عرض ونقد

الإلحاد وعلاقته بهوى النفس


  تمهيد:

الحمد لله الحقِ المبين، والصلاة والسلام على رسوله المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبهِ أجمعين، وبعد:
فإن الإلحاد في انتشاره لم يقتصر على الدول الغربية البعيدة عن بلدان المسلمين وحسب؛ بل أصبح داخل بيوت بعض المسلمين، وصارت أفكاره تُتداول بين فئات المجتمع دون ضوابط أو علم يبطل خزعبلاته، أو حتى يقين ينكر افتراضاته التي تخالف الفطرة!
وآل جميع من وقع به يتخبط بين ظلمات الشك والحيرة دون مرساةٍ توقفه عند حده.
ومتخذوه انقسموا لأكثر من فئة وفقًا للأسباب والأهداف، فمنهم من وقع حقًا في شبهة طمست رؤيته، فلم يعد يعلم ما الصواب وما الخطأ، وهؤلاء -إن شاء الله- عائدون للطريق القويم إن سُدِدُوا له.
ومنهم من أراد مفرًا من التكاليف والضوابط الإسلامية؛ لأن الإلحاد في نظره السبيل الوحيد لفعل رغباته وإراداته الأمارة بالسوء دون حسابٍ أو تأنيب ضمير – والعياذ بالله-.
ونعلم حق العلم ودون ريبة، أن عاقبة المتبع لشهواته وأهوائه لا تحمد ولا تُزكّى، قال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ*إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِين} ( الجاثية ١٨-١٩) ، وقال سبحانه كذلك لنبيه داوود -عليه السلام-: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (ص٢٦)،هذا وهو مرسلٌ من عند الله مؤيد، وإذا دل الأمر على شيء فسيدل على أن اتباع الهوى غير محمود المآل لجميع الخليقة، وعلى أن التحذير منه شديد.

وأما حديثي هنا فسيكون عمَّن خاضوا غماره شهوة لا شبهة، وتابعوا به تمسكًا بأهوائهم.
وبالله أستعين…

بداية، ما هو الإلحاد؟

إن الإلحاد بمعناه المنتشر اليوم ليس مصطلحًا قرآنيًا، ولم يكن دارجًا عند العلماء الأوائل، ولفظة «الإلحاد» بالمفهوم القرآني الواردة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} (فصلت ٤٠)، وفي قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأعراف ١٨٠)، فهي تنصرف إلى معان أخرى لا تنحصر بالضرورة في إنكار وجود الخالق سبحانه وتعالى؛ وإنما تعني الميل عن الحق أو وضع الكلام على غير موضعه، وقد يراد به لغط وتكذيب واستهزاء المشركين بالقرآن. أما تعريف الإلحاد لفظًا، ففي اللغة هو: الميل عن القصد، والعدول عن الشيء، ومصدره لحد، واللحد هو الشّقُ في جانب القبر.

وفي الاصطلاح هو: مذهب فكري ينفي وجود خالق الكون، واشتقت التسمية من اللغة الإغريقية (أثيوس atheos) وتعني بدون إله.
وإذا كان التعريف العام للإلحاد يعني: الميل والعدول عن الطريق القويم، فهذا يعني أن كل تَرْكٍ للدين وهَجْر لأحكامه هو نوع إلحاد، ومن ثم فالإلحاد يشمل كل أنواع الكفر والشِّرك بالله تعالى، والميل والحيدة عن أوامره وأحكامه جل وعلا، والتجرؤ على نواهيه سبحانه، وهذا المعنى هو الذي جاء في كتاب الله تعالى في قوله جل شأنه: {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} (الحج ٢٥) .

العلاقة بين الإلحاد وهوى النفس:

إن تشكيل السلوك والتفكير كأي ظاهرة إنسانية يبدو معقدًا، ويصعب تحديد علله بدقة، فهو عملية واعية تؤثر وتتأثر وتقبل التغيير، ويصعب إطلاق الحكم عليه؛ وإنما يستلزم ذلك معرفة الدوافع والميول، والسؤال هنا: هل تنحصر صياغة الموقف الفكري والسلوكي في عنصري المعلومة والقدرة الذهنية على التحليل فقط؟ والجواب: لا؛ بل هناك مؤثر آخر قد يُحرِّف المسار الفكري والذهني عن الموضوعية، وهو الهوى!

وقد قيل في تعريفه: أنه لفظ جامع للميول والرغبات النفسية الدافعة للأقوال والأفعال والمقاصد المنحرفة عن الحق، وقيل كذلك: ميل الطبع إلى ما يلائمه، وقيل: ميلان النفس إلى ما تستلذه من الشهوات بغير داعية الشرع، وقيل: قد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقًا، فيدخل فيه الميل إلى الحق وغيره، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه، وهذا الميل قد خُلق في الإنسان لضرورة بقائه، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب، وإلى المنكح ما نكح وكذلك كل ما يشتهيه، فالهوى يستجلب له ما يفيد، بالتالي لا يصلح ذم الهوى دائمًا؛ وإنما يذم المفرط من ذلك، وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار.

ونستنج بذلك أن الهوى في الأصل ميل النفس إلى ما تهواه، فإن مالت إلى ما يخالف الشرع فهو الهوى المذموم، وإن مالت إلى ما يوافق الشرع فهو الممدوح، وإذا ذكر الهوى مطلقًا أو ذكر ذمه فإنما يراد به الهوى المذموم الـمُخالف لأنه الغالب.
واتباع الهوى المذموم قد يكون في أمور الدين وقد يكون في شهوات الدنيا، أو بعبارة أخرى قد يكون في الشبهات وقد يكون في الشهوات، وقد يكون في أمر مشترك بينهما.

وهوى الشبهة قد يوصل صاحبه إلى حد الابتداع في الدين، وهو المراد في عامة كلام السلف حينما يتحدثون عن أهل الأهواء؛ فإنما يريدون بذلك أهل البدع
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «واتباع الأهواء في الديانات أعظم من اتباع الأهواء في الشهوات فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين كما قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} (القصص٥٠)
وتتداعى في الإلحاد الطبائع والنفوس قبل أن تتداعى فيه الأفكار والعقول، ففي مقابل الاهتمام بالتفكر وإعمال العقل في آيات الله، نجد أن القرآن يحذر من اتباع هوى النفس تحذيرًا شديدًا، كقوله تعالى:{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية ٢٣)، وفي جُل الآيات لم يرد الهوى على إطلاقه إلا في معرض الذم، فمتبع الهوى لابد أن يضل سواء كان عالـمًا أو جاهلًا، والمتتبع لنصوص الوحي يرى بوضوح أن اتباع الهوى من أسباب طمس البصيرة والضلال.

ومن يدقق النظر على أحاديث وأفكار بعض الملحدين يجد أن في خفاياها مضمونًا وحيدًا، ليس هو البحث عن الحق- وإن وُجد عند بعضهم ممن كان سبب إلحاده الشبهات-؛ وإنما البحث عن رغبات وشهوات يحاول إلباسها لباسًا عقليًا زائفًا لا يكاد يسترها، فتنكشف عند فحصها أمام الطرح العاقل البعيد عن الهوى، ولهذا فإن أفضل وسائل الرد على الشبهات هو كشف الشهوات من ورائها، وقد قال في ذلك أ. أحمد بن يوسف السيد أن من خطوات ما قبل النقد: التفتيش عن الدوافع والمحركات، فقد تكون الإشكالية في الجذور الخفية التي أنتجت الفكرة لا في الفكرة نفسها، وهذا يؤكد أن الهوى -في بعض الحالات – قد يكون هو المحور الرئيسي في كل هذه الانحرافات العقدية والفكرية والسلوكية، وليس للحجة العقلية حظ في ذلك- يُستثنى من ذلك من خطفته الشبهات وطُمست بصريته-، ويمكنك أن تلمس ذلك لدى الملحدين إذا تأملت هروبهم الدائم من المناظرات.

وعلى أي حال فدافع متبعي الشهوات في الإلحاد هو عدم وجود رب يعني لا حساب، وعدم وجود حساب يعني لا عذاب أي أفعل ما أشاء، بالتالي فالإلحاد مهرب جيد لمن يريد التفلُّت وإطلاق العنان لهواه ليفعل ما يمليه عليه من شهوات ومحرمات ما حُرِّمت بالأصل إلا صيانة لنفسه.
وبالنهاية من أراد طريق الإيمان حقًا دون شائبة الهوى فسيصل له حتمًا، فالدلائل لا تعد ولا تحصى على وجود الخالق سبحانه، كالإعرابي الذي سُئل: كيفَ عرفتَ الله؟
فقال: البَعَرَةُ تَدُلُّ على البعير، والأَثَرُ يَدُلُّ على المَسير، فَسماءٌ ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذاتُ فِجاج، أفلا تَدلُّ على العَلّي الخَبير!

وأختم بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الأنعام ٧٥)
فكلما أعاد المرء التأمل والتمعن في العبارة الأخيرة “وليكون من الموقنين” انفتحت له أبواب عظيمة إلى مقام الإحسان، وهو أرفع مقامات الدين، فوق الإسلام والإيمان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، يعني من شدة اليقين..
فإذا رأيت النجوم تتدلى بحبال ضيائها إليك فاغتنم الفرصة وتسلق بها إلى قمم اليقين..
والحمد لله أولًا وأخِرًا


المراجع:
[١]رشود عمر التميمي/ تأملات في البواعث النفسية للإلحاد
[٢]ابن الجوزي/ ذم الهوى
[٣]شبكة الألوكة/ من مقال: الإلحاد: تعريفه وأشكاله ونشأته
[٤]شبكة الألوكة/ من مقال: معنى الإلحاد وأقسامه
[٥]مقال المجرات سلالم اليقين : للشيخ إبراهيم السكران  
[٦]موقع الكلمة الطيب/ تعريف الهوى
[٧]محاضرة نقد الأفكار الخاطئة أ. أحمد يوسف السيد
0

الكاتب: إنعام صالح الصفدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى