تعزيز اليقين

إفادة الأخبار للعلم اليقينيِّ

بعد أنْ بيَّنَّا الاعتماد الإنسانيَّ على الخبر بكونه مِنْ بَيْن أهمِّ مصادر المعرفة التي تُدَعِّم وتُنَمِّي المعارف البشريَّة في شتىَّ مجالات الحياة، لا بُدَّ لنا أنْ نبيِّن أنَّ الغاية مِن اعتماد مصادر المعرفة عامَّة والخبر خاصَّة إنَّما هو لغاية الوصول إلى اليقين والعلم بالشَّيْء على ما هو عليه حقيقة وواقعًا، فالخبر -كما أسلفنا- إمَّا أنْ يكون صحيحا يقينًا وإمَّا أنْ يكون كاذبا يقينًا وإمَّا أنْ يكون ظنِّيًّا متردِّدا بين الصِّحَّة والخطأ أو الوهْم، لذلك علينا التَّفريق بين يقينيَّة الخبر -صحيحا كان أم خاطئا- وبين ظنِّيَّته كيْ يتبيَّن لنا الحالات التي لا بُدَّ فيها منَ الأخذ بالخبر والعمل به مِنَ الحالات التي يلزم فيها ترك الخبر وعدم العمل به ويتبيَّن الحالات التي يُتَوَقَّفُ فيها على العمل به حتَّى يتَّضح حاله.

إنَّ المعرفة البشريَّة في شتَّى المجالات كانت مبنيَّة منذ القديم في غالبها على تناقل الأخبار والرِّوايات لسبَبَيْن اثنَيْن: فأمَّا السَّبب الأوَّل، فهو أنَّ الخبر يُمكِّن مِنْ معرفة ما غاب عَن التَّجربة الذَّاتيَّة، وبذلك الاستفادة مِنْ تجارب الآخرين، كإخبار الوالدين ابنَهما حين اقترابه ممَّا يؤذيه كالنَّار أنَّها مُؤذية مُحرقة، ولا نجد مِنْ هذا الطِّفل تَوَقُّفا في تصديق هذا الخبر والعمل به معامِلا له كتجربةٍ ذاتيَّة عاشها مع أنَّ هذا التَّصديق لا يتوقف على تجربته هو بنفسه بلْ يكتفي كلٌّ منَّا بتصديق خبر مَنْ يثق بصدقِه وحرصِه على فائدته…

وأمَّا السَّبب الثَّاني، فهو أنَّ البشر لا يتسَنَّى لهم الوقوف على كلِّ مصدر للمعرفة -فيما دون الخبر كالحسِّ والعقل- بحيث يستخرجون منه العلم الذي يجعلهم مُوقنِين بالحقيقة التي وراءَه، وذلك لطبيعة النَّقص البشريِّ ومحدوديَّة المصادر المعرفيَّة لَدَيْهم، ومثاله المكتشفات العلميَّة والأثريَّة والجغرافيَّة… فإنَّ هذه المكتشفات وغيرها يكفي في معرفتها أنْ يطَّلع عليها واحد أو مجموعة محدودة كيْ تصل إلى البقيَّة مِمَّنْ لمْ يروْها ولم يطَّلعوا عليها بذواتهم…

فنجد أنَّ البشر لا يستنكفون أنْ يأخذوا بكلِّ هذه الأخبار، بلْ هي عندهم تمثِّل أكبر مصدر معرفيٍّ يَدْعَم غيره مِنَ المصادر كيْ يَصِلُوا إلى دائرة أكبر مِنَ العلم والمعرفة.

يُعتَبر الخبر مِنْ أهمِّ الأدوات لمعرفة المجهول عَن الذَّات أو الغائب عنها -سواء كان هذا الغائب جزئيًّا أمْ كلِّيًّا-، ولَمَّا كان كثير مِنَ النَّاس يطعنون في إمكان إيصال الخبر إلى اليقين والعلم دُون الطَّعن في ذات المصدريَّة الخبريَّة، حيث أنَّنا نرى أنَّ مُنكري الخبر ينقسمون إلى قسمين:

القِسم الأوَّل أَنْكَر الخبر كمصدر للمعرفة في ذاته وقَصَرَ هذه المصدريَّة على الحسِّ أو العقل أو الحدْس أو قد يجمع بعضها إلى بعض…

وهذا القِسم قائِله قليل مقارنة بالقِسم الثَّاني، ذلك أنَّ إنكار الخبر في أصله مخالف للفطرة والعقل والعلم والواقع… فكان كالمعدوم، وإنْ كان هناك مَنْ قال ويقول به، فالشَّاذُّ يُحفظ ولا يُقاس عليه، وهذا القول مِنْ أشَذِّ الشُّذُوذ.

وقد تقدَّم الرَّدُّ والجواب على أصحاب هذا الرَّأي.

وأَمَّا القِسم الثَّاني فلمْ يُنكِر الخبر في ذاته وأصل مصدريَّته بلْ أنكر حجِّيَّة بعض أنواعه أوْ أنكره باعتبار ما يَعْرِض له مِنْ مُلابَسات وتَدَاعيات جعلت البعض يُنكِر صِدقيَّته ويستنكر جَعْلَه مُوصِلاً لليقين، فيكتفي أصحاب هذا الرَّأي بجعل الخبر ظنِّيًّا غير مقطوع بصحَّته، ولا ينبغي لنا الأخذ بما ليس بقطعيٍّ…

والبعض الآخر يستنكر جزْءًا مِنَ الأخبار فقط كما أسْلَفْنا في بيان مذهب الفلاسفة ومَنْ تبعهم في الأخذ بالأخبار المتواترة دون الآحاد.

والحقُّ أنَّ الخبر منه يَقينيٌّ ومنه ظَنِّيٌّ، ولكلٍّ منهما مراتب متفاضلة فيما بينها.

لذلك علينا بدايةً بيان أنَّ البَشريَّة اعتمدت الخبر كمصدر يَقينيٍّ في مَعَارِفِها، كما لا بُدَّ منْ بيان أقسام الأخبار ومراتبها في القوَّة والضَّعف وإبراز ما يفيد منها اليقين وما يفيد منها مجرَّد الظَّنِّ مع ما يقترن بهما مِنَ الأَخْذ والتَّرْك...

اعتماد الخبر كمصدر يقينيٍّ للمعرفة البشريَّة:

سبق لنا الحديث عَن الأدلَّة التي تَدْعَم مصدريَّة الخبر في عمومه مع ما تعرَّضْنا له مِنْ بيانٍ في بعض الجوانب حول إفادته لليقين، لذلك سيكون الكلام هنا مُوجَزًا لئَلاَّ يقع تكرار ما سلف دون فائدة، فنوجز الأدلَّة فيما يلي:

  • الدَّليل الوضعيُّ اللُّغويُّ:

إنَّ العَارِفَ بلُغَات النَّاس على اختلافها وتنوُّعها يلاحظ أنَّ هذه اللُّغات تجتمع وتتَّفق في بعض المصطلحات والإطلاقات اللُّغويَّة التي لَمْ تشذَّ عنها لغة واحدة، وذلك لتعلُّقها بالواقع البشريِّ الذي يشترك في معظم حيْثيَّاته غالبيَّةُ البَشَر، فكَمَا أنَّنَا نجد أنَّ الخبر مصطلح منصوص عليه في جميع اللُّغات التي أَوْرد بعضَها التَّهانويُّ (بعد١١٥٨هـ)  في كشَّافه حيث يقول:

“الخبر:

[في الانكليزية] Information،news ، predicate.

[في الفرنسية][1] Information،nouvelle ،attribut ، predicat فإنَّنا كذلك نجد أنَّ الخبر ينقسم إلى صِدْق وكَذِب أوْ إلى خبر صادق وخبر كاذب، ولوْ لَمْ يكن هناك وجود للخبر الصَّادق -أي اليقينيّ- لَمَا تَمَّ التَّنصيص عليه في جميع اللُّغات.

وقد أشار الكَفَويُّ (١٠٩٤هـ)  إلى أنَّ الخبر يأتي أصالةً لمعنى العلم: “الخَبَر: لُغَة بِمَعْنى العِلم، والخبير فِي أَسمَاء الله تَعَالَى بِمَعْنى الْعَلِيم، وَلِهَذَا سُمِّي الامتحان الموصل بِهِ إِلَى العلم اختبارا بِمُقْتَضى مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ أَنْ يَقع على الصِّدْق خَاصَّة ليحصل بِهِ مَعْنَاهُ وَهُوَ العلم”[2]، فكَوْن معناه العلم أيْ أنَّه هو ما أفاد اليقينَ، وكذَا إنْ قسَّمْناه باعتبار الصِّدْق والكذب فالصَّادِق هو ما أفَادَ اليقين.

  • الدَّليل الاجتماعيُّ:

إنَّ الإنسان منذ ظهور التَّجمُّعات البشريَّة اعتمد الخبر إضافةً إلى الحسِّ والتَّجربة والعقل كمصدر مِنْ أوْسَع المصادر المعرفيَّة لتدعيم معارفه، وهذا الإقرار باعتماد مصدريَّته يجعل المجتمعات على اختلاف تَوَجُّهاتها وأفكارها وأزمانها وأماكنها مُقِرَّة أنَّ الخبر يُفيد اليقين، ذلك أنَّ الواحد منَّا يأخذ ويعمل بالدَّليل الذي يرى أنَّه صحيح يَقِينيٌّ لا بمجرَّد الوَهْم، فالعمل بمقتضَيَات الخبر إنَّما يدلُّ بلا شكٍّ على اعتبار الأصل الخبريِّ يقينيًّا، وهذا ما نلمسه في كثير منَ مجالات حياتنا الاجتماعيَّة المعاصرة أيضًا حيث نجد أنَّ الخبر الذي يتمُّ تداوله في وسائل الإعلام أو في وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ يتعامل معها المتلقُّون لها باليقين ويعملون بمقتضاها، مِنْ ذلك أنَّه لوْ تَمَّ تَدَاوُل مَوْت شَخْصيَّة مشهورة أوْ نُشوب حَرْب بيْنَ دَوْلَتَيْن أوْ وجود تغيُّرات في الطَّقْس… لَكَانَ كُلُّ النَّاس عَامِلِين بهذا الخبر متَيَقِّنِين منه.

كذلك نرى أنَّ النَّاس يتعاملون بهذا في حياتهم اليوميَّة، فلَوْ أخبر أحدُهم زميله في العمل أنَّ المدير أخبره بشَيْء ما لما توقَّف المتلقِّي عَنْ تصديق الخبر واعتباره يقينيًّا، بلْ إنَّنا لنَلْمَسُ ذلك فيما هو أظهر وأوْضح كما هو الحال في القاضي أو الحاكم إذا أخبره الشَّاهد بخبر، حيث نجده يبني حكمه ببراءة المتَّهم أوْ إدانته بناءً على ذلك، ومعلومٌ ما في دماء النَّاس وعقوبتهم أو تبرئتهم مِنَ الأهمِّيَّة البالغة التي لا يُكْتَفَى فيها بمجرَّد الظَّنِّ…

وعليه، فإنَّنا لَوْ قلنا بإفادة الخبر للظَّنِّ مُطلقًا لَلَزِم مِنْ ذلك عَدَم الحُكم في أيِّ قضيَّة لعدم وجود خبر يقينيٍّ يبني عليه الحاكم حُكمه… والواقع خِلاَف ذلك.

فدَلَّ كلُّ ما سبق أنَّ البشر جميعًا -حتَّى المنكرون منهم لإفادة الخبر لليقين- يعتمدون الخبر كمصدر يقينيٍّ للحُكم والعمل الحياتيِّ في شتَّى المجالات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة… وإنَّما كان إنكار هؤلاء المنكرين مِنْ باب التَّنظير المجرَّد فقط لا مِنْ باب التَّعامل التَّطبيقيِّ العمليِّ.

  • الدَّليل العِلميُّ:

تاريخيًّا: تتنوَّع الدَّلاَلات العلميَّة المثبِتَة ليقينيَّة الخبر حيث نجد أنَّ علم التَّاريخ كأحد العلوم الإنسانيَّة يؤخذ في غالبه كيقينيَّات، بَلْ إنَّ بعضَ المشكِّكين في ذلك لا يرقى قوله عنْ كوْنه مجرَّد زَعْم عَارٍ عَن الحقيقةِ ومخالفٍ للواقع، حيثُ أنَّ الأمثلة على ذلك كثيرةٌ جدًّا يستحيل حصرها لكنْ فَلْنَذْكُر ما تطمئِنُّ به النَّفْس خاصَّة في ظِلِّ الموْجَات التَّشكِيكيَّة في بعضِ ما صحَّ يقينًا حتَّى ما كان متواترا منَ الأمور الثَّابتة تاريخيًّا.

فقد رَأَيْنَا مَنْ يزعُم أنَّ وُجُود النَّبيِّ محمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- مجرَّد أسطورة أوْ كِذْبَة كان منشؤُها منْ سُلْطة الدَّوْلة الأُمَويَّة، أوْ زعْم الآخر أنَّ وجود المسيح -عليه السَّلام- مجرَّد وَهْمٍ لا صحَّة لهذه الدَّعْوَى تاريخيًّا…

الغَريب مِنْ أصْحاب هذه الدَّعاوَى أنَّهم لا يستندون على مراجع تَاريخيَّة وإنَّما يشكِّكون لمجرَّد التَّشكيك فقط وإلاَّ فكيْفَ علِموا أنَّ الدَّوْلة الأُمويَّة هي مصدر الوجود المحمَّديِّ حيث أنكروا خَبَرا بافتراض خبرٍ آخرَ مع أنَّهم في أصلِهم يشكِّكون في جميع الأخبار دون تمييز، فلماذا يشكِّكون في خبر غيرهم ولا يشكِّكون في خبرِهِم هُم؟

وللجَوَاب عنْ ذلك لاَ بُدَّ من استحضار معنى الخبر منَ النَّاحية اللُّغويَّة، فنقول لصاحب هذا الزَّعْم: قولُك هذا أو ادعاؤك هل هو خَبَر أمْ لاَ؟ ولاَ مناص له مِنْ أنْ يقول أنَّه خَبَر.

ومعلومٌ أنَّ الخبر قابل للتَّصْديق والتَّكذيب، فكَمَا أنَّ الخبر الذي أنْكره طَعَن فيه مِنْ جهة صِدقيَّته فكذلك خَبَرُه مَطْعون فيه مِنْ ذات الجهة، حيثُ أنَّ كُلَّ خبر يُوضع في اختبار الصِّدق والكَذب وليس خبَره بنفي وجود النَّبيِّين بأَوْلى مِنْ خبر إثبَات وجودهم، فينتج عنه أنَّ خبره ليسَ أَوْلَى بالتَّصديق مِنْ خبر وجود النبِيِّين تاريخيًّا.

مِنْ ناحية أخرى، نجد أنَّ هذا الخبر المنكِر لوجود النَّبيِّين لاَ يَرْقى إلى أنْ يَكون معروفا أوْ شائعًا أوْ مشهورًا بَيْن النَّاس، بَلْ هو خبر متفرِّق بيْنَ مَنْ شذَّ عَن المعروف عندهم حتَّى أنَّ الغالبيَّة العُظْمَى -بِغَضِّ النَّظر عَمَّنْ يعترف بكوْنهما نبيَّيْن أمْ لا- يُقِرُّون إقرارًا جازمًا لا يخْتلجه شَكٌّ حَول وُجود هَتَيْن الشَّخْصِيَّتَيْن التَّاريخيَّتَيْن بمعزل عنْ صِحَّة نُبُوَّتهما -فالمستشْرقُون مثلا يُقِرُّون بوجود شخصيَّة النَّبيِّ محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام مع أنَّ أكثرهم لا يقرُّ بنبوَّته-.

ومعلومٌ أنَّ الشَّاذَّ لاَ عِبْرَة به مِنَ النَّاحية الإخباريَّة حيث عَارَض مَنْ هو أَوْلَى منْه صِدقًا أوْ كَثْرَةً.

والخبر بوجودهما -عليهما السَّلام- بلغ مبلغ التَّواتر، وقد سَبَقَ معنَا تعريف المتواتر أنَّه ما تُحيل العادة تواطأ ناقليه على الكَذِب، فإن اعتَبَرْنا خبر المنكرين آحادًا فإنَّه لا يَصمُد في مُوَاجهة المتواتر.

وأيضا فإنَّ مُنْتَهَى زَعْم هؤلاء إنَّما هو مُجرَّد التَّشكيك في الوجود لا اليقين بالعدم، فإنَّ ما اشتهر وجوده لا ينبغي ولا يصحُّ نفيُه إلاَّ بدليل، ولا دليل.

ومِنْ ناحية ثالثة، فإنَّنا نجد أنَّ الأدلَّة حوْل وجود هذين النبيَّين الكريميْن مُثبَتَة في المصادر التَّاريخيَّة، وقد أطْبَقَ المؤرِّخون على اعتبارهما شخصِيَّتين تاريخيَّتين مَوْجودتَيْن لَهُمَا أثرهما البارز في الحياة خاصَّة مع امتداد هذا التَّأثير إلى عصرنا رغم تطاول القُرُون. وبذلك فإنَّنا نجد ممَّا يَدْعَم أيضًا هذا الدَّليل التَّاريخيَّ هو الدَّليل العقليُّ الخاصُّ بدلالة الأثر على المؤثِّر حيث أنَّ تأثير هتين الشَّخصيَّتين يُعَدُّ مِنْ أَبْيَن ما يكون مقارَنَةً بغيرهما مِنَ الشَّخْصِيَّات المؤثِّرة تَاريخيًّا، وكلُّ مؤثِّر وجوده مُتَيَقَّنٌ.

يُضاف إليه ما وُجد مِنْ أدلَّة الآثار التي تُثْبِت وجود حضارةٍ تُنسَب لهذين النَّبيَّيْن -عليهما الصَّلاة والسَّلام-.

ومِنْ ناحية رابعة، نجد أنَّ زَعْم الطَّاعنين في وجود بعضِ التَّأْريخات إنَّما نَبَع مِنْ هَوى أوْ مِنْ تَخَرُّص مَحْضٍ، لذلك نراهم مِنْ جهة أخرى لا ينكرون الكَثِير مِنَ التَّأريخات كَوُقُوع الحَرْب العالميَّة الأُولى والثَّانية بَلْ وتصديق كثير مِنَ الملابسات الدَّقيقة التي خالطت هتين الواقعتَيْن وغيرهما… بَلْ أشدُّ مِنْ ذلك فإنَّنَا نجدهم يُقِرُّون بوجود فلاسفة الإغريق كـ”سُقراط” و”أرسطو” و”أفلاطون”… ولَوْ أنْكَرَ أحدُهم هذه الشَّخصيَّات السَّابقة لِمَا قَبْلَ الميلاد لاعْتبرْناه جَاهِلاً أوْ مُكابِرًا.

وكذا نقول في إنكار ما عُلِم عند عامَّة النَّاس فصارتْ معرفتُه مِنْ بابِ الضَّرُورة المعرفيَّة التي لا يتوقَّف الجَزْم بصحَّتها على نظر أو استدلال.

وكذلك ذات الشَّيء فيما يخصُّ عِلْمَ الأنساب فهو يُثبت صحَّة النَّسب لِكُلِّ شخص، والنَّاس جميعًا يعتمدونه كمصدر يقينيٍّ لإثبات العلم بالنَّسب ويعتبرونه كافيًا فيه رغم أنَّه مجرَّد خَبَر.

تجريبيًّا: تعتمد العُلوم التَّجريبيَّة على الملاحظة والاستقراء والاستنتاج… يقوم بها البعض ثمَّ تتكفَّل وكالات عِلميَّة ومواقع بنَشر هذه الاستنتاجات والمكتَشَفَات إلى بقيَّة النَّاس في مختلف أقطار العالم، لذلك نجد كثيرا مِنَ المتأثِّرين بالخطاب العلمويِّ وحصر المعرفة في التَّجربة والحِسِّ مع إنكاره للخبر أو طعنه فيه -سواء الآحاد أم المتواتر- كما يفعله كثير مِنَ الملاحدة ومَنْ نَهَج نهجهم فأنكروا النُّبُوَّات وجميع الأخبار… بينما نجدهم في عامَّة استدلاَلاَتهم يستدلُّون بالخبر الذي منتهاه التَّجربة والحسُّ، وليس بذات التَّجربة والحسِّ. فكثيرا ما يقْبلون ورقة علميَّة أو قول أحد العلماء والمكتَشِفِين في وكالة “ناسا” خاصَّة لشُهرتها، ويتعاملون مع هذه المكتَشَفَات بنظرةٍ يقينيَّة لا يُزَعْزِعُها تشكيك أوْ تَهوِين حتَّى وإنْ كان هذا المكتَشَف العلميُّ أو الاستنتاج مُجرَّد نظريَّة أوْ فَرَضِيَّة لاَ ترْقَى إلى أنْ تكونَ حُجَّةً علميَّة على الذَّات فكيف تكون حجَّة على الغَيْرِ؟

ثم نجدهم لا يتعاملون هذه المعاملة اليقينيَّة مع بقية الأخبار التي ينقلها لهم غيرهم، بَلْ حتَّى أصدق الأخبار لاَ تَسْلَم مِنْ مُعارَضَتهم مَعَ إغفالهم لاسْتِدلالهم بالخبر الذي منتهاه التَّجربة كالمكتشفات العلميَّة، فنحن نقول أنَّ الخبر في غالبه منتهَاهُ الحسُّ أو العَقْل.

لذلك كان لاَزما عليهم الأخذ بجميع الأخبار دون تخيُّرِ بعضها عَن الآخر -فيما إنْ وافقت شروط الصِّحَّة واليقينيَّة-، أيْ أنَّه كمَا يُمكن الوثوق بخبر “ناسا” على سبيل المثال واعتباره خبرًا علميًّا يقينيًّا فلا بُدَّ مِنِ اعتبار غيرها مِنَ الأخبار اليقينيَّة أيضًا.


يتبع..

https://almohaweron.com/alkhabar-masdar-maarfi8/

 

ولقراءة المقالات السابقة من  سلسلة الخبر مصدر معرفي: 

اضغط هنا


[1] محمد بن علي ابن القاضي محمد حامد بن محمّد صابر الفاروقي الحنفي التهانوي (المتوفى: بعد ١١٥٨هـ) كتاب: “موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم” -ج١ص٧٣٥- تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم تحقيق: د. علي دحروج نقل النص الفارسي إلى العربية: د. عبد الله الخالدي الترجمة الأجنبية: د. جورج زيناني الناشر: مكتبة لبنان ناشرون – بيروت الطبعة: الأولى – ١٩٩٦م. عدد الأجزاء: ٢.
[2] أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي (أبو البقاء الحنفي) (المتوفى: 1094هـ) كتاب: “الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية” -ص٤١٤- المحقق: عدنان درويش – محمد المصري الناشر: مؤسسة الرسالة – بيروت سنة النشر: عدد الأجزاء: ١.

0

الكاتب: سليم الحفيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى