تعزيز اليقين

مذاهبُ النَّاسِ في المعرفةِ والأخذِ بالخبرِ

إنَّ النَّاظر في الواقعِ العربيِّ خاصّةً، وفي الواقع البشريّ عامّةً، يعلم ما خلَّفَته التَّيَّاراتُ الفكريَّةُ المختلفةُ من تهديدٍ للاستقرار الفكريّ الإنسانيّ والدِّينيّ، فنجدُ أنَّ النَّاس فيها على أقسامٍ: فمنهم من ثبتت أصولُه في الأرض فلا يؤثِّر فيه ما هبَّ من رياحٍ هَوْجَاء، والبعض تؤثِّر فيه فتُزحزِحه بعض الشَّيْء عن الموْرِد الصَّافي للمَاء، وسُرعان ما يتدارك ويَغْمِس جذُورَه في الأرض ويبقَى شامخًا بأفكاره في السَّماء، والبعض الآخر لا زالت به حتَّى تُفقِده هويَّته وتَصرفه عن كلِّ ما يوصله إلى العلم والمعرفة والاهتداء.

فكان حريًّا بنا أنْ نلتمسَ الطُّرق المستقيمة الموصِلة إلى العلمِ والمعرفةِ بما يوافق الواقع ولا ينحرف عن الحقِّ ولا يَحِيد عنه.

ولا بدَّ لكلِّ من أراد أن يصل إلى الفلاح أن يأخذ بكلِّ أسباب التَّوفيق والنَّجاح، وأن يتَّبع منهجًا معرفيَّا شاملًا يمكِّنه من بناء أفكاره قَصْدَ السَّيْر في طريقٍ مستقيمٍ وعدم الحَيْدَة عنه بما يشوِّش اختياره ويَحُول بينه وبين هدفه وغايته؛ لذلك أَوْلى الإنسانُ اهتمامًا كبيرًا بالمنهج المعرفيّ الذي من شأنه تحديدُ الوِجْهَةِ وإزاحة الغِشَاوة، فظهر جرَّاء ذلك مبحثٌ فلسفيٌّ كبيرٌ يحدِّد للإنسان كيفيَّة التَّوصُّل إلى المعرفة ومصادرها ومتعلِّقاتها حتَّى صار هذا المبحثُ من أهمِّ ما يُطرَح خاصَّةً في الفلسفة الحديثة، وهذا المبحثُ هو ما يُسمَّى عند الفلاسفة بـ”نظريَّة المعرفة”.

تُعَدُّ المعرفةُ من الهواجس التي تَلْزَمُ كلَّ عاقلٍ ولا تنفكُّ عنه، فتجده يبحثُ ويتوقُ إلى اكتشاف الأشياء وعِللها وحِكَمها… والوصول إلى معرفة كلِّ مجهولٍ غابت عنه معرفةُ ماهيَّته أو صِفته… لذلك عبَّر بعضُ الفلاسفة عن الإنسان بكَوْنِه كائنًا مفكِّرًا، يسعى دائمًا إلى حلِّ الإشكالات والتَّساؤلات التي تطرأ عليه وتخطر في ذهنه قصدَ الوصولِ إلى ما يُشبع نَهَمَ غريزته الفكريَّة.

تَطَوَّر الكلامُ حول نظريَّة المعرفة خاصَّةً مع التَّقدم الحضاريّ البَشَريّ الذي تبعه انكشافُ كثيرٍ من الأمور التي كانت مجهولةً من قبل، ممَّا زاد من تنازع الفلاسفة في تناولهم لمبحث مصدريَّة المعرفة، حتَّى صار كلُّ واحدٍمنهم يُدلي بِدَلْوِهِ مستدلاًّ بما يراه مناسبًا لمنهجه المعرفيّ مفنِّدًا بذلك منهجَ مخالفِه.

فالبعضُ يرى أنَّ العقلَ هو الوحيدُ القادرُ على الإيصال إلى معرفة الأشياء معرفةً حقيقيَّةً وإدراكها إدراكًا جازمًا دون غيره، ويدَّعي أنَّ ما ورد بغير العقل فلا عِبرةَ به ولا يُلتفتُ إليه.

والبعضُ يُغالي في اعتبار المعرفة منحصرةً فيما كان مصدرُه حدَسيًّا أو إلهاميًّا يقوده الباطنُ إلى معرفة الظَّاهر.

أمَّا البعضُ الآخرُ فيعُدُّ المعرفةَ البشريَّة منحصرةً في الحسِّ ولا يمكن تحصيلُ أيِّ معرفةٍ إلاَّ بما توفِّره لنا حواسُّنا دون غيرها…

تطوَّر هذا التَّيَّارُ الحسِّيُّ القائمُ على المشاهدة والتَّجربة حتَّى صار سائدًا في بعض الأوْساط، بل إنَّ كثيرًا من النَّاس اليومَ لو جادلتَه في أيِّ موضوعٍ لأحالَك إلى مسألةِ الإثباتاتِ الحسِّيَّة التَّجريبيَّة -حتَّى لوْ لمْ يكن يتبنَّى هذا المنهج الفلسفيّ-، فيَنْفِي كلَّ ما هو غيرُ محسوسٍ أو تجريبيّ ويتمسَّك بالعالم الماديّ الذي احتلَّ مكانةً كبيرةً وصار ليس من المُستَبعد أن نعتبره هو المهيْمنَ والقائدَ للفكر الإنسانيّ المعاصر خاصَّةً مع فُشُوِّ وانتشار العلم التَّجريبيّ في واقعنا وانحياز النَّاس -خاصَّةً في المجتمع الغربيّ- إلى تصديقِه والالتزامِ به دونَ غيرِه من مصادر المعرفة.

لكنَّ النَّاظرَ في حالِ البشريَّة قديمًا وحديثًا وواقعِها، يعلمُ يقينًا قُصُورَ هذه المناهجِ، وأنَّ المعرفة تأتي من طرقٍ أخرى لا تقلُّ أهمِّيَّةً عن الحسِّ والعقل…، ولعلَّ من أهمِّ المصادرِ التي وقعَ إنكارُها ممَّن يتبنَّوْن فكرة حَصْرِالمصدريَّة المعرفيَّة في الحسِّ أو العقل هو المصدر الخَبَرِيّ الذي ثبت أنَّه لا تقوم حياة البشر دونه، بل قد يعتلي ليصبح هو أهمَّ مصدرٍ قامت عليه الحضاراتُ الإنسانيَّةُ المتعاقبةُ منذ القديمِ حتَّى واقعنا المعاصر الذي لا يزالُ يعتمدُ الخبرَ كمصدرٍ أوَّلٍ للمعرفة.

وفي هذا الصَّدد نقل ابْنُ تَيْمِية (٧٢٨هـ) عن الخطَّابيّ تفصيلَ بعضِ هذه المناهجِ المعرفيَّة في قوله: “والأصلُ في مذاهبِ النَّاس كلِّهم ثلاثُ مقالاتٍ:

القولُ بالحسِّ حَسْبٌ: وهو مذهبُ الدّهريَّة، فإنَّهم قالوا بما يدركه الحسُّ، لم يقولوا بمعقولٍ ولا خبرٍ.

وقال قومٌ بالحسِّ والمعقول حَسْبٌ، ولم يقولوا بالخبر: وهو مذهبُ الفلاسفة؛ لأنَّهم لا يثبتون النُّبوَّة.

وقال أهلُ المقالة الثَّالثة بالحسِّ والنَّظر والأَثَر: وهو جماعة المسلمين، وهو قول علمائنا، وبه نقول”، ثمَّ تعقَّبه بأنَّ الدّهريَّة لا تُنكر جنسَ المعقولِ، بلْ تُنكر منه ما لا يكونُ جنسُه محسوسًا أيْ لا تُنكر ما كان مِنَ العقليَّاتِ التي أصلُها وجنسُها مِنَ المحسوسات، وإنَّما تُنكرُ ما كان عقليًّا محضًا مفارقًا للحسِّ، أمَّا الفلاسفة فإنَّهم لا يُنكِرون جنسَ الخبرِ، بل يقبلون منه ما كان متواترًا فقط دون الآحاد، وهذا معلومٌ من مذهبهم حتَّى إنَّ البعضَ ينسِبُ ابتداعَ هذا التَّقسيمِ إليهم [1].

يتبع..

https://almohaweron.com/alkhabar-masdar-maarfi2/


[1] تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨هـ) كتاب: “درء تعارض العقل والنقل” -ج٧ص:٣٣٢/٣٣٣تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية الطبعة: الثانية، ١٤١١ هـ – ١٩٩١ م عدد الأجزاء: ١٠.

الكاتب: سليم الحفيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى