الحجاب والتحرش

مَن الضحية؟  ومَن الجاني؟

لم يكن أمامنا سوى ساعتينِ من الزمنِ بين محاضرةِ المايكروبيولوجي والتي تليها؛ فأسرعنا أنا وصديقتي لمقصفِ الجامعةِ كي نحصلَ على وجبةٍ ساخنةٍ ومشروبٍ منعش.

وأثناءَ تناولِ الطعام سألتني صديقتي: هل سمعتِ عن قضيةِ التحرشِ التي تملؤ وسائلَ الإعلامِ هذه الأيام؟

  • نعم سمعتُ من بعضِ الصديقات، ولكني لم أهتم بالأمرِ كثيرًا.

أردفت صديقتي بعصبية: لو كانتِ النساءُ والفتياتُ يلتزمن بالحجاب ِالشرعي لما رأينا كل هذا الغَثِ والانحرافِ من حولنا، فالرجالُ معذورونَ وحولهم كل هذه الفتن و..

= كانت فتاةٌ في الطاولةِ التي بجوارنا تنصتُ إلى ما نقوله، فسرعان ما توجهت نحونا قائلة: هكذا أنتم معشرَ الملتزمات، دائماً ما تلقونَ باللومِ على المرأة وتصطفونَ مع الرجل حتى لو كان منحرفاً فاسداً.

  • نظرتُ إليها وقلت برفق: تفضلي عزيزتي انضمي إلينا، دعينا نتعارف أولاً..
  • اسمي نيرة طالبةٌ في كليةِ الهندسةِ البيئية الفرقة الرابعة، وهذه صديقتي وزميلتي نهى، وأنتِ ما اسمك؟

= اسمي هدى، أنا في قسم ِعمارةِ الفرقة الثالثة.

  • ما شاء الله ما أجمل اسمك، أسأل الله أن يجعلَ لنا جميعاً نصيباً منه، والآن ما الذي يغضبكِ إلى هذا الحد؟

= أنتم تلقونَ باللومِ على من لا يرتدين الحجابَ مثلي، رغم أني لم أتسبب بالضررِ لأحد، ولكن الضررَ يقعُ علي أنا من نظراتِ الرجال.

  • حسنا عزيزتي، دعيني أسألكِ سؤالاً: هل سيقعُ عليكِ ضررٌ إذا رأيتِ رجلاً يسير في الشارعِ متجرداً من ملابسه؟

= بالطبع نعم، ولكن هل تقارنينَ هذا الفعلَ الشنيعَ بعدمِ تغطيةِ الشعر!

  • مهلاً، أنا لم أقارن، ولكني أقول أن هذا الفعل الذي نعتيهِ بالشنيع هو فعلٌ مقبولٌ في بعض المجتمعاتِ ولا يرون فيه ضرراً عليهم؛ بل وأحياناً يقيمون له الاحتفالات،

وظهورُ فتاةٍ متبرجةٍ تسيرُ في الشارعِ في مجتمعٍ أكثر التزاماً وتحفظاً هو أمرٌ يسببُ لهم الضرر..

إذن فمعيارُ الضررِ يختلفُ من مكانٍ لآخر، وطالما اختلفَ هذا المعيارُ فلا مجالَ للقولِ الشائع:

(أنا حرٌ ما لم أضر)؛ لأن ما يضرني قد لا يضرُ غيري، وما أتقبلهُ أنا قد يستشنعهُ غيري، وبالتالي فالذي يحددُ هذا المعيارَ فقط هو الحكيمُ العليمُ خالقُ الإنس، العالِمُ بما يضرهم وما ينفعهم.

= لكن أليس هذا الرجلُ مأمورًا من الأساسِ أن يغض بصره؟ ألم يسمع قول الله: ” قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم “؟

  • دعينا عزيزتي نتحدث في الأمر بموضوعية، فالإسلامُ يضعُ القواعدَ لمجتمعٍ مسلمٍ منضبط، ويأمرُ أفراده (ذكورًا وإناثًا) باتباعِ تلك القواعد؛ ليستقرَ المجتمعُ وينضبط

لذا فقد أمر اللهُ الرجالَ بغضِ البصر، ونهاهم عن النظرِ للمحرمات؛ لإغلاق النافذةِ الأولى من نوافذِ الفتنةِ والغواية، فقال تعالى:”{قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}

ولأن الإسلامَ دينٌ لا يصادمُ الواقعَ المليء بالفتن، فقد جاء في صحيح مسلم عن جرير بن عبدالله البجلي قال: (سألتُ رسول الله عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري)، ومعنى نظرةِ الفجأة أنه إذا وقعَ بصرهُ على الأجنبيةِ من غير قصدٍ فلا إثمَ عليهِ في هذه الحالة، ولكن يجبُ عليهِ أن يصرفَ بصرهُ في الحال، فلا يطيلُ النظر، ولا يعقب النظرةَ بأخرى فيقعَ في الإثم.

وكي لا يتم فتح نافذةِ الفتنةِ من الأساسِ يوجهُ اللهُ الأمرَ للنساءِ أيضاً، فيقول سبحانه وتعالى:

” {وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أبناء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ …} إلى آخر الآية ٣١ من سورة النور

فالأمرُ للنساءِ أيضاً بغضِ البصرِ عمَّا لا يحلُ لهن، وألا يرسلن نظراتٍ تستثيرُ كوامنَ الفتنةِ في صدورِ الرجالِ وتفتحَ نوافذَ الشهوةِ على مصراعيها، ثم عليهن ألا يبدينَ من الزينةِ إلا ما ظهرَ منها، ومعنى (ما ظهرَ منها) أي مالا يمكنُ ستره، وعلى هذا ذهبت أغلبُ أقوالِ المفسرينَ أن مقدارَ الزينةِ المسموحُ بها للظهورِ هو اللباسُ الظاهر؛ لأن اللباسَ في حدِ ذاتهِ زينة، وذلك مأخوذٌ من قوله تعالى:

“{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [سورة الأعراف:٣]. 

ثم تستكمل آية سورة النور الأمر بالقول  {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}

  • والمعروفُ أن الخمارَ هو غطاءُ الرأس، فجاءَ الأمرُ بإسدالِ غطاءِ الرأسِ حتى يغطي الجيب (وهو الصدر)، فعلى المرأةِ أن تلتزمَ بالزي الشرعي والسلوكِ الشرعي الذي لا يثيرُ الرجل، وعلى الرجلِ أن يحفظَ بصرهُ عن النظرِ إلى ما لا يحلُ له، وبهذا ينغلقُ جزءٌ كبيرٌ من البابِ المؤدي للوقوعِ في الفتنة.

= ولماذا تعتبرونَ أن هذا الغطاءَ الذي يُسدَل على رأسِ المحجبةِ هو الدليلُ الوحيدُ على العفة؟، في حين أننا قد نجد قمةَ العفةِ والاستقامةِ في كثيرٍ من حاسراتِ الرأس؟

  • هذا صحيح عزيزتي، فما كان للثيابِ أن تمنحَ من يرتديها عفةً أو استقامةً مزورة، وما كان التبرجُ بمثابةِ إعلانٍ عن الفجورِ والانحطاط، وإنما شرع الله الحجابَ كغطاءٍ مُسبلٍ لجسدِ المرأة؛ للحفاظِ على عفةِ الرجلُ مما قد تقعُ عليهِ عيناهُ من مفاتنَ ومغريات، وعلى عفةِ المرأةِ أيضاً من عواقب استثارةِ الرجلِ نحوها، فمن المعلومِ أن شهوةَ الرجلِ تجاه المرأة أكبرُ من شهوتها تجاهه، فالرجلُ يُفتن بالمرأة بمجردِ النظرِ إليها، في حين أن المرأة لا تتحركُ عواطفها بمجردِ النظرة، ولهذا جاء الشرعُ بوضع الضوابطِ لتحجيم تلك الشهوة.

= إذن لماذا يخلقُ الله في داخلنا هذه الشهوةَ ثم يأمرنا بكبتها؟!

  • عزيزتي، اعلمي أن الله لن يخلقَ شيئاً أو يأمرَ بمعروفٍ أو ينهى عن منكرٍ إلا لحكمةِ قد نعلمها وقد نجهلها، فالمطلوبُ منا التسليمُ لأمرِ الله سواء علمنا الحكمةَ أو جهلناها؛ لأن عقلَ الإنسان بكل ما أوتي من ذكاءٍ وفطنةٍ فهو قاصرٌ وعاجزٌ عن إدراكِ كل ما يحيط به،

فالطفلُ الذي يعطيهِ أبوه الدواءَ المر لعلاجهِ يشعرُ بالإيذاءِ من هذا الفعلِ ويجهلُ الحكمةَ من وراءِ هذا التصرف، ولكنهُ مستسلمٌ له، وفي المقابل أنتِ بنفسكِ قد تتعرضين لموقفٍ تكرهينه من أقربِ الناس إليكِ، ثم عندما تدركين السبب تتيقنينَ من الخيرِ والنفعِ الذي أصابكِ جراءَ هذا التصرف، رغم أنكِ جهلتِ الحكمةَ منهُ في أولِ الأمر.

  • ومن حكمِ اللهِ الواضحة: الاختبارُ والابتلاء، فالله يضعُ في داخلنا هذه الشهوةَ ويوضحَ لنا كيف نكبح جماحها، ويبين عاقبةَ الانسياقِ المنفلتِ وراءها، فهو سبحانه الذي يضع في داخلنا بواعثَ الصلاحِ والفساد ثم يختبرُ مدى انصياعنا لأمرهِ سبحانه وتعالى{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [ الشمس ٧ – ١٠]

أما بالنسبةِ لوجودِ هذه الشهوةِ بداخلنا فهذا من عظيمِ ما خلقَ اللهُ فينا، فالإنسانُ خُلِق ليعبدِ ربه، وسخرَ اللهُ له الأرض كي ينتشرَ في أرجائها ويعمرها ويتكاثر فيها، لذا فقد أودعَ اللهُ فيه هذه الشهوةَ وجعلها قوية؛ لأن ضعفها أو توقفها يعني فناءَ النوعِ الانساني، فهي كمثلِ شهوةِ الطعام، لم يجعلِ اللهُ قوامها لاختيارِ الإنسان؛ بل جعلها غريزةً مُلحة بقوة تدفعُ الانسانَ إلى إشباعها..

وهي كأي غريزة أخرى إذا تُرِكت لتنطلقَ دون ضوابط أهلكتِ الإنسان، فإذا استسلمَ الإنسانُ لغريزةِ الطعامِ ولم يضبطها ألحقت به الأمراض، وكذا الشهوةُ الجنسية، لو استسلم لها دون الضوابط الشرعية أوردتهُ المهالك.

لذا فقد وضعَ الحقُ سبحانه وتعالى الضوابطَ لتحجيمِ تلك الشهوة، ووضعها في إطارها الصحيح كي يتحققَ استقرارُ المجتمع؛ فأمرَ اللهُ بغضِ البصرِ للرجالِ والنساء، وأمرَ النساءَ بالالتزامِ بالحجابِ الشرعي، وحثَ على الزواجِ المبكرِ لوضعِ الشهوةِ في مكانها الشرعي الصحيح، ووضعَ العقوباتِ المغلظةَ للجرائمِ الناتجةِ عن انفلاتِ تلك الشهوة

= ولكن هناكَ من الرجالِ من يوجهُ نظراتهِ حتى للمرأةِ المحجبة؛ بل ويتحرشُ بها كذلك!

  • اتفقنا عزيزتي أن اللهَ وضعَ عدة ضوابط لاستقرارِ منظومةِ المجتمعِ الأخلاقية، فإذا اختلَ ولو ضابطٌ واحد من تلك المنظومةِ لانهارت بأكملها، فمجتمعٌ تنتشرُ فيه المحجباتُ والمتبرجاتُ على سواء، ويواجهُ الشبابُ صعوباتٍ مادية رهيبة في الزواج، وتختفي العقوباتُ الرادعة؛ فهنا ينهارُ المجتمعُ وتختلُ المنظومةُ بأكملها، فلا ضابطَ ولا رابطَ ولا منطقَ لأي شيء.

= إذن لماذا تقل نسبةُ التحرشِ في بعضِ المجتمعاتِ الغربيةِ بالرغمِ من وجود كل هذا الإغراءِ للرجالِ على حد زعمك؟

  • لقد اتفقنا عزيزتي أن استقرارَ المجتمعِ يعتمدُ على مجموعةٍ من الضوابط لتستقيمَ المنظومةُ الأخلاقيةُ لهذا المجتمع، فإذا وُجِد في مجتمع ما غير منضبط أخلاقياً بعضُ الاستقرارِ في مسائلِ التحرشِ والاعتداءِ الجنسي فقد نعزو هذا الأمر إلى عدة أمور، منها: تطبيقُ هذا المجتمعِ لعقوباتٍ مغلظة تقللُ من نسبِ التعدي على المرأة.
  • ولكن الحقيقةَ الساطعة َأن كثيراً من الإحصائيات تكشفُ وبصورةٍ مروعة عن ارتفاعِ معدلِ جرائم التحرش والاعتداءِ الجنسي على المرأة في دول أوروبا والولايات المتحدة بنسبٍ كبيرةٍ جدًا مقارنةً بمثيلاتها في الدول الإسلامية على الرغمِ من مساحةِ الحريةِ الكبيرةِ والمنفلتة التي يتمتعُ بها الجنسين في تلك الدول، فعلى سبيل المثال تجدين في كتاب (الجريمة في أمريكا) أنه تَحدُث جريمة اغتصابٍ بالقوة كل ستة دقائق في أمريكا، وهذا رقمٌ مفزع يستحيلُ وجودهُ في أي دولة أخرى في مجتمعنا الإسلامي.

= ولكن ألا ترين أن في الحجابِ تقييداً للحرية؟، وأن المرأة دائمًا ما تكونُ مساحةُ الحريةِ لديها أقل من الرجل؟

  • الواقع عزيزتي أنه ما من دينٍ أو نظامٍ إلا وله قيود لابد لأتباعه أن يتقيدوا بها، وتلك هي الحياةُ ولا محيد عن ذلك أبداً، ومن ثَم فلا الرجلُ ولا المرأةُ حُران تمام الحرية، إذ هناك الحلالُ والحرامُ والأعرافُ والتقاليد، وهناك اللائقُ وغير اللائق – إذ الحريةُ المطلقةُ وهم –
  • فنجدُ الكثير من القيودِ يتساوى فيها الرجلُ والمرأة، فكما حرم الشرع على المرأةِ الزنا حرمه كذلك على الرجلُ وحرم جميعَ مقدماته، وكما حرمَ عليها الاختلاطَ بالرجالِ خارج الإطارِ الشرعي حرمهُ أيضاً على الرجل، وحتى الثيابُ فليسَ مسموحاً للرجل أن يرتدي ما يكشفُ العورات.

= ولكني أعتقد أن حجابَ المرأةِ يعوقها عن العلمِ والتطورِ وعن النجاحِ في مجالاتِ الحياة

  • وما علاقةُ حجابِ المرأةِ بنجاحها وتطورها؟، فالتاريخُ يخبرنا عن نماذج كثيرة لنساء مسلمات ملتزمات بالزي الشرعي ساهمن بشكل كبيرٍ في ارتقاءِ مجتمعاتهن، فعلى سبيلِ المثالِ لا الحصر حفرت (فاطمة الفهرية) وهي من ذريةِ عقبة بن نافع – فاتح تونس – اسمها في التاريخِ بحروف من نور، فقد ورثت المالَ الكثير من والدها، فقامت ببناءِ مسجد القرويين في المغرب، والذي تحول إلى جامعة القرويين، والتي خرجت العديدَ من العلماءِ المسلمينَ وغير المسلمين، وقد اعتمدتها منظمة اليونسكو كأقدم جامعة للتعليمِ العالي في العالم.
  • وها أنا ذا أمامك أنا وزميلتي لم يمنعنا الحجاب من العلمِ والتفوق، وسوف نساهمُ بإذن الله بعد التخرج في الارتقاءِ بمجتمعنا وتنميته، وذلك بالطبعِ بعد اهتمامنا بدورنا الأصلي الذي خُلقنا من أجله، وهو تكوينُ أسرةٍ مسلمةٍ ناجحة، وإعداد نشءٍ ينهضُ بهذه الأُمة.
  • ودعيني أفاجئك أنني استمعت لحوارٍ اُجري مع أُسرةِ شابةٍ اعتنقت الإسلام حديثاً، وعندما سألوا جدتها الغير مسلمة عن رأيها في حجابِ حفيدتها أجابت أنه يروق لها؛ لأنه يجعل من يتعاملُ معها ينظرُ إلى رجاحة عقلها وليس إلى جمال جسدها، فلا تغدو المرأةُ سلعةً جميلة تُستخدم في ترويج منتجٍ أو افتتاحِ متجر كما نرى في جميعِ الدولِ الغربية ومن سارَ على نهجهم في بلادنا المسلمة.

= ولكن ألستِ معي في أن الحجابَ أصبحَ رمزاً للتمييزِ الديني والعنصري، فنحنُ نعيشُ في مجتمع به المسلمون وغيرهم، فكأننا نقول لهم: نحن اتخذنا الحجابَ رمزاً لنظهرَ به هويتنا الإسلامية وأنه لا تعايش لكم بيننا

  • الحقيقة أن هذا الادعاءَ باطلٌ من أساسه، فالحجابُ ليس رمزاً لتلك الأمور؛ بل ولا رمزاً من الرموزِ بأي حال؛ لأن وظيفةَ الرمزِ هي التعبيرُ عن انتماء من يستخدمه، مثل تقلد النصارى للصليب، وارتداء القلنسوة الصغيرة لليهود، فلا وظيفة لهما إلا الإعلان عن الهوية.

 أما الحجابُ فهو من محاسنِ التشريع الإسلامي، وشرعه الله لنشرِ السترِ والحشمةِ والعفاف وضبطِ المجتمع، فلا نجدُ مسلمةً ترتدي الحجاب لتعلن عن إسلامها، وإنما ترتديهِ طاعةً لربها وامتثالاً لأوامره.

  • وحسناً فعلتِ أن تطرقتِ إلى هذا الأمر حتى أخبركِ أن الحجابَ شرعه الله على بناتِ حواء منذ الأزل، وأنه مذكورٌ في كُتب أهل الكتاب، فمن يقرأ في العهدِ القديم يعلمُ أن حجابَ المرأة كان معروفاً من عهدِ نبي الله إبراهيم عليه السلام، وتكررتِ الإشارةُ إليه في العهد الجديد، وظل معروفاً لدى أقوام جميع الأنبياء إلى ما بعد ظهور المسيحية، وليس يدل على وجود الحجاب في شريعة النصارى إلا وجود جميع الصور المزعومة للسيدةِ مريم وهي ترتدي الحجاب.

= إذا كان الأمر كما تقولين إذن لماذا لا نرى نساءَ النصارى واليهود يرتدين الحجاب الآن؟

  • عزيزتي كما تعلمين فإن أوروبا النصرانية ظلت على تدينها وعلى عبادةِ الله بالرغم من التحريفِ والتشويه الكبير الذي تم في الكتابِ المقدس ومن ثَم في العقيدةِ النصرانية، وظل هذا التدينُ حتى دخلت أوروبا في عصرِ النهضة وتخلت عن دينها بكل ما يحملهُ من مظاهر وسمات.
  • أما الدولُ المسلمة فقد كانت نزعة الدينِ لديها أقوى بكثير؛ لأنها مبنيةٌ على عقيدةٍ صحيحةٍ وشريعةٍ متماسكة، وظل المجتمعُ المسلمُ بشقيه (الرجال والنساء) متمسكًا بدينهِ في الجوهرِ والمظهر، إلى أن جاء المحتلُ الأوربي إلى بلادنا وأيقنَ أنه لن يتم السيطرةُ على مقدرات وعقولِ المسلمين إلا إذا تخلوا عن دينهم (مصدر قوتهم وعزهم) فعَمِد إلى جميع الوسائلِ والحيل، وكان من أهمِ ما ارتكزوا عليه هو العملُ على تغريبِ المرأةِ المسلمةِ وإبعادها عن دينها، لما لدورها ومكانتها في صنعِ الأُمة والتأثيرِ على المجتمع، فلعبوا على وترِ الحريةِ في كل شيء، بدءً من الحريةِ في خلعِ الحجاب إلى الحريةِ في الاختلاط المُحرم، وانتهاءً بالحريةِ في الاعتقادِ والدين، وساعدهم على الوصولِ لمبتغاهم مسلمون من بني جلدتنا، فكانوا بمثابةِ طعنةٍ في ظهر المسلمين، وكما هو معروفٌ عندما قامت إحداهن أثناءَ مظاهرةٍ لمقاومةِ المحتلِ بخلعِ الحجابِ وإلقائهِ على الأرضِ وسط تصفيق الحضور، لتنطلقَ بذلك الشرارة الأولى للسفور والتبرج.

= آه يا أختاه، يبدو أن الأمرَ أكبرُ بكثير من مجردِ إسدال غطاء على الرأس

  • نعم حبيبتي الأمرُ أخطر من هذا بكثير.

= حسناً، لقد حانَ موعد محاضرتي وسأضطر للانصراف، ولكن لنا لقاءٌ قريب بإذن الله.

  • نعم هدى.. سوف تجديننا دومًا بانتظارك.

انصرفَت وأنا أدعو الله في داخلي: هداكِ اللهُ يا هدى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بقلم: نيفين جلال


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 5 / 5. عدد الأصوات 6







مشاركة عبر البريد الإلكتروني