تعزيز اليقين

اتِّباعُ السلفِ موقفٌ عقلانيٌّ

في الطريقِ إلى اللهِ يحاولُ المسلمونَ التمسكَ بدينِهم في زمنٍ كَثُرَ فيهِ الباطلُ والشبهاتُ، فتتحلَّقُ كلُّ مجموعةٍ منهمْ حولَ واحد ممَّنْ يتكلمُ في الدينِ ويستمعونَ إلى كلامِهِ ويمشونَ على نهجِهِ ويتأثَّرونَ بالإعلامِ؛ الذي يرفعُ بعضَ الرموزِ التي اتبعوها؛ لِيدلُّوهم على الدينِ الحقِّ، ويحطُّ قدرَ آخرينَ. وفي وسَطِ هذهِ الحيْرةِ والتخبُّطِ، يسألُ البعضُ ما مقياسُ الصواب؟ وما المرجعُ الذي نعودُ إليهِ؟ ومَنِ القدوةُ التي تنجو من الفتنةِ؟

ويغفلُ أنَّ الإجابةَ البسيطةَ هيَ العودةُ إلى القرآنِ العظيمِ وإلى هدي رسولِنا الكريمِ ﷺ، واتباعُ منهجِ السلفِ الصالحِ،فباتِّباعِهمُ النجاةُ.

  • فمَنْ همُ السَّلفُ؟

السَّلفُ لغةً همُ الجماعةُ المتقدمونَ سواءٌ في السيرِ أوِ العمرِ أوِ الرحيلِ عنِ الدنيا.

أمَّا في الاصطلاحِ، فإنَّ السلفَ همْ صحابةُ رسولِ اللهِ ﷺ وأئمةُ الهدى منَ القرونِ الثلاثةِ الأولى، الذينَ شَهِدَ لهمْ رسولُ اللهِﷺ بالخيرِ، بلْ شهِدَ لهمْ أنَّهمْ خيرُ هذهِ الأُمَّة.ِ فعَنْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه، عنِ النبيِّ ﷺ قال: (خَيْرُ الناس قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهُم، ثمَّ يجيءُ أقوامٌ تَسْبِقُ شَهَادةُ أَحَدِهم يَمينَه، وَيَمينُه شَهَادتَه) رواه البخاريّ ومسلمُ وهمُ الذينَ قالَعنهمْ ربُّ العزةِ تباركَ وتعالى:{لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }[سورة الفتح ١٨]

فهؤلاءِ الذينَ شهدَ لهمْ ربُّهم بالإيمانِ، وشهدَ لهمْ نبيُّهم ﷺ بالخيرِ، همْ أولى الناسِ بالوصولِ إلى الحقِّ والهدايةِ. فمَنْ كان يطلب الحقَّ والهدايةَ، فلنْ يسلكَ غيرَ مسلَكِهم، ولنْ يتبعَ غيرَ طريقِهم. فمَنْ منَّا لا يرغبُ بالمشي في أقصرِ الطرق وأفضلها لبلوغِ المقامِ الأرفعِ، والهدفِ الأعظمِ دونَ ضياعٍ أوْ تيهٍ. لذلكَ كانتْ طريقةُ السلفِ والصحابةِ الفيصلَ الوسطَ في بابِ الإيمانِ، تحكمُ منْ حادَ عنْها يمينًا حكمًا يساوي حكمَ الذي حادَ عنْها يسارًا. والوسطُ الذي اتبعُوهُ هوَ الوسطُ الذيجعلَ اللهُ في الأمةِ الإسلاميةِ والتي تفرَّدتْ بهِ عنِ الأممِ قالَ تعالى:{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة ١٤٣]

والوسطُ في كلامِ العربِ الخيارُ وقيلَ: العدلُ. فقدْ وصفَ اللهُ تباركَ وتعالى الأمةَ المسلمةَ في كلِّ زمانٍ بالخيرِ والعدلِ فكيف باجتماع هذهِ الأمةِ على أمرٍ، وكيفَ باجتماعِ خيرِ هذهِ الأمةِ وخيرِ المسلمينَ وهمُ السلفُ الصالحُ على أمرٍ؟ فاجتماعُهم أعلى الحقِّ وأفضلُه، وهمُ الجماعةُ التي لا تجتمعُ على ضلالةٍ. فاجتماعُ الأمةِ لهُ أهميةٌ كبرى حيثُ جعلَ العلماءُ الإجماعَ المصدر الثالثَ منْ مصادرِ التشريعِ بعدَ كتابِ اللهِ تعالى وسنةِ رسولِهِ محمدٍ ﷺ.

  • فما هوَ الإجماعُ؟ وهلْ تجتمعُ الأمةُ على ضلالةٍ؟

الإجماعُ لغةً: العزمُ والاتفاقُ.

اصطلاحًا: “اتفاقُ مجتهدي هذهِ الأمةِ بعدَ النبيِّ ﷺ على حكمٍ شرعيٍّ.” إذْ لا يشملُ هذا الإجماعُ إجماعَ عوامِّ هذهِ الأمةِ ولا يدخلُ فيهمْ غيرُ المسلمينَ.

وقدْ ذكرَ تباركَ وتعالى إجماعَ الأمةِ المسلمةِ في قرآنِهِ الكريمِ، حيثُ قالَ تعالى:{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[سورة النساء ١١٥]

 فوضَّحَ تباركَ وتعالى أنَّ مَنْ تركَ سبيلَ المؤمنينَ ونهجَهم كمَنْ تركَ أوامرَ نبيِّ الإسلامِ محمٍد ﷺ، بلْ جعلَ المصيرَ ذاتَه في الحالتيْنِ وهوَ جهنَّمَ وساءتْ مصيرًا. لذلكَ وجبَ على المسلمِ اتباعُ طريقِ المؤمنينَ؛ فلا تشتتَ في الإسلامِ؛ فإنْ أجمعتِ الأمة على أمرٍ فهوَ حقٌ؛ لأنَّ مِنَ الأمةِ جماعةُ المؤمنينَ الذينَ أمرَ اللهُ تعالى باتباعِهِم.

ولِتتضحَ فكرةُ الإجماعِ أكثرَ، سنوردُ المثالَ التالي:

يقولُ اللهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [سورة النساء ٥٩] فبعدَ أنْ أمرَ جلَّ وعلا الذينَ آمنوا بطاعتِه وطاعةِ رسولِهِ، أمرَ بطاعةِ أولي الأمرِ أيِ العلماءَ العالمين بالأمر، وقولُه تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} أيْ إنْ تنازعْتُم في أمرٍ فعودُوا إلى الكتابِ والسنةِ. وإنْ لمْ تتنازعوا أيُّها المؤمنونَ، وأجمعتُمْ على أمرٍ فهوُ الحقُّ الواجبُ اتباعُه، وأنَّ الأمةَ المسلمةَ لا تجتمعُ إلا على حقٍ ولا تتفقُ على ضلالةٍ في أيِّ زمنٍ مِنَ الأزمانِ؛ لأنَّ القرآنَ العظيمَ صالحٌ لكلِّ مكانٍ وزمانٍ.

وإنْ كانَ لاتباعِ منهجِ المؤمنينَ وإجماعِهم حكمٌ علينا التزامُه، فالأولى بِنا اتباعُ إجماعِ ومنهجِ خيرِ المؤمنينَ وهمُ الصحابةُ الأطهارُ الذينَ همْ أعلمُ الناسِ بالقرآنِ وأفقهُهُم بِهِ. فهمْ جهابذةُ اللغةِ العربيةِ وفيهمْ نزلَ القرآنُ، ولمواقِفِهم أُنزِلَ وأخذوه مِن النبي ﷺ الذي كانَ قرآنًا يمشي على الأرضِ، يُعلّمُهم الكتابَ ويزكِّيهم وكانَ معهم يسألونَه عنِ الخيرِ والشرِ والأحكامِ وإليه يتخاصمونَ ويشتكونَ، فيبينُ لهم شريعتَهم ومنهاجَ ربِّهم الذي وصفَهم في هذهِ الآيةِ بأنَّهم الصادقونَ المفلحونَ، قالَ تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[سورة الحشر ٨، ٩]

فهلْ مِنْ عاقلٍ لا يتبعُ نهجَهم ونهجَ مَنْ خَطَا خُطَاهم وسارَ على نورِهم مِنَ التابعينَ الذينَ لزِمُوا الصحابةَ رضوانُ اللهِ عليهم. يتعلمونَ منهم أمورَ دينِهم يتفقَّهونَ بالقرآنِ ويذودونَ عنْ سنةِ نبيِّهم ﷺ كتابةً وتحقيقًا. فهمْ خيرُ خلفٍ لخيرِ سلفٍ،وكانوا على عقيدةٍ واحدةٍ وقلبٍ واحدٍ وقالَ فيهم اللهُ تعالى:

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[سورة الحشر 10]

وإنْ قالَ قائلٌ: لِمَ نتَّبِعُهُم؟ هلْ همْ معصومونَ عنِ الخطأِ؟ ألا يوجدُ علماءُ صالحونَ في زمنِنا؟

نقولُ لهُ: نتبعُهم؛ لأنَّ اللهَ ورسولَه ﷺ أمرانا بذلك وشَهِدَا لهمْ بالخيرِ والإيمانِ. ولمْ يَرِدْ مدحٌ إلا للسَّلفِ في النصوصِ الشرعية، فحينَ تكلَّمَ اللهُ تعالى عنِ السابقينَ الذينَ قرَّبَهم اللهُ سبحانَه في سورةِ الواقعةِ قالَ عنِ الأولينَ ثلةً وعنِ الآخرين قلة، قالَ تعالى:{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون* أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ* ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} فأكثرُ الخير كان في السلفِ الأوائلِ وأكثرُ الشرِّ في الخلفِ، فهمْ سبقوا بالخيريةِ والقربِ، ونحنُ كَثُرَ في عهدِنا الفتنُ والانحرافاتُ العقديةُ. فإنْ رأى عاقلٌ جادَّتَنا وجادَّتَهم، وفرَّقَ بينَ خيرِنا وخيرِهم لاتَّبعَ طريقَهم رغمَ معرفتِه بأنَّهم ليسوا معصومينَ عنِ الخطأِ.

 وفي المقابلِ يوجدُ علماءُ صالحونَ في زمانِنا بلا شكٍّ.

 لكنْ كمْ مِنْ عالِمٍ ظنَنَّا بهِ الخيرَ واتَّبعْنَا فتواه وقرأنا كُتُبَه ثمَّ ضلَّ في آخرِ عمرِه، فعكفْنَا على ما تعلَّمْنَاه منه نمِيزُ حسنه وخبيثَه وسألْنَا أنفسَنا هلْ أضلَّنا أمْ لا؟ ولستُ أقولُ هذا الكلامَ تشكيكًا بعلمائِنا أوْ لأنَّنا أمِنَّا على أنفسِنا الفتنةَ بلْ أقولُ: لماذا نتركُ المنبعَ الصافي ومنهجَ السلفِ الأخيارِ الذينَ توفَّاهمُ اللهُ على الإيمانِ ورأيْنَا حسنَ خاتمتِهم ونتَّبِعُ مَنْ قدْ يحيدُ عنْ جادةِ الصوابِ؟ لماذا نتبعُ مَنْ وافقَ عقلَنا كلامُهُ وأحسنَّا الظنَّ بهِ، ونتركُ الذي شهِدَ له ربُّه بالصلاحِ وأمرنا رسولُنا ﷺ باتباعِ منهجِهم؟ فمَا ظنُّنَا أمامَ شهادةِ رسولِ اللهِ ﷺ حيثُ وَصَّانا في الحديثِ الشريفِ عنْ أبي نجيحٍ العرباضِ بنِ ساريةَ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: وعظَنا رسولُ اللهِ ﷺ موعظةً وجلَتْ منْها القلوبُ، وذرفتْ منها العيونُ، فقلْنَا: يا رسولَ اللهِ، كأنَّها موعظةُ مودعٍ فأوْصِنَا، قالَ: {أوصِيكُم بتقوى اللهِ، والسمعِ والطاعةِ، وإنْ تأمَّرَ عليكُمْ عبدٌ؛ فإنَّهُ مَنْيعشْ مِنْكُمْ فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكُمْ بسنَّتِي وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ، عضُّوا عليْهَا بالنواجذِ، وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٍ} رواه أبو داود والترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

 فها نحنُ قدْ وجدَنا الاختلافَ ووجدْنَا الفِرَقَ والفِتَنَ ووجدْنَا فتاوى ما أنزلَ اللهُ بِها مِنْ سلطانٍ. فهلْ نأخذُ بهذهِ الفتاوى لأنَّ اسمَ “فتوى” قدْ أُطلقَ مِنْ قِبَلِ صاحبِ منبرٍ، ونحنُ ندركُ مخالفتَها للدينِ والعقلِ، أمْ نرجعُ إلى ما أُمرْنا باتباعِه من نهجِ الصحابةِ والتابعينَ فنأخذُ بكلامِهم ونمشي على خُطَاهم؛ لأنَّهم أهلٌ لذلكَ، ولأنَّهم أهلُ الحقِّ ما زاغوا عنْه ولا خالفوه خوفًا من سلطانٍ أوْ طمعًا بدنيا، بلْ خافوا ربَّهم ورغِبوا فيِما عندَهُ، فألْهَمَهم كلمةَ التقوى وكانوا أحقَّ بِها وأهلَها.

وإنْ اعترضَ معترضٌ بأنَّ القولَ باتباعِ السلفِ ونهجِهِم يضيّقُ رحابةَ الدينِ ويحصرُ الفتوى في زمانِهم، ونحنُ في زمنِ التطور والحداثةِ والتجريبِ فبمَاذا نجيبُهُ؟

أولًا: اتباعُ منهجِ الصحابةِ والتابعينَ بعدَ اتباعِ سنةِ النبيِّ ﷺ ونهجِه في أمرِ الدينِ والدنيا لمْ يضيقْ رحابةَ الدينِ، بلْ على العكسِ مِنْ ذلكَ، فإنَّ كثيرًا منَ المواقفِ والفتنِ مرَّتْ على عهدِ الصحابةِ لمْ نسمعْ عنها قط في زمنِ الرسولِ ﷺ. وتعلَّمْنا منهم كيفَ تعاملوا معَها وكيفَ أعلَوْا كلمةَ اللهِ في كلِّ موقفٍ. فانفتحَ لنا أفقٌ لمْ نكنْ لنراه لولا هديُهم وأمرُ نبيِّنا الكريمِ لنا باتباعِ سنتِهم. ورأيْنَا كيفَ ناسبتْ فتواهم أحوالَ الأقطارِ والأمصارِ وكيفَ تلائموا معَ طبيعتِها واستطاعوا في كلِّ ظرفٍ التزام منهجِ نبيِّهم؛ لأنَّهم وضعوا القرآنَ والسنةَ أمامَ أعينِهم ولم يحيدوا عنها، ولمْ تدخلْ فتواهم كتبُ الفلسفةِ ولا أساطيرُالأديانِ ولا تشريعاتُ البلدانِ فكانَ تشريعُهم هو حقًا كالشمسِ يراه المبصرونَ حقًّا إلا مَنْ كانَ في قلبِه عمى.

ثانيًا: اتباعُ منهجِ السلفِ لا يعني عدمَ الاجتهادِ والتجريبِ وعدمَ الإفتاءِ بما يناسبُ عصرَنا، بلْ يعني اتباعَ طريقِهم للوصولِ إلى الحقِّ واعتبارَ مصادرِ تشريعِهم مصادرًا لنا، والأخذَ بمنهجِهم في تفسيرِ القرآنِ وشرحِ الأحاديثِ، وعدمَ تقديمِ النظرياتِ  والفلسفاتِ المشكوكِ بها على النصِّ الصحيحِ الصريحِ، وعدمَ اختيارِ ما يميلُ  لَه الهوى في المتشابهاتِ، وعدمَ أخذِ العلمِ إلا من الرجالِ الثقاتِ كما أخذوا، والتحقُّقَ من النصوصِ كما تحققوا، فهم شقُّوا لنا الطريقَ القويمَ، وبيَّنوا لنا زلَّاتِ من حادوا عنه، وأُمرْنَا باتباعِهم وسَلْكِ جادَّتِهم، فلماذا نكابرُ ونتبعُ أهواءَنا فنجدُ أنفسَنا في كلِّ طريقٍ إلا طريقَهم المؤدِّي إلى الجنةِ؟

فاتباعُ السلفِ ومنهجِهم هو اتباعٌ لأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه محمدٍ ﷺ. وتحديدُ طريقِهم بأنَّه الطريقُ الحقُّ الموافقُ للكتابِ والسنةِ  هو منعٌ لتشتيتِ المسلمِ في زمنِ الفتنِ. فبإمكانِ كلِّ باحثٍ عن الحقِّ أنْ يقارنَ أقوالَ رموزِ اليومِ مِمَّنْ يزعمونَ الانقياد للكتاب  والسنةِ بما كانَ عليه السلفُ الصالحُ فيميزُ الباطلَ فيجتنِبُه ويميزُ الحقَّ فيتبعُه، ويسلكُ طريقَ الرشادِ الذي وصَّانا رسولُنا الكريمُ بأنْ نصبرَ عليه ونسلُكُه وأنْ نعضَّ عليه بالنواجذِ.

علَّنا إنْ سلكْنَاه تكنْ عاقبتُنا خيرًا كعاقبتِهم في دنيانا ونجتمعْ معَ نبيِّنا ﷺ في عليينَ.

 


0

الكاتب: هبة سيد أحمد

المراجعة: مها السفياني

التدقيق اللغوي: إسراء عبد الرحمن

التصميم: ندى الأشرم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى