أنا مجرَّد مسلم، !!

لماذا نحن سنةٌ وشيعة؟

لماذا لا نكون مسلمين فقط؟

كلُّنا مسلمون إخوة ولنا طريقتنا ولكم طريقتكم.

يوجد فِرَق وأحزاب كثيرة، أستمع لمن، واتبع من؟

لو دخلت في الإسلام؛ فأي فرقة انتسب إليها؟.

لماذا لا يجتمع المسلمون على منهج واحد ما دام رسولُهم وكتابهم واحد؟، وفِي هذا الاختلافِ أي فئة يمكنُها أن تُمثّل الدين الحق على الوجه الصحيح؟.

حتى نستطيع الإجابة على هذا التساؤل؛ يلزمنا أولًا تحديدُ مفهوم العقيدة وموضوعها الذي تتناوله.

العقيدة في اللُّغة: مأخوذة من العَقد، وهو: الشَّد والرَّبط والجزم، “يُقال: اعتقدتُ كذا: عقدتُ عليه القلب والضمير، حتّى قِيل: العقيدة: ما يدينُ به الإنسان”([١]).

العقيدةُ في الاصطلاح: تطلق على حكمِ الذِّهن الجازم، حقًّا كان أم باطلًا، ويمكنُ تعريف العقيدةِ الإسلامية بأنّها: “ما يشدُّ ويربط الإنسان قلبَه عليه، من أصولِ الإيمان وما يلحق بها”.

وأصولُ الإيمان هي: أركان الإيمان الستّة: الإيمانُ بالله، وملائكته، وكتبِه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيرِه وشرّه.

وأمّا ما يلحق بها: فهو ما يتعلّق بمصادرِ التلقّي، وطُرُق الاستدلال، والصحابة، والولاء والبراء، ونحو ذلك.

تتناول العقيدة أوّلًا: بيانَ معنى الإيمان وأركانِه، والعلاقة بين الإسلامِ والإيمان والإحسان، وما يتعلّق به من زيادةٍ ونقص وغيرها.

ثانيًا: الأركان الستّة؛ بدءًا من الإيمان بالله: بوجوده، وربوبيّته، وألوهيّته، وأسمائه وصفاتِه، ومناقشة الشُّبهات فِيهِ سبحانه على ضوء الكتاب والسُّنة.

ثالثًا: الإيمان بالملائكة، وثمراتُه، ومناقشة الشُّبَه في الباب.

رابعًا: الإيمان بالرُّسُل، وتفصيلُ الإيمان بالنبيِّ مُحمّد ﷺ.

خامسًا: الإيمان باليوم الآخِر: بما فِيهِ من بعثٍ وحشر، وعرضٍ وميزان، وجنَّة ونار وغيره، وما يسبقه من أشراطِ الساعة والبَرْزَخ.

سادسًا: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، ومراتبِ القدَر، والاحتجاج به على المصائب.

سابعًا: الملحقات الاعتقادية؛ ممّا لا يندرج تحت المَوضوعات السّابقة، كالصحابة، والولاء والبراء، والحثِّ على الجماعة وغيرها.

ثامنًا: الفِرَق ومعنى الافتراقِ وحكمه، والفرقة الناجية، ومنهج أهل السُّنة والجماعة في التعاملِ مع المخالفين، والأديان والمِلل وأنواعها وأحكامها والمذاهب المعاصرة؛ ما كان منتسبًا للإسلام وما خرجَ عنه، والتيارات الفكرية المعاصرة؛ كالتغريب ونحوه.

والوصولُ إلى أساسيات هذه المواضيعِ وما يتعلق بها اعتقادًا وعملًا؛ لا بدّ له من تحصُّل الإنسان على المصادر الصحيحةِ التي يستقي منها تصوراتِه، ويستند عليها، ويستدلُّ بها على مسائل الاعتقاد.

العقيدةُ توقيفيّةٌ؛ فلا تثبُت إلا بدليلٍ من الشّارع، ولا مسرحَ فيها للرأي والاجتهاد(٢  ومن ثمّ فإنّ مصادرَها مقصورةٌ على ما جاء في الكتاب والسنة لأنه لا أحدَ أعلمُ بالله وما يجبُ له وما يُنزَّه عنه من الله، ولا أحد بعدَ الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ

 وقد جاءتِ النّصوص الشّرعية ببيان مصادر العقيدة:

يقول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم فإن تنازعتُم في شيءٍ فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنونَ بالله واليومِ الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلًا ( ٥٩ )  } [سورة النساء].

تذكرُ هذه الآية أصولَ الاستدلال الشرعي:

١-فالرَّد إلى الله سبحانه وتعالى هو الرّدُّ إلى كتاب الله.

يقول الله تعالى: { اتبعوا ما أُنزِل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياءَ قليلًا ما تذكَّرون} [الأعراف: ٣].

ومن معالمِ أهل السُّنة في التعامل مع القرآن: اعتبارُهم كلامَ الله تعالى وكلام رسوله ﷺ الأصلَ الذي يُعتمَد عليه ويُردّ إليه ما تنازعَ الناسُ فيه، فما وافَقه كان حقًا، وما خالفه كان باطلًا.

وقد بلغَ القرآن الكريم الغايةَ في بيان العقيدة وتصحيحِها في النفوس على أتمِّ وجهٍ وأكملِه، إجمالًا وتفصيلًا. واتّفقَالمسلمون على اعتبار القرآنِ هو رأسُ مصادرِ تلَقّي الشريعة.

وسائرُ سور القرآن تَجمع أُصول العقيدة العامّةِ من الإيمانِ بالله وما يتفرّعُ عن هذه الأصول، وتُجيبُ عن الأسئلة التي تفسِّر للإنسانِ أصل الوجود والغاية منه ومصيرَهُ بعدَ الممات وتُحدِّد علاقتَه بالله وبالمخلوقات الأخرى.

١-والردُّ إلى رسوله ﷺ هو الرّد إليه في حياتِه وإلى سُنّته بعد مماته.

والسُّنة مثلَ القرآن في كونِها مصدرًا للتشريع؛ ذلك أنّها وحيٌ من الله تعالى. وقد بيّن النبي ﷺ في سنّته معالمَ العقيدة وأصولَ الدين، والاحتجاجُ بالسنة مُتفقٌ عليه.

لقوله تعالى: { وما ءاتاكُم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا اللهَ إن الله شديدُ العقاب }.[الحشر:٧]

ولورودِ الآيات الكثيرةِ في القرآن الكريم الآمرةِ بطاعة الرسول والتّحذيرِ من مخالفته؛ منها قوله تعالى: { قل أطيعوا اللهَ والرّسول فإن تَوَلَّوا فإنّ الله لا يحب الكافرين}. [آل عمران:٣٢].

ولوجودِ الأحاديث التي تدلُّ على اشتراك السّنة مع القرآن في لزومِ الاتّباع والطاعة؛ فعَن رسولِ الله ﷺ أنه قال: “ألا إني أوتيتُ الكتاب ومِثلَه معه، ألا يوشكُ رجلٌ شبعان على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم من حلالٍ فأحِلّوه، وما وجدتم من حرامٍ فحرّموه!” [أخرجه أبو داود وصححه الألباني].

فالادّعاء بالاكتفاءِ بالقرآن وتركِ أصلِ الاستدلال بالسُّنة لا يستقيم؛ إذ أنَّ من أمور الدين وعباداتِه ما أُجمِلَ في القرآن ولم يكُن بيانُه إلا في السنة النبوية، ككيفيّة أداءِ الصلاة وعدد ركَعاتِها وغيرِها من العبادات.

٢- والإجماع.

والإجماع: “اتّفاقُ مجتهدي العصرِ من هذه الأمّة على أمرٍ ديني”. ([٢])

ومما يُستدل به على حُجية الإجماع:

أنّ قوله: “فإن تنازعتُم” يدلُّ على أن ما كان مُجمعًا لا نِزاع فيه؛ فيَلزَم العملُ به.

يقول الله تعالى: {ومن يُشاقِقِ الرسولَ من بعد ماتبيّن له الهدى ويتبع غيرَ سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونُصله جهنَّم وساءت مصيرًا} [النساء: ١١٥].  فالوعيدُ في الآية ترتّبَ على مُشاقّة الرسول ﷺ وعلى اتّباع غيرِ سبيل المؤمنين، وأكثرُ ما وَقع من الإجماع كان من الصحابة رضوانُ الله عليهم إذ هُم أهلُ الإجماع؛ وهم أولى الناسِ تسميةً بالمؤمنين الذين حذّر اللهُ منَ اتباعِ غير سبيلهم.

عن كعبِ بن عاصمَ الأشعري، سمع النبي ﷺ يقول: ” إنّ الله قد أجارَ أمّتي من أن تجتمعَ على ضلالةٍ“([٣]).

هل كل من ينتسب للإسلام اعتمد تلك المصادر؟

حين تقرِّر كونَ هذه المصادر الثلاثِ هي المصادر الأصليّة للعقيدة؛ فإنه يَعضُدُها مصدران فرعيّان هما: العقلُ والفِطرةُ السليمة.

وقد كان منهج أصحابِ النبي ﷺ  – وهم أولُ المسلمين-  مقصورًا على الكتاب والسنة فما دلَّ عليه الكتاب والسنة آمنوا به واعتقدوه،  وما لم يدلَّ عليه الكتاب والسنة نفُوه ورفضوهُ ولهذا لم يحصُل بينهم اختلافٌ في أصول الاعتقاد بل كانت عقيدتُهم واحدةٌ.

ولكن من المناهجِ التي جاءت من بعدِهم مَن اتّخذ مصادرَ أخرى باطلةًً لتلقِّي العقيدة، فعندما بنى بعضُ الناس عقيدتَهم على غير الكتاب والسنة حصل الانحرافُ والتفرّق في الاعتقادِ مما نتج عنه اختلافُ الكلمة وتَفرُّقُ الجماعة.

كاتّخاذِ الصوفية للكشف -وهو: الاطلاع على المعاني الغيبيّةِ والأمور الحقيقية وجودًا وشُهودًا- مصدرًا للعقيدة، بما يشملُه من رؤىً وإلهامٍ وذوقٍ وغيرِها.

واتخاذُ الرّافضة الاثني عشَريّة -وجملةٌ من الفِرق المنتسِبَة للإسلام- أقوالُ الأئمّة المعصومينَ مصدرًا رئيسًا للعقيدة.

ومن المتكلمين من يرى أن العقل مقدَّمٌ على النص الشرعي عند تعارُضهما، وهذا غيرُ صحيحٍ على إطلاقه؛ إذ حقيقةُ الأمر أنه يستحيل وقوعُ تعارُضٍ بين النّص القَطعي والعقلِ القطعيّ. وما يُتوهَّم من التعارض بينهما فالمقدَّمُ هو الأقوى في الدلالة:

  • فيُقدَّم القطعيُّ على الظنّي.
  • وصريحُ الدلالة على خفي الدلالة. وهكذا.

يقول النبي ﷺ: ” إنّ بني إسرائيلَ افترقت على إحدى وسبعينَ فرقةً، وإنّ أمّتي ستفترقُ على ثِنتينِ وسبعينَ فرقةً، كلها في النار، إلا واحدةً وهي: الجماعة” [أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني].

وأفضل تعريفٍ للجماعة أنها: ما اجتمعَ عليه الصّحابة ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

والعبرةُ في الجماعة ما كانت موافقةً للحقّ دون القِلّة أو الكَثرة؛ لأنها موافقةً لجماعة المسلمين في الصّدر الأول، والحقُّ هو الكتاب وسنةُ النبي ﷺ وهديهُ وهديُ صحابتِه؛ “فقولُهم: فلانٌ على السنة، أو من أهلِ السنة، أي: هو موافِقٌ للتنزيل والأثَر في الفعل والقول، ولأنّ السّنةَ لا تكون مع مخالفةِ الله ومخالفةِ رسوله”([٤]).

يقول ﷺ : “عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلاَفًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ.”  [سنن ابن ماجة].

ولدى أهلِ السنة والجماعة منهجُ استدلال على المسائل العقَديّة من مصادر التّلقي الصحيحة مبنيٌّ على القواعدِ التالية:

العمل بظواهرِ النصوص: فهم يأخذونَ بظاهر النّص القرآنيّ والنبويِّ، حتى يأتيَ دليل صحيح يصرفهُم عن ظاهره؛ وذلك أنّه “لا يجوز أن يُقال بغير ظاهر الآية إلا بخبرٍ لازم”([٥]). وكَثُر انحراف المناهج المخالفةِ في التعامل مع ظواهرِ الكتاب والسنة وادّعاء أنّ مرادَ الله هو غيرُ ظاهر النصوص!

العمل بالمُحكَم والإيمان بالمتشابِه: فيعملون بمُحكمِ كلام الله ويؤمنون بمتشابِهه، ويردّون تفسير المتشابه إلى المعنى الذي يوافقُ المحكم، وهذا ما ورد في قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخَر مُتشابهات فأمّا الذين في قلوبِهم زَيغٌ فيتّبعون ما تشابَه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلِه وما يعلم تأويلهُ إلا الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكّر إلا أولا الألبٰب} [آل عمران: ٧].

وقد عمِل السّلف الصالح بهذه القاعدة، على عكس أهل الزَّيغِ من المُعتَزلة وغيرهم الذين اتبعوا المتشابه وتركوا المحكَم واجتزأوا النّصوصَ فعمِلوا ببعضِها وتركوا بعضها.

الاعتمادُ على أساليبِ العرَب وطريقتُهم في الفَهم للكلام العربي: وذلك أن القرآن نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، فتَفسيرُه يجب أن يكون بناءً على ذلك. وعامّةُ ضلالِ أهل البِدع كان بهذا السبب؛ وذلك أن الجهل بدلالاتِ النصوص راجعٌ إلى الجهل بلسان العرب وسِعَته، وتنوُّعِ أساليبِه.

   فالخبر لا يُنسخ ولا يتناقض، أمّا الأمر فيدخلُه النّسخ، ولكن لا يَنسخ ما أَنزلَ اللهُ إلا بما أنزلَ الله، فلا يُنسخُ برأيِ أحد أو هواه.

موافقة النصوص لفظًا ومعنىً أولى من موافقتِها في المعنى دون اللفظ: فكلّما كان المؤمنُ في خِطابه الشرعيِّ ملتزِمًا بألفاظ الكتاب والسّنة؛ كان أقربَ للصوابِ وأبعدَ عن الزلل. فألفاظ النصوص عِصمةٌ وحُجّة بريئةٌ من الخطأ والتناقضِ والاضطراب.

الاستدلالُ بالنّص ثم الاعتقاد: وأكثر ما يقعُ الخطأ حينَ الاعتقاد أولًا ثم تطلّب الدليل عليه من النص الشرعي! فإما أن يُسلَب لفظ القرآن ما دلّ عليه وأُريدَ به، وإما أن يُحمَل على ما لم يدُلَّ عليه ولم يُرَد به. والواجبُ: التسليم للنصوص والعملُ بما تدلّ عليه، من غيرِ اعتقادٍ مسبَق.

أهميّةُ مراعاة دلالة السّياق في تحديد المرادِ باللفظ: فأكثرُ ما يقع الخطأُ في الاستدلال حين يُفسّر القرآن بمجرّدِ ما يفيدُه كلام العرب، من غير النّظرِ إلى سياق القرآن والمتكلِّمِ به وهو اللهُ والمُنزل عليه وهو النبي ﷺ والمخاطَب به وهو عمومُ الناس.

الحذرُ من صحّة المعنى وخطأ الاستدلال: وذلك أن يكونَ المعنى صحيحًا في ذاته غير مخالف لشيء من الشريعة، لكن النص الشرعيَّ المستدَلُّ به لا يدلّ عليه؛ فيكون استدلالًا خاطئًا ولو صحّ المعنى.

الأصلُ في الاستدلالاتِ العقَدية هو الوضوحُ والسُّهولة: ذلك أن العقيدةَ أساسٌ يحتاج إليه جميعُ أهل الإيمان، ذكرًا وأنثى، صغيرًا وكبيرًا، فلا بدّ أن أن تكون الدّلالاتُ الشرعية لهذه المسائل واضحةً فِطريّةً يدركها جميع الأمة، وإن كان بعضُ الناس ممن تشوّهَت فطرتُهم يحتاجونَ إلى طرقٍ مُقّعدة لتقريرِ بعضِ المسائل.

مراعاةُ مراتبِ القوّةِ الاستدلالية: فالدلالات تتفاوت قوّةً وضعفًا، وفائدة هذه المراعاةِ تتبيّن عند تعارُضِ الاستدلالات، فيُقدّم الدليل القطعيُّ على الظني، وما كان أقربَ للقطع على ما كان أقرب للظني.

فتبيّنَ من ذلك أن (أهلَ السّنة والجماعة) هم يمثّلونَ الإسلامَ الحقَّ وهم الصحابة ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم القيامة.

الأصل في التّسمية هو الإسلام؛ لكن حين ظهرَت طوائفُ تنتسب إلى الإسلام ويخالفون سنّة النبي ﷺ وسنة خلفائِه من بعده؛ كان على مَن وافقَ ما عليه النبي ﷺ وصحابتُه الكرام أن يتميّز بأسماءٍ دلَّت عليها النّصوص الشرعيّة، لمُفارقة غيرهِم من أهل البِدَع، كما قال ﷺ: “وإنّ أمّتي ستفترقُ على ثِنتين وسبعينَ فرقةً، كلُّها في النّار، إلا واحدةً وهي: الجماعة”.

و قال ﷺ: ” إن بني إسرائيل افترقَت على ثِنتين وسبعينَ ملّةً، وتفترقُ أمُتي على ثلاثٍ وسبعين ملّة، كلهم في النار، إلا ملةً واحدة، قالوا: ومن هيَ يا رسول الله؟ قال:” ما أنا عليه وأصحابي“” [سنن الترمذي].

فلِأنّ اسمَ الإسلام يجمعهم؛ اقتضى الأمرُ تمييزَ مَن كان على الإسلام الحقّ الخالصِ بأسماءٍ شرعية.

فكلُّ منِ التزم هديَ النبي ﷺ وهديَ أصحابِه؛ كان من أهل السُّنة والجماعة، سواءً كان فردًا أو جماعةً أو فِرقة.

و تسميةُ أهل السّنة والجماعة بأهل السنّةِ والجماعة من الإسلام؛ أمّا الفِرق التي تنتسبُ إلى من أسّسها أو إلى بعضِ آرائِها العَقدية المخالفةِ للهَديِ النبويّ، أو إلى بعضِ أفعالِها السيّئة فلا شكَّ أن هذا الانتسابَ و هذه التسميَة خلافُ الإسلام.

وعلينا بيانُ أنّ لأهلِ السنة والجماعةِ خصائصُ تميّزهم عن غيرهم من الفِرق المنتسبةِ للإسلام، ومنها:

سلامة مصدرِ التّلقي: فهم يعتمدونَ الكتاب والسنة والإجماع مصدرًا لاعتقادهم، لا غيرَها من المصادرِ البشريّةِ الأخرى الباطلةِ التي قد تعتمدُها الفرق الأخرى.

موافقة عقيدتِهم للفطرة القَويمةِ والعقل السّليم: ذلك أن مصدريّةَ السّنةِ لديهم إنما كانَ لأنّ “الرسل عليهم السلام قد يخبرونَ بمحارَات العقولِ ولا يخبرون بمحالاتِها”([6]).

عقيدتهم سبب الظّهور والنّصرِ والفلاح: لأن الطّائفةَ التي تتمسكُ بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابُه هي التي قال عنها ﷺ: ” لا يزالُ من أمّتي أمّةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا يضرُّهم من خذلَهم ولا مَن خالفَهم، حتى يأتيَهم أمرُ الله وهم كذلك“.

عقيدتُهم تحثُّ على الجماعَة والاجتماع: لأنها تردّ المسلمينَ إلى الكتاب والسّنة وسبيلِ المؤمنين، وهناك تلازمٌ بين السّنة والجماعةِ وبين البِدعة والفُرقة.

البقاء والثباتُ والاستقرار: فلِأنّها مستمَدّةٌ من الكتاب والسنة روايةً ودِرايةً فهي متّفِقةٌ ومستقِرّة ومحفوظَة؛ لم يتطرَّق لها التّحريفُ ولا التبديل.

التّوقيفُ: فقد أوقفَ الرّسولُ ﷺ أمّتَه على حقائقِ العقيدة ولم يَترُك من تفاصيلِها شيئًا إلا بيَّنَه. ولذا فأهلُ السّنة والجماعةِ يحبسونَ اللسانَ عن الكلام في العقيدةِ إلا بدليلٍ من الكتاب والسنة.

الوسَطيَّة والاعتدال: فهم وسَطٌ بين الإفراطِ والتّفريطِ، والغُلوِّ والجَفاء.

لا يتعصَّبون إلا للشريعةِ: فإنهم يُحاكِمون جميعَ المناهجِ إلى الكتاب والسّنة؛ فما وافقهما قُبِل، وما خالفه رُدّ.

أسبابُ الاختلاف بطبيعتها تابعةٌ لأصلِ وجودها؛ وهي البدَع المخالفة لنهج النبي ﷺ وصحابته. وكما ذكرنا سابقًا أن أصحابَ النبي ﷺ تمسكوا بالكتابِ والسّنة فلم يحصُل بينَهم اختلافٌ في أصلِ الاعتقاد وكانت جماعتُهم واحدةً؛ لأنّ الله تكفّلَ لمَن تمسَّكَ بكتابه وسنة رسوله باجتماعِ الكلمة، والصّوابِ في المُعتقَد، واتّحاد المنهج، قال تعالى:﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران : ١٠٣

وقال تعالى:﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه : ١٢٣]

 ولظهور هذه البدع عوامل داخلية وخارجية.

فمنَ العوامِل الدّاخلية:

الغلو: بمجاوزةِ الحدّ المشروع والتّشَدّد، إمّا بتعظيمِ الأشخاص ورفع مكانَتهم فوق ما يستحقّونه، أو بالتشدّد في الدين  والتنطُّع في فَهمه والتزامِ أحكامه، أو بالتّمسك ببعضِ المذاهب الفقهية ومعاداةِ غيرها.

الاحتجاجُ بالأحاديث الضّعيفة والموضوعَة: فحين يسمعُ الجاهل أخبارًا عن الرسول ﷺ اتفقَ أهل الحديثُ على كذبِها فيصدّقها لموافقتها هواهُ ويترك ما عُرف ثبوته من الكتاب والسنة فإنه يقعُ في الانحراف والضلال.

اتباعُ الظنّ والهوى: بغير استنادٍ إلى دليل شرعي ثابتٍ بل إلى ما تستلذُّه النفسُ من هوىً وشهوةٍ ولو كان مخالفًا للكتاب والسنة.

تحكيمُ العقل البشري وتقديمُه على نصوصِ الشرع: وتأويلُها لتوافقَ العقل أو إنكارُها لمخالفتِها إيّاه، فيؤدي ذلك لإنكارِ الكثير من الأمور الغيبيّة التي تتجاوزُ حدودَ العقلِ البشري.

الزيادةُ أو النّقص في الدّين: بالإدخال في دين الله ما لم يكُن موجودًا على عهد رسول الله ﷺ وصحابتِه، أو برَدِّ النصوص إلى غيرِ ظاهرِها من غير مُسوِّغٍ صحيح يوجبُ تأويلها.

الجهل بأدوات الفَهم للنصوص الشرعيّة: بعدمِ فهم القرآن الكريم والسّنة وفقًا للأسلوب العربيِّ في الكلام وطرائقِه.

التعصّبُ لما عليه الآباءُ والأجداد.

أخذُ المتشابهاتِ وتركُ المحكمات: كما قالت عائشةُ رضي الله عنها: “تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ “هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ” قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :« إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ »”. [صحيح مسلم]

الغفلةُ عن تدبّرِ آياتِ الله الكونيّة وآيات الله القرآنية والانبهارُ بمعطياتِ الحضارة الماديّةِ حتى ظنّوا أنّها من مقدورِ البشر وحدَه فصاروا يُعظِّمونَ البشر.

وأما العواملُ الخارجية:

التأثّر باللقاء المباشر بأهل الأديان من اليهود والنصارى وغيرهم: وأيضًا دخول بعض أصحاب هذه الأديان بالإسلام ظاهرًا، وباطنُهم المكيدَةُ للإسلام وأهله.

تأثيرُ الفِكر اليونانيِّ: عن طريقِ ترجمة كتب الفلسفة اليونانيّة، التي كانت سببًا للقول ببدَع كثيرةٍ واضطراب في المنهج الفكري والعقائِديّ.

الفرقُ بين الفِرق  العقَديّة والمذاهبِ الفقهية:

وجدنا من الناسِ من لم يُفرّق بين الفِرَق المختلفة في العقيدة والمذاهبِ الفقهية فيجعلُها في الحُكمِ سواءً. وما ذكرناه سابقًاخاصٌّ بالاختلافِ في الاعتقاد فقط دونَ المذاهب الفقهيّة.

 ولكن نذكر الفَرق بين الفِرَق العقدية والمذاهبِ الفقهيّة:

الفِرَق العَقديّة مختلفةٌ في أصولِ الإيمانِ وما يلحَقُ بها، أما المذاهبُ الفقهيّة مختلفةٌ في فروعِ الفِقه من أبوابِ الحلالوالحرام.

الفِرق العقدية قد تكفّر بعضَها بعضًا، لكنَّ المذاهبَ الفقهية اختلفَت من غيرِ تكفيرٍ ولا تَفسيقٍ للمخالِف.

إن الذي يحكم عليه بضلالِ الأشخاص من صوابِهم هو المخالَفةٌ في أصول الاعتقادِ أو أصول الفقه؛ أما فروعُهما من المسائلِ الظّنيَّة التي تقبَلُ الاجتهاد، ولا يخرجُ الناظرُ فيها عن نصوصِ الشّرع فهو في حكمِ المُجتهد الذي إن أصابَ فله أجرانِ وإن أخطأ فله أجرٌ واحد.

إنّ مِن نعمة الله عزَّ وجلّ على هذه الأمة أن حفِظَ مصادرَ عقيدتِها من التّحريف والتبديل؛ فرُغمَ وجودِ الافتراق، الحقُّ واضحٌ لمَن يريدُه ويريدُ معرفةَ الإسلامِ الحقِّ؛ لأنّ صِحة هذه العقيدة ليس متوقِّفًا على فرقةٍ أو أخرى، بل ما كانت تعتمدُ المصادرُ الصّحيحة للعقيدةِ الإسلامية، وموافقةً للكتاب والسنة وهدي أصحاب النبي ﷺ، وخاليةً من شائِبَةِ البِدع والانحرافات. وحِفْظُ المصادرِ مِيزَةٌ تدُلّ على صِدق هذا الدين، فالحمدُ لله ربِّ العالمين.

المراجع: –

مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية – عثمان ضميرية.

     – المدخل إلى علم العقيدة – زياد العامر

  • عقيدة التوحيد- صالح الفوزان.
  • تسهيل العقيدة الإسلامية – عبد الله بن جبرين.
  • عقيدة أهل السنة والجماعة – محمد بن إبراهيم الحمد.

[١الفيومي، المصباح المنير ٤٢١/٢. 

[٢] شرح مختصر الروضة ٦/٣.

[٣أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٨٢) وقال الألباني في ظلال السنة: حديث حسن. 

[٤ الحجة في بيان المحجة للأصبهاني ٤١١/٢. 

[٥ الأم، للشافعي ٢٣٠/٧. 

[٦ بيان تلبيس الجهمية، لابن تيمية ٣٦١/٢. 


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 2.7 / 5. عدد الأصوات 3







مشاركة عبر البريد الإلكتروني