يقالُ أنه قد ورد في صحيحَي البخاري ومسلم تعرُّضُ النبي ﷺ للسِّحرِ من اليهودي لبيد بن الأعصم، وأنَّ هذا لو أثبتناه يُعدُّ طعنًا في نبوَّته، فكيف نقبل به؟، فما يدرينا ماذا قال النبيّ ﷺ وهو مسحور، وما قالَه وهو معافى؟!.

النبيُّ بشَرٌ يوحى إليه، تميُّزه عن سائرِ البشر حاصلٌ في كل ما يتعلق بالوحي؛ لكن ما دون ذلك فنحن في حاجةٍ أيضًا لبشريَّته ليكون قدوةً ومعلِّمًا، ونموذجًا تطبيقيًّا لدعوته، ولا يحتجّ المدّعون بفرق الخلقة والشهوات، والاحتياجات بينهم وبين الرّسولِ على ترك اتباعه: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) ﴾ [سورة الأنعام]، ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) ﴾[سورة الإسراء]، بل إنّ بقاءَ اللوازمِ البشرية للأنبياءِ حماية لأتباعِهم من الوقوع في فتنةِ عبادتهم لو فقهوا؛ ولذلك قال الله عز وجل لمن عبدوا المسيح بن مريم عليه السلام: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) ﴾ [سورة آل عمران].

وقد كان غيابُ هذا المفهومِ المنطقيِّ سببًا أيضًا في إثارة المشركين للشُّبهات، كما جاء في الآيات السابقة وغيرها: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) ﴾ [سورة الفرقان]، بل كان هذا دأب المشركين في كلِّ الأقوام:﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ [سورة المؤمنون].

ولعلَّ مسألةَ سحر النبي ﷺ أحد أشهر النماذجِ الناتجةِ عن الخَلط في هذا المفهوم، فيُقال أنه قد وردَ في صحيحي البخاري ومسلم؛ تعرُّضُ النبي ﷺ للسِّحر من اليهوديّ لبيدِ بن الأعصم، وأنّ هذا لو أثبتناه يُعدُّ طعنًا في نبوّتِه، فكيف نقبل به؟!، فما يدرينا ماذا قال النبي ﷺ وهو مسحورٌ، وما قاله وهو معافى؟!، (كأن النبي ﷺ مات قبل انكشافِ البلاءِ الذي يفسِّرونه خطأً أصلًا)، ويحاولون وضعَ القارئ والمستمع أمامَ اختيارين لا ثالثَ لهما؛ إمَّا أن تقبل الحديث وتُسقط النبوة، أو تُثبت النبوة وتُسقط الحديث، ولا يضعون الإجابةَ الصحيحة في الاختيارات.

في صحيحي البخاري ومسلم: (عن هشام عن أبيه عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: سَحر رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زريق، يُقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيَّلُ إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذاتَ يومٍ أو ذات ليلة وهو عندي؛ لكنه دعا ودعا ثم قال: ( يا عائشة؛ أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتَيته فيه؛ أتاني رجلان فقعدَ أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رجليَّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجلِ؟، فقال: مَطبوب، قال: من طبَّه؟، قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيِّ شيء؟… الحديث).

والروايةُ الثانية في صحيح البخاري: (عن هشام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِى النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ. قَالَ سُفْيَانُ وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا. فَقَالَ: « يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِى فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟، أَتَانِى رَجُلاَنِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِى، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَىَّ، فَقَالَ الَّذِى عِنْدَ رَأْسِى لِلآخَر:ِ مَا بَالُ الرَّجُلِ؟، قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟، قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ…) الحديث.

إنّ السحرَ الذي تعرضَ له النبي ﷺ لم يمسَّ الوحي، وما كان له أن يمسَّه، بل كان أثرهُ في أمرٍ من أمور الدنيا؛ أن يُخيَّل إليه أنه فعل شيئًا وهو لم يفعله، والرِّواية الثانية حددت هذا الشيء؛ وهو إتيانُ النساء، وهذا أمر دنيويٌّ مَحض، لم يخيَّل إليه أنَّه سمع من جبريلَ وهو لم يسمع منه، لم يخيَّل إليه أنه أمَر أمرًا أو نهى نهيًا شرعيًّا وهو لم يفعل، فالسِّحر أصابَ الجانب البشريَّ في النبي ﷺ، مثله مثل سائرِ الأسقامِ والآلام والجروح التي كانت تصيب النبي ﷺ كبَشر، وتفيدُنا في أن نتعلَّم منه كيف نتعامل في هذه المواقف، وقد تعلَّمنا من الحديث رفْعَ السِّحر بالإلحاح في الدعاء؛ كما فعل بأبي هو وأمِّي، ولا فرق بين هذا النوع من السحر وسائر الأسقام؛ فإذا كان الأمرُ متعلقًا بخشيةِ النطقِ في الشَّرع بما لا ينزِّله الله تعالى؛ لقِيل: أن الأنبياءَ لا ينبغي لهم أن يتعرَّضوا للمرض والحُمّى، إذ أنه قد يقع معهما هذا!، إلا أنَّ اللازم البشري إذ يستلزم تعَرُّضَ الأنبياء للطوارئ التي تُصيب عموم الناس؛ فإنَّ تميزهم بخصائص النبوة تفصِّل كلامَهم بالوحي عن تلك اللوازم، وهذا هو الاتزان المفهومُ من أدلة القرآن والسنة.

فهل من خصائصِ النبي ﷺ ألا يتأثَّر بتخيِيل السحَرة في شيءٍ لا يمسُّ الوحي؟!، هنا نعود للقرآن الكريم،

لقد سحر سحرة فرعونَ أعين الناس، وأوهموهُم بسحرهم الذي وصفه القرآن بالعظيم؛ أن الحبال والعِصِيَّ حياتٌ تسعى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) ﴾ [سورة الأعراف]، ولم تُستثنَ عينُ نبي الله موسى من هذا التّخييل: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) ﴾ [سورة طه]، خُيِّل إلى نبي الله موسى كما خُيِّل إلى غيره، بل وأوجَس في نفسه خِيفة من المشهدِ الذي رآه، وليس في هذا طعنٌ في نبوّته ولا في الشريعة التي بلَّغها للناس كما يزعم الزاعمون، وليس من خصائص النبوة ألَّا يتعرض النَّبي لمثل هذا النوع من السحر والتَخييل بنصِّ القرآن الكريم، فقد خُيل إلى موسى أنه رأى ثعابينًا وهو لم يرَها، وخيِّل إلى النبي ﷺ أنه يفعل الشيء (إتيان الزوجة) وهو لم يفعلْه، فما علاقة الوحي في الأمرين؟!.

ومن المعلوم أن من يُبتلى بالسِّحر في شأنٍ ما؛ لا يؤثِّرُ ذلك في بقيَّة شؤونه، فمن أنواع السحر التي ذُكرت في القرآن الكريم؛ مثلًا: السحر الذي يفرِّق بين المرء وزوجه: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [سورة البقرة]، وهذا مُشاهدٌ في زماننا وكلّ زمان؛ أن المبتلى بهذا السحر يكون معافى في كافّة شؤونه طبيعيًّا جدًّا، إلّا هذا الشأن.

أمَّا عن قول المشركين: ﴿ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)] ﴾سورة الإسراء]، فهذا واضح أنَّ المشركين كانوا يقصدون بذلك السِّحر الذي يجعلهم عجَزة أمام هذا القُرآن وبلاغته، ويفشلون في تحدي الإتيان بسورةٍ من مثله وهم أبلغُ الناسِ وأفصحُهم، فأرادوا أن ينسبوا القرآن لقوةٍ خارجيّة غيرِ إلٰهية؛ ليبرِّروا عنادَهم وكفرهم، فوصفوه ﷺ بالساحر تارةً، والمسحور تارةً، وبالكاهن تارة، وبالمجنون تارة، حجّة البليد كما يقولون، والتي وصلت لأن ينسبوا القرآنَ الكريمَ الذي فشلوا في تحدي فصاحتِه إلى رجلٍ أعجميّ:  ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) ﴾ [سورة النحل]، فوصْفُ الكفار للنبي ﷺ بالمسحور يقصدون به الوحيَ، وليس هذا التخييل العارض في أمور الدنيا،  بعيدًا عن أنهم قالوا ذلك في بدايةِ البعثةِ في مكَّة، والواقعةُ كانت بعد الهجرة في المدينة؛ محدَّدة ببداية ونهاية ونبوة النبي ﷺ، وصدقُه ومعجزاتُه ممتدّة من أولِ لحظات الوحي حتى وفاته ﷺ، قبل الواقعةِ وبعدها، والعجيب أنّه لم يثبُت أنَّ لبيدَ بن الأعصم نفسَه وقومَه من اليهود أو المشركين قد استدلّوا بنجاحِ سحر لبيد؛ على أنَّ النبي ﷺ، بخلافِ صاحبة الشاة المسمومةِ عندما سألها النبي ﷺ عن سبب فعلتها قالت: (إن كنتَ نبيًّا لم يضرَّك الذي صنعت؛ وإن كنتَ ملِكًا أرحْت الناس منك) [رواه أبو داود]، فهي تعلم أنَّه لو كان نبيًّا لنجا لأنَّه معصوم من الناس، في حين أن لبيد أو غيره لم يستدلُّوا بوقوع السحر المذكورِ على عدم نبوته ﷺ، رغم شدةِ تصيُّدهم وكذبهم في ادعاءاتهم عليه ﷺ.

ويقال: أنّ هذا الحديث يخالف خصِّيصة أخرى من خصائص النبي ﷺ؛ إذ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) ﴾[سورة المائدة]، ومن المعلوم جزمًا أنَّ المقصودَ بالعصمة الحماية من القتل، أمّا ما دون ذلك؛ فالنبي ﷺ يتعرَّض له كالإيذاء والمرض والجرح في الحرب، وليس في كلِّ هذه الأمور شيءٌ يعارض تلك العصمة، وهذا النوعُ من السحر مثله مثل المرضِ العارض، وكسرُ ثنيته ودخول حلقاتِ المِغفر في وجهه الشريف صلواتُ ربي وتسليماته عليه، فقد بلَغنا بنبوّته مرادَ الله تبارك وتعالى منا، وأعطانا ببشريَّته النموذجَ التطبيقيَّ العملي لهذا المرادِ الجليل.

اللهم صلّ وسلم وبارك عليه.

كتبه: 

-معتز عبد الرحمن.


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 5 / 5. عدد الأصوات 1







مشاركة عبر البريد الإلكتروني