تعزيز اليقين

أقسام الخبر باعتبار إفادته لليقين والظَّنِّ:

ينقسم الخبر -كما ينقسم غيره مِنْ مصادر المعرفة- إلى ما يفيد قَطْعًا ويقينًا وإلى ما لاَ يفيده، وكلٌّ مِنْ هذين القسمين ينطوي تحته مراتبُ حَسب قوَّة إفادة الخبر لليقين وضَعفه:

  • الخبر المفيد لليقين ومراتبُه:

سبَق لَنَا الكلام عَن الخبر وأقسامه، ولكنْ عليْنا أنْ نُميِّز بَيْن ما أفاد اليَقين وبَيْن مالَمْ يُفد إلاَّ الظَّنَّ، وقبل ذلك لا بُدَّ مِنْ بيان معنى اليقين.

اليقين هو “الِاعْتِقَاد الجَازِم الثَّابِت المطابِق للْوَاقِع، وَقيل: عبارَة عَن العِلم المستقِرِّ فِي القلب لثُبُوته مِنْ سَبَب مُتَعَيّن لَهُ بِحَيْثُ لَا يَقبَل الانهدام.

مِنْ (يقن الماء فِي الحَوْض) إِذا اسْتَقَرَّ ودَامَ”[1].

أمَّا مراتبه فهي ثلاثة[2]:

  1. أَوَّلُها: عِلْم اليقين، وهو ما يحصل عَن الفكر والنَّظر والاستدلال، وهو أدناها مرتبة.
  2. ثَانِيها: عَيْن اليقين، وهو ما يحصل مِنْ عِيَان العَيْن والبصر والمشاهدة.
  3. ثَالِثُها: حَقُّ اليقين، وهو اجتماعُهُما أَوْ هو ما حصل بالعيان مع المباشَرَة، وهو أقواها.

فَالأَوَّل مثل خبر المخبِر بوجود مدينة معيَّنة تَوَاتَر الخبر بوجودها، والثَّاني مثل الوقوف عليها ومشاهدتها دون مُباشرتها كمشاهدة هذه المدينة مِنْ بعيد على متْن طائرةٍ مثلا، والثَّالث مثل مشاهدتها بالعَيْن ومُباشرتها أيْ النُّزُولُ بها أو العَيْش فيها.

أمَّا مِنَ النَّاحِية الدِّينيَّة فنَضْرب لذلك مثالا أنكره عامَّة اللاَّدينيِّين وهو وجود الجَنَّة والنَّار فإنَّ النَّظر والاستدلال يقطع ويجزِم بوجودهما حيثُ أنَّ مَبْدأ التَّكريم والثَّواب على الفِعل الحَسَن والمعاتبة والعقاب على الفعل السَّيِّءِ مِمَّا فُطِرَت النَّفْس عليه ومِمَّا أقَرَّه النَّظَر العقليُّ والواقع الإنسانيُّ.

فأمَّا مِنَ النَّاحية الفِطْريَّة فإنَّنَا نَجِد أنَّ النَّفْس تَتُوق إلى أَخْذ الجَائزة عَن العمل الجيِّد فَكُلُّ إنسان يطلُب المثوبة -مَادِّيَّة كانتْ أمْ معنويَّة- على ذلك، ويخاف إنْ فَعَل فِعْلا مُشِينا مِنْ توابعه ومآلاته.

ومنه أيْضًا أنَّنا نجد ذلك في غريزة الحيوانات كالقِطَّ مثلا إذا سَرَق شَيْئًا سارع إلى الهرب والاختباء مبتعدا عمَّا ينتظره مِنَ العُقوبة، بينما على عكس ذلك نجد أنَّه إذا أعطَيْنَاه شيْئا وأَحَسَّ أنَّه بِرِضَا نَفْسٍ مِنَّا فإنَّه سَيَأْكُله أمامنا دون انتظار لعقوبة.

كما أنَّنَا نرى أنَّ أنْفُسَنا جُبِلَت على مَدْحِ المحسِن وذمِّ المسيء، ومعلوم أنَّ المدح مِنْ جِنس الجزاء وأنَّ الذَّمَّ مِنْ جِنس العقاب.

وأمَّا مِنَ النَّاحية العقليَّة فإِنَّنَا نرى في نماذج حياتيَّة كثيرة مُقترنة بطلب الأجر ودفع الوِزْر، فالنَّاسَ ما خَرَجُوا لِأَعمالهم إلاَّ طَلَبًا للأُجْرَة، بَلْ نجد أنَّ عامَّة المؤسَّسات المجتمعيَّة تعتمد على القَانُون الرَّدْعِيِّ: مَنْ طبَّق القَانُون استحقَّ الشُّكر مِثل ما وضعه بعض المؤسَّسات مِنْ جائزة العَامِل المثاليِّ للتَّحفيز على إتقان العمل والإبداع فيه، ومَنْ خالف القانون استحقَّ الذَّمَّ والعقاب ويَصِلُ في كثير مِنَ المؤسَّسات والشَّركات إلى العَرْض على مجلس التَّأديب وربَّما إلى الطَّرْد… وما يحصل في المؤسَّسات التَّعليميَّة خير دليل على ذلك…

فالعقل يتَصوَّر أنْ يكون وراء كُلِّ فِعْل أوْ عَمَل ثوابٌ أوْ عقاب، ولا يُجيزُ خلوَّه عنهما وتجرُّده عَنْ غاية.

أمَّا عَيْن اليقين فهو العَرْضُ عَلَى الجنَّة أو النَّار ورؤْيتُهما دون الوُلُوج فيهما وذَلِك يكون في فترة الحساب وعرْض الأعمال أوْ قَبْل ذلك في القَبْر، وقد ورَد في القُرآن: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)}[التكاثر: ٥/٦/٧/٨].

أمَّا حَقُّ اليَقِين فهو الرُّؤْية معَ الملابَسَة والمباشرة حِينَ يَدْخُل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأهلُ النَّارِ النَّارَ فتكون حِينَها الرُّؤْيَة العَيْنِيَّة مختلِطَةً بالمباشرة والدُّخُول فيها.

وقد قُسِّمَت اليقينيَّات إلى قِسْمَيْن فـ”القضايا التي يَحصل منها التَّصديق اليقينيُّ … إمّا ضَرُوريَّة أوْ نظريَّة، والضَّرُوريَّة سِتَّةٌ على المشْهُور: الأَوَّليَّات والفِطْرِيَّات والمشاهَدات والحَدْسيَّات والمجرَّبات والمتواترات”[3]، هذا على الإجمال.

أما على التَّفْصِيل فهي كالآتي:

 

  1. “أَوَّلُهَا: الأَوَّليَّات وَتُسَمَّى البديهيَّات، وَهِي مَا يَجْزم بِهِ العقل بِمُجَرَّد تصوُّر طَرفَيْهِ، نَحْو: الكُلُّ أعْظَمُ مِنَ الْجُزْء.
  2. ثَانِيهَا: المشاهَدَات البَاطِنِيَّة، وَهِي مَا لَا يفْتَقر إِلَى عَقْلٍ كَجُوع الإِنْسَان وعطشه وألمه فَإِن الْبَهَائِم تُدْرِكهُ.
  3. ثَالِثُهَا: التَّجْرِبيَّات، وَهِي مَا يحصل مِنَ الْعَادة كَقَوْلِنَا: (الرُّمَّان بِحَبْس الْقَيْء)، وَقد يَعُمُّ كعلم الْعَامَّة بِالْخمرِ أَنَّه مُسكِر، وَقد يَخُصُّ كعلم الطَّبِيب بإسهال المسهلات.
  4. رَابِعُهَا: المتَوَاتِرَات، وَهِي مَا يحصُل بِنَفْس الْأَخْبَار تواتراً،  كَالْعلمِ بِوُجُود مَكَّة لِمَنْ لمْ يَرَهَا.
  5. خَامِسُهَا: الحَدْسِيَّات، وَهِي مَا يجْزم بِهِ العقل لترتيب دون تَرْتِيب التجربيَّات مَعَ الْقَرَائِن، كَقَوْلِنَا: نُورُ الْقَمَر مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّمْس.
  6. سَادِسُهَا: المحسُوسَات، وَهِي مَا يحصُل بالحِسِّ الظَّاهِر أَعنِي بِالْمُشَاهَدَةِ، كالنَّار حارَّة وَالشَّمْس مُضيئة”[4].

وعليه، فَلَوْ كان الخبر متواترًا أوْ كان مُستنِدا إلى عِلْم ضَرُوريٍّ فإنَّ الخبر يكونُ يَقينيًّا.

وهنا يجتمع عندنا خمسة أنواع مِنَ الأخبار المفيدة لليقين:

  1. الأَوَّل: الخبر المتواتر الذي مُستنَدُه قضِيَّة يقينيَّة، وهو أقواها.
  2. الثَّاني: الخبر المتواتر الذي مُستنده قضيَّة نظريَّة.
  3. الثَّالث: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نقلته معروفون بالصِّدق.
  4. الرَّابع: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نقلته غير معروفين لا بصدق ولا كذب.
  5. الخَامِس: الخبر غَير المتواتر الذي مستنده قضيَّة يقينيَّة، وناقله أوْ نَقَلَته معروفون بالكذب، وهذا أضعفها.

وأمَّا النَّظريَّة فغالبًا ما تَتَوقَّف على العَلاَقة التَّلازميَّة بَيْن صِدْق المخبر وبَيْن يقينيَّة خبره لأنَّ هذا القسم لا يدخل فيه الخبر المتواتر بَلْ في ما دون المتواتر فقط، وقد سبق بيان المتواتر الذي مستنده القضايا النَّظريَّة، فرأيت أنَّ هذا النَّوع ينحصر في الخبر الذي يرويه العَدْل الضَّابط، وقد يتأتَّى اليَقِين مِنْ غيره لكنَّه ليسَ بقويٍّ ولا مشهور إلاَّ إنْ تَمَّ التَّأكُّد مِنْ يقينيَّة الخبر بمعزل عَن المخبر كما لَوْ أخبرَنَا راوٍ كاذب عَنْ مسألة تحقَّقنا بالنَّظر مِنْ يقينيَّتها فيكون الخبر يقينيًّا بمعزَلٍ عَن المخبِر بِهِ.

الخبر المفيد للظَّنِّ ومراتبُه:

يأتي الظَّنُّ على عدَّة معانٍ مُرَتَّبَةٍ مِنَ الأدنَى إلى الأعْلى: الوَهْم والشَّكُّ والرَّاجِح فيما دون اليقين واليقين.

وقد يعبِّر البعض عَن ذلك تقريبيًّا بالنِّسَبِ المائوية كالتَّالي:

الوَهْمُ: نسبتُه ٢٥% أوْ ما قاربها أوْ أدنى منها.

والشَّكُّ: نسبتُه ٥٠% أوْ ما قاربها.

والرَّاجح: نسبتُه ٧٥% أوْ ما قاربها أوْ ما هو أعلى منها لما دون اليقين.

واليقين: نسبتُه ١٠٠% أوْ ما قاربها، إذْ ما قارب الشَّيْء أخذ حُكْمَه.

فأَمَّا اليَقِين فقد سَبَق بيانه والحديث حَوْلَه.

وأمَّا الرَّاجِح أوْ ما يُسمَّى بالظَّنِّ الرَّاجِح وهو ما اعْتَمَدَه الأصُوليُّون حيث قَالُوا: “الظَّنُّ: الطَّرَف الرَّاجِح مِنَ التَّرَدُّد بَين أَمْرَيْن”[5]، فهو بذلك ترجيح أحد أمرَيْن والأخذ به، كَمَا لَو استفسرنا مِنْ أحَدِ الأشخاص في مُفْتَرَق طُرُق عَنْ أصحِّ الطَّريقَيْن فأخبرنا بأحدهما لَوَجَدْنا أنفسنا مُضْطَرِّين للعمل بمقتضى هذا الخبر مَعَ أنَّه ظنِّيٌّ، ويتقوَّى ذلك بكثرة المخبِرِين.

وهذا قد يدخل فيه نوعان مِنَ الأخبار:

  1. الأَوَّل: خبر الواحد الثِّقة الذي لمْ يَحْتَفَّ بالقرائن، فإن احْتَفَّ بالقرائن فقد سَبَقَ ذِكْرُه في أدنى درجات اليقين.
  2. والثَّاني: نرى أنَّه قد يدخل فيه أيضا خَبَر مجهولِ الحال إذا احتفَّت به القَرَائِن، كأَنْ يُخبِرَنا مجهول الحال خبرا مرجعه إلى النَّظر فوجدنا أنَّ النَّظر والاستدلال يقوِّيه، وإنْ كانَ أضعف مِنْ سابقه.

وأمَّا الشَّكُّ فهو “مَا اسْتَوَى طرفاه”[6] بحيث لا يُمكن ترجيح أَحَد الطَّرفَيْن على الآخر، كما لَوْ سَأَلْنَا عَن الطَّريق الصَّحيح أوْ عَنْ حُكْم شَيْء ما شَخْصَيْن مُستَوِيَي العِلْم فأَخْبَرَانا بخبرين مُختَلِفَيْن مُتَنَاقضَيْن لَوَجدْنا في أنفسنا تَسَاوِيًا بَيْن الأَخْذ بخبَر الأَوَّل والثَّانِي.

وهذا يَدْخَلُ فيه نَوْعٌ وَاحِدٌ وهو خَبَرُ مجهول الحال إذَا لَمْ تَحْتَفَّ به القَرَائِن فإنَّنا نَتَوَقَّف فيه حتَّى يَتَرَجَّح أحد طَرَفَيْه قُوَّة أوْ ضَعْفا.

وقد يدخل فيه أيضًا خبر المتَّهَم بالكذب إنْ كَانَ مستنَده إلى قضيَّة متَعلِّقة بالنَّظر والاستدلال، وتقوَّى خبره بموافقة النَّظر.

وأَمَّا الوَهْمُ فهو “الطَّرَفُ الْمَرْجُوح” [7] ، فيكون المرْجُوحُ هو ما نُقِل إلينَا، فَعَلَيْنا حينئذ تركه وعَدَمُ الأخذ به.

يدخل فيه خبر العَدْل الضَّابط المتعلِّق بالنَّظَر لكنَّ الاستدلال والنَّظر على خلافه أوْ يضعِّفه، فيكون وَهْمًا مِنَ المخبِر.

وأيضًا خبر مجهولِ الحالِ إنْ كَانَ مُخالِفًا للنَّظر والاسْتِدْلال.

وكذا خبر المتَّهَم بالكَذِب إنْ كان خبره متعلِّقا بالنَّظر معَ ضَعْف أدلَّته النَّظريَّة.

ولا بدَّ مِنَ التَّنبيه إلى أنَّ تنازع مُخبِرَيْن أوْ أَكْثر أحدُهما ثقة والآخرُ دون ذلك يدخل تحت هذا النَّوع بحيث يكون خبرُ الثَّاني وَهْمًا إنْ خالف مَنْ هو أَوْثق مِنْه عدالةً وضبطًا أوْ كثرةً.

وأَمَّا مَا يُمكِن إضافتُه على هذه الأنْواع السَّابقة فهو الخَبَر الذي يُقْطع بِخَطَئه فيكون يقينًا عكسيًّا أيْ أنَّنا نَتَيَقَّن بعَدَم صحَّته.

وهذا يدخل فيه ما كان مُخالِفًا للعِلْم الضَّرُوري سواء كان المخبِر عَدْلاً ضَابطًا أوْ مجهولَ حالٍ أوْ مُتَّهَما بالكذب -وهُو أضعفها-، أوْ كان أيضًا مُخالفا للعِلْم النَّظريِّ الذي تيقَّنَّا صحَّة دلالته، ومِثاله الإخبَار بتَعَدُّد الآلهة أو الإخبار بأزليَّة الكَوْن…

هذا مُلَخَّص القَوْلِ في مسألة يقينيَّة الخبر وإمكانيَّة إفادته للعلم، وقد تركت كثيرا مِنَ الفُرُوع لِئَلاَّ يطول الكلام، وتركت التَّفصيل إلاَّ ما دعت الحاجة إليه مِنْ بعض المتَعلِّقات والشُّبهات التي يطعن مِنْ خِلاَلِها المنكِرُون في الخبر ويَبْنُون عليها تَبِعَات انجرَّ عنْها إنكارهم للنُّبوَّات وتشكيكهم فيها مِمَّا نرى أنَّه لا يرتقي إلى أنْ يكون شكًّا بَلْ هو مجرَّد وهْمٍ جزَمَ العقل والخبر المتواتر والتَّجربة ببُطلانه وشُذُوذِه.

لقراءة المقالات السابقة من  سلسلة الخبر مصدر معرفي: 

اضغط هنا


[1] الكفوي في “الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية” -ص٩٧٩/٩٨٠-.

[2] التهانوي في “موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم” –ج٢ص١٨١٤-.

[3] التهانوي في “موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم” –ج٢ص١٨١٣-.

[4] الكفوي في “الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية” -ص٩٨٠/٩٨١-.

[5] زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: ٩٢٦هـ) كتاب: “الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة” -ص٦٧- المحقق: د. مازن المبارك الناشر: دار الفكر المعاصر – بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١١ عدد الأجزاء: ١.

[6] زكريا الأنصاري في “الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة” –

[7] زكريا الأنصاري في “الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة” -ص٦٨-

الكاتب: سليم الحفيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى