تعزيز اليقين

خلاصة القول في أهمِّيَّة الخبر وعلاقته بغيره من مصادر المعرفة

يَتَبَيَّن مِنْ كلِّ ما سَبَقَ أهمِّيَّة الخَبَر كَمَصْدَر مَعْرِفيٍّ اعْتَمَدَتْه الإنْسَانيَّة منذ القديم كأَحَد أَبْرَز مُقَوِّمَات الحَيَاةِ في مُختَلف مَجَالاتها، فنَجِدُ أنَّ اعتبار الخبر كَانَ ولاَ زَالَ مِثل الإجْمَاع العَمَليِّ مِنْ كُلِّ النَّاس، والمعترِض على حُجِّيَّة الخبر إنَّما هو مُخالِف لإِجْمَاعِ العُقَلاَء فَكَانَ بذَلِكَ شَاذًّا عَنْهُم فلاَ يُؤخَذ بقوله.

وكَذَلِك تَتَبَيَّن لنا العَلاَقَة المتَدَاخِلة بَيْنَ مَصَادِر المعْرِفة المخْتَلِفَة مِنْ خبرٍ وعقلٍ وحسٍّ ظاهرٍ وباطنٍ، حيثُ أنَّ الحِسَّ يُنقَل بالخَبَر ويُحَلَّلُ ويُستَنْتَج بالعَقْل، والعَقْلُ يُنْقَل بالخَبَر ويَعْمَل في الحِسِّ الظَّاهِر والبَاطن، والخبر يَكُون مُنْتَهَاهُ الحِسُّ أوِ العَقْلُ…

يقول ابْنُ تَيْمية (٧٢٨هـ): “فطُرُقُ العِلْمِ ثَلاَثٌ:

أحدُهَا: الحِسُّ الباطنُ والظَّاهرُ، وهو الذي تُعلَم به الأمورُ الموْجُودَة بأَعْيَانِها.

والثَّاني: الاعتِبَار بالنَّظَر والقِيَاسِ، وإنَّمَا يَحْصُل العِلم به بَعْدَ العِلْمِ بالحِسِّ، فمَا أفَادَه الحِسُّ مُعَيَّنًا يُفِيدُه العَقْلُ والقِيَاسُ كُلِّيًّا مُطْلَقًا، فهُو لا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ عِلْمَ شَيْءٍ مُعيَّن، لَكِنْ يَجعَل الخاصَّ عامًّا، والمعَيَّن مُطلقًا. فإنَّ الكُلِّيَّات إنَّمَا تُعْلَم بالعَقْل، كَمَا أَنَّ المعَيَّنَات إنَّما تُعْلَم بالإِحْسَاسِ.

والثَّالثُ: الخَبَرُ. والخبر يَتَنَاول الكُلِّيَّات والمعَيَّنَات والشَّاهِد والغَائِبَ، فهُو أعَّمُّ وأشْمَلُ، لَكِنَّ الحِسَّ والعِيَان أتمُّ وأَكْمَل.

فيُمْكِن أنْ يُعلَم بالسَّمَاع والخبر أَضْعَافُ مَا يُمْكِن عِلْمُه بالعِيَان والبَصَر أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلِهَذَا كان الغَيْبُ كلُّهُ إنَّما يُعْلَم بالسَّمَاعِ والخَبَرِ، ثُمَّ يَصِيرُ المغيَّبُ شَهَادةً، والمخبَرُ عَنْهُ مُعَايَنًا، وعِلْمُ اليَقِينِ عَيْنَ اليَقينِ.

والمقْصُودُ هُنَا أَنَّ الخَبَرَ أَيْضًا لاَ يُفِيدُ إلاَّ مَعَ الحِسِّ أوِ العَقْل، فإنَّ المخبَرَ عَنْهُ إنْ كان قَدْ شُوهِد كَانَ قَدْ عُلِمَ بالحِسِّ، وإنْ لمْ يَكُنْ شُوهِد مَا يُشبِهُهُ مِنْ بَعْضِ الوُجُوه، وإلّا لَمْ يُعْلَم بِالخَبَرِ شَيْءٌ فلاَ يُفيدُ الخبر إلّا بَعْدَ الحِسِّ والعَقْل، فَكَمَا أَنَّ العَقْل بَعْدَ الحِسِّ، فالخَبَرُ بَعْدَ العَقْلِ والحِسِّ، فَالإِخْبَار يَتَضَمَّن هَذَا وهَذَا…”.

ويَظْهَرُ لَنَا جَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ مُعْتَمِدًا على كُلِّ هذه المصادر المعرفيَّة كَانَ أَقْرَبَ لِإِدْرَاكِ المعْرِفَةِ الصَّحِيحَة والوُصُولِ إلى الحَقِّ والصَّوَابِ… أمَّا مَنِ اقْتَصَر على البَعْضِ مِنْهَا دُونَ الآخَرِ فَلاَ يَنْفَكُّ أَنْ يَكُون حُكمُه على القَضِيَّة قَاصِرًا، فَقَدْ يَصِلُ إلى نَتِيجةٍ صَحِيحةٍ وقَدْ يَصِل إلى نَتِيجَة خَاطِئةٍ لأنَّه كَانَ مِثْلَ مَنْ يَسْتَعْمِلُ نَظَرَه مِنْ زَاوِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِشَيْءٍ مَا وَيُرِيدُ أَنْ يُحيطَ بعِلْمِه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

  • إشارة إلى الخبر في المنظومة الإسلاميَّة وتكامله مع بقية مصادر المعرفة:

إِنَّ الخَبَر لَيُعْتَبَر مِنْ أَشْمَل وأعَمِّ المصَادِر المعْرِفِيَّة بلْ إِنَّ المقْتَصِرَ عَلَيْه دُونَ غَيْرِه يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى النَّتِيجَة المرَادَةِ ممَّنْ يَقْتَصِرُ عَلى غَيْره دُونَهُ، لَكِنَّ الأَكْمَل والأَصْوَبَ هُو التَّكَامُل بَيْنَ كُلِّ هَذِهِ المصَادِرِ كَمَا هُوَ في المعْرِفَةِ مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلاَمِيٍّ حَيْثُ وَرَدَت العَدِيد مِنَ الدَّلاَئِل النَّصِّيَّة عَلَى اعْتِبَارِ جَمِيعِ المصَادِر المعْرفيَّة والحثِّ على اسْتِخْدَامِها لِلوُصُول إلى الحَقِّ وتميِيزه عَنِ البَاطِل كَمَا في الآيَةِ {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)} [النَّحْل:٧٨-٧٩].

يَقُولُ ابْنُ عَاشُور (١٣٩٣هـ): “أَوْجَدَ فِيكُمْ إِدْرَاكَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعَقْلِ، أَيْ كَوْنُهَا فِي النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتْ مَبْلَغَ كَمَالِهَا الَّذِي يَنْتَهِي بِهَا إِلَى عِلْمِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ…

فَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ أَعْظَمُ آلَاتِ الْإِدْرَاكِ إِذْ بِهِمَا إِدْرَاكُ أَهَمِّ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهُمَا أَقْوَى الْوَسَائِلِ لِإِدْرَاكِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ.

فَالْمُرَادُ بِالسَّمْعِ: الْإِحْسَاسُ الَّذِي بِهِ إِدْرَاكُ الْأَصْوَاتِ الَّذِي آلَتُهُ الصِّمَاخُ، وَبِالْإِبْصَارِ: الْإِحْسَاسُ الْمُدْرِكُ لِلذَّوَاتِ الَّذِي آلَتُهُ الْحَدَقَةُ.

وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ لِأَنَّهُمَا أَهَمُّ، وَلِأَنَّ بِهِمَا إِدْرَاكَ دَلَائِلِ الاعْتِقَادِ الْحَقِّ.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُمَا الْأَفْئِدَةَ، أَيِ الْعَقْلَ مَقَرَّ الْإِدْرَاكِ كُلِّهِ، فَهُوَ الَّذِي تَنْقُلُ إِلَيْهِ الْحَوَاسُّ مُدْرَكَاتِهَا، وَهِيَ الْعِلْمُ بِالتَّصَوُّرَاتِ الْمُفْرَدَةِ.

وَلِلْعَقْلِ إِدْرَاكٌ آخَرُ وَهُوَ إِدْرَاكُ اقْتِرَانِ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ بِالْآخَرِ، وَهُوَ التَّصْدِيقَاتُ الْمُنْقَسِمَةُ إِلَى الْبَدِيهِيَّاتِ: كَكَوْنِ نَفْيِ الشَّيْءِ وَإِثْبَاتِهِ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَكَكَوْنِ الْكُلِّ أَعْظَمَ مِنَ الْجُزْءِ.

وَإِلَى النَّظَرِيَّاتِ وَتُسَمَّى الْكَسْبِيَّاتُ، وَهِيَ الْعِلْمُ بِانْتِسَابِ أَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ إِلَى الْآخَرِ بَعْدَ حَرَكَةِ الْعَقْلِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوِ التَّفْرِيقِ…”.

هذا ما يُبْرِزُ اعتِنَاء الدِّينِ الإسْلاَمِيِّ بالمعْرِفَة واعتِمَادِه عَلَى المنْهَجِ التَّكَامُلِيِّ لمصَادِر المعْرِفَة خَبَرًا وَعَقْلًا وَحِسًّا ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فَكَانَ بِذَلِكَ مُوَافِقًا لِلخَبَرِ الصَّحِيحِ وَلِلعَقْلِ الصَّريحِ وَلِلعِلْم المطَابِقِ لِلدَّلِيلِ الصَّحِيحِ.


يتبع..

https://almohaweron.com/alkhabar-masdar-maarfi7/

لقراءة المقالات السابقة من  سلسلة الخبر مصدر معرفي:

اضغط هنا

الكاتب: سليم الحفيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى