسولٌ من عند الله مبلِّغٌ لدينِ ربّه، وعلى رأسِ هذه الدَّلائلِ المعجزةُ الكبرى القرآنُ العظيم.

فما العيبُ في الشّمسِ، ولا العيبُ في الماءِ، وستَبْقَى سيرةُ وأخلاقُ وآدابُ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم نورًا للخلْق، ما بقيَت الشمس مُطِلَّةً بضِيائها على الدُّنيا.

وصلّى اللهم وسلّم وبارِك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


كتبه: أحمد فوزي


[١] السنن الترمذي ٣ / ٤٠٩

[٢] https://www.merckmanuals.com/home/women-s-health-issues/biology-of-the-female-reproductive-system/puberty-in-girls

[٣] الصفحة ١٩١ من كتاب John Bancroft, Human Sexuality and Its Problems (Churchill Livingstone/Elsevier, ٢٠٠٩(


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 3.8 / 5. عدد الأصوات 4







مشاركة عبر البريد الإلكتروني