تعزيز اليقين

أخلاقيات المحاور عمومًا والمسلم خصوصًا، إبراهيم ( عليه السلام ) نموذجًــــــا

الحمد لله الذي جعل للإنسان لسانًا معبرًا مبينًا، ذاكرًا ومذكرًا، محاورًا وسائلاً ومجيبًا ،

أما بعد

المدخل، مفهوم الحوار :

أولاً :  الحوار هو: التجاوب ومراجعة الكلام في المخاطبة [١]، ومترادفاته هي : المناظرة أي  المقابلة [٢]، والجدل الذي يعني: شدة الفتل [٣].

ومن الواضح وجود تقارب بين هذه المصطلحات الثلاثة وإن كانت تختلف في تفاصيلها اللغوية الدقيقة، والذي يعنينا هنا هو الحوار موضوع الدراسة والذي له أركان  أساسية هي  : وجود طرفي حوار، ووجود قضية مطروحة للنقاش وحضور أدلة وبراهين ونتائج.

وقد وردت كلمة حوار في القرآن الكريم في آياتٍ ثلاث، اثنتان منها في سورة الكهف في معرض الحديث عن قصة صاحب الجنتين وحواره مع صاحبه الذي لا يملك مالًا كثيرًا فقال تعالى عنهما في الموضع الأول:{ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف ٣٤] وقال تعالى عنهما في نفس السورة: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف٣٧ ]
أما الآية الثالثة التي وردت فيها كلمة حوار فهي من سورة المجادلة في قوله تعالى:{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}[المجادلة:٧]

ثانيًا: أهمية الحوار وأنواعه إبراهيم عليه السلام نموذجًا:

الحوار ظاهرة بشرية، وهو أهم وسيلة اتخذها الأنبياء -عليهم السلام- للدعوة إلى الله  سبحانه؛ لأنه  يحفل بالتجاوب الكلامي بين المتحاورين، بغية الإقناع مع تقديم الأدلة والبراهين أثناء الحوار [٤].  ومن أكثر الأنبياء-عليهم السلام- لجوءًا  للحوار وسيلة للدعوة إلى الله  بالتي هي أحسن، سيدنا ابراهيم -عليه السلام- ، ويُلاحظ استخدامه لأنواعٍ كثيرة من الحوار مبتدئًا بحواره مع نفسه في تدليله العقلي على الله سبحانه حيث قال تعالى:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) }[سورة الأنعام ٧٦ – ٧٩].

إلى حواره مع أبيه وقومه ودعوتهم للتدبر وإعمال العقل لبيان فساد عقيدتهم {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا(٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (٤٤)يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) }[سورة مريم ٤٢ – ٤٨]

وانظر إلى اللين في الحوار بتكراره للنداء يا أبت مع الاحتجاج بالأدلة والبراهين في دعوته، فكيف تعبد صنمًا لا يتحرك ولا يسمع ولا يبصر ولا يقوم بأي عملٍ؟! صنم  جامد صلد لا قوة فيه لنفسه فكيف لغيره؟! أمّا الأب  فقد قام بتأنيبه ثم هدَّد برجمه ثم غلبته عاطفة الأبوة فخفَّف العقاب إلى دعوته لابنه إبراهيم أن يتركه ويهجره، أمّا إبراهيم عليه السلام فقد اعتزل قومه بعد أن حاول محاورتهم ولم يستجيبوا.

حواره مع ملك زمانه النمرود، وحواره مع الملائكة (ضيوفه) المرسلين لإنزال العذاب على قوم لوط عليه السلام، كل ذلك سنأتي إليه تفصيلًا بإذن الله تعالى.

 ثالثًا : ما هي الآداب والأسس التي ينبغي  أن تتوفر في المحاور وفي المسلم عمومًا ؟

من المعلوم  إن إبراهيم عليه السلام كان مسلمًــا قال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } [سورة آل عمران ٦٨]، وقال عز وجل: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[آل عمران :٦٧]

وكان عليه السلام يتصف بالرشد ورجاحة العقل، قال تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ }[سورة الأنبياء ٥١]

وهذا يعطينا إشارةً إلى أولى الصفات /الأسس التي ينبغي أن تتوافر في المحاور وهي

أولًا: الأهلية : أي أن يكون أهلًا للحوار من رجاحة عقل -الرشد- وعلم ومعرفة، يرافقها إلمامٌ بعلوم عصره ما أمكنه ذلك؛ حتى يستطيع الفهم والاستنباط والمقايسة [٥] فانظر إلى قوله تعالى: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [آل عمران ٦٦]، وقد استنبط وقاس إبراهيم -عليه السلام- في حواره مع ملك زمانه (النمرود) فانظر معي إلى إشارته لعلم الفلك مثلًا، وجودة حكمه للدليل الكوني، وسرعة البديهة لديه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[سورة البقرة ٢٥٨]

فأين قدرة النمرود على تغيير مواقع النجوم؟! فإن كان فليغيِّر جهة وجود نجم الشمس!

وفي تدليله -عليه السلام- العقلي على الله أيضًا، وتدبره ونظره إلى القمر والكواكب والشمس:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)} [سورة الأنعام ٧٦ – ٧٧]، وقياسه عقليًا بأنَّ خالق الكون له صفات لا تنبغي لغيره من الكمال الالهي، ووصوله إلى وجود خالقٍ واحدٍ، وهذا من رجاحة العقل وجودة القياس .

ثانيًا: أن يكون المحاور واثقًا بنفسه وبصحة معتقداته من غير تعصبٍ أو انغلاقٍ، مع تسلُّحه بالأدلة والبراهين الصحيحة لقضيته موضوع الحوار، فانظر معي إلى شخصية أبي الأنبياء في حواره مع قومه {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [سورة الأنعام ٨١]

ثالثًا:  لا بدَّ من دخول الحوار وفق مبدأ احترام الآخر، والمرونة وامتلاك لغة قوية مؤثرة،  والانتباه والتركيز، ولا بد من اعتماد العقل والمنطق، فانظر إلى مخاطبته لأبيه (عليه السلام ): {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سورة الأنعام ٧٤]

فكيف يكون الصنم الجامد المصنوع إلهًا؟ سؤال منطقي توبيخي لذي اللب، وانظر إلى رد السلام بالسلام وبدء الحوار بالكلام الطيب في بداية حواره مع الملائكة المكلَّفين بقوم لوط: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ }[سورة هود ٦٩]

بل زاد وأكرمهم بطعامٍ لائقٍ، ومع ذلك انتبه ببديهة إلى عدم تناولهم للطعام.

والآن بعد أن عرفنا أسس المُحاوِر الصحيحة ودخلنا حوارنا مع الآخر فما الآداب التي ينبغي أن نتحلى بها أثناء الحوار؟

فلننظر إلى أبي الأنبياء كيف أدار حواراته (عليه السلام):

أولًا: أصغى لمن حاوره بانتباهٍ وتركيزٍ، واستمع لهم ولم يقاطعهم أثناء كلامهم [٦]، ولم ينفعل ويتشنج أثناء حواره معهم، بل لجأ للود في الرد: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا(٤٢)  يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } [سورة مريم ٤٢ – ٤٣]،

فبدأ حواره بنداء الأبوة ثم أتى بالدليل لا تسمع ولا تبصر فكيف تتخذها إلهًا؟

ثانيًا: ولم ييأس عليه السلام بل واصل حواره مع أبيه {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [سورة مريم ٤٥]

وحواره عليه السلام مع النمرود في الآية 258من سورة البقرة.

ثالثًا: كانت بين قال إبراهيم، وقال بين أخذٍ وردٍ مباشرٍ دون مقاطعة أو إسفاف أو تسخيف لكلام الآخر[٧]، ولا بد أن لا يكون مُنطلق المحاور من الفكر الدفاعي وحسب، أنت تحاور بفكرٍ قوي مُدعَّم بالأدلة الواضحة الصحيحة دون تزوير أو مراوغة.[٨]

أما آداب المحاور فيما بعد الحوار فهي:

الحسنى: فبعد انتهاء-إبراهيم عليه السلام- من محاورته لأبيه {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}[سورة مريم ٤٧ – ٤٨]

لقد ترك أباه بسلامٍ ودعاء بالرحمة والهداية، واحتفظ بقناعاته ولم يجاريهم في خطئهم، وبعد أن بُهِت نمرود صمت عليه السلام ولم يهاجم النمرود بكلامٍ يوحي بالغلبة والتسلط، مع أنَّ قومَه ونمرودَهم لم يتركوه  بعد ذلك عندما انتقل -عليه السلام- إلى دائرة الفعل (تحطيمه للأصنام)  فحاولوا إحراقه بالنار، وغيَّر الله سبحانه خاصية الإحراق في النار، أمام أعينهم لكنهَّم عموا وصموا.


[١] ابن منظور ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، مادة حور
[٢]نفسه ، مادة نظر .
[٣]نفسه ، مادة جدل .
[٤]عبد الستار الهيتي , الحوار الذات و الاخر , وزارة الاوقاف القطرية ، ط1 ٢٠٠٤
ص ٢٩ .
[٥] نفسه ، ص ٢٢
[٦] د عبد القادر الشيخلي ، أخلاقيات الحوار ، دار الشروق ،الاردن ،١٩٩٣ ،ط ١ ص٦٩
[٧] ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ،عالم المكتبات ، دمشق ، ج١ ص٣٩و٤٠
[٨] الرهواني محمد ، منهجية أبراهيم عليه السلام في الدعوة لله ، مجلة المحجة ،٢٠١٤ ،العدد ٤٢٥،

الكاتب: د. فاطمة مفلح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى