الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى..

وبعد.

نجدُ في هذه الأيامِ بعضَ المسلمينَ -وخاصةً من الشباب- يتسألونَ: لماذا نحنُ مسلمون؟

هل نحن مسلمونَ لأننا ولدنا كذلك؟

هل لو كنّا وُلدنا في بلدٍ أخر كانَ سيؤثّر ذلك على الدين الذي نعتنقُه؟

أم كنّا سنجدُ من الأدلة ما يوصلنَا للإسلامِ؟

لابدَّ أن نذكُر في البدايةِ أن هذا تساؤلٌ مشروعٌ؛ فنجدُ أن القرآنَ يذمُّ أن يبنيَ الإنسانُ عقيدتَه على مجردِ تقليدِ الأباءِ والأجدادِ؛ كحالِ أولئك الذين قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} (الزخرف: ٢٣)، فهؤلاءِ وأضرابُهم حَجَبُوا عقولَهم عن النظرِ في الحقِّ ودلائلِ صدقِه، وصمُّوا آذانَهم عن سماعهِ، واكتَفوا بالقُعودِ حيث تاهتْ عقولُ آبائِهم الأولين، فأنكرَ القرآنُ عليهم هذا الجمودَ، وقبَّحَهٌ، ودعاهُم لإعمالِ عقولِهم والإفادةِ منها، فقالَ: {قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (يونس: ١٦).

فنجدُ في الإسلامِ -لأنَّهُ دينُ الحقِّ- الحضَّ على البحثِ ودراسةِ أدلةِ النبوةِ لأنها تزيد المؤمنَ إيماناً، وقد تكون سبباً لإسلامِ من يردِ الله به خيراً، وقدْ دعانا القرآنُ الكريم للتأملِ في دلائلِ نبوةِ النبي صلى الله عليه وسلم في غيرِ آيةٍ: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} (سبأ: ٤٦).

ولكنْ ماذا بعدَ طرحِ تلك التساؤلاتِ، هل سيركنُ الإنسانُ إلى الكسل والقلق المعرفي ولن يبحثَ جديّاً عن الإجابة؟ فيكونُ قد اكتفى بأن جلبَ لنفسه قلقاً، وشكّاً في العقيدةِ؟ أم أنَّه سيبذُل قصارى وُسعهِ في البحث عن أدلةِ الدينِ الحقِّ؟

إنّ الإسلامَ هو الدينُ الحقُّ لأنَّ الذي جاء به هو نبيٌّ مرسلٌ من ربّ العالمين، وقد أيّده ربُّه بالعديد من الأمورِ التي تدل على أنه مرسلٌ منه لهدايةِ الناس، فمنْ تَدبرَ تلك الأدلةَ على نبوةِ محمدﷺ علم أن دينَه –أي الإسلام– هو الدينُ الحقُّ الذي ارتضاهُ خالقُ الكونِ للعالمين.

فالمسلمُ حين يؤمنُ بنبوةِ النبيإنما يؤمنُ بعقيدةٍ راسخةٍ رسوخَ الجبالِ الرواسي، ورسوُّها مصدرهُ أنها عقيدةٌ قامت على العلمِ والدليلِ والبرهانِ، وعند تدبر أدلةِ النبوة؛ نجدُ أنها ترجعُ إلى أمرين:

  • الأولُ: شخصيةُ النبيِّ 

    .
  • الثاني: ماجاء به النبيُّ
    .

ويجمعُهما قول الله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}. [المؤمنون/٦٨ – ٧٠].

قال ابنُ القيِّم رحمه الله[١]:

“وقالَ في إثباتِ نبوةِ رسولِه باعتبارِ التأملِ لأحوالِه وتأملِ دعوتِه وما جاءَ به: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ….}الآيات، فدعاهم سبحانَهُ إلى تدبرِ القولِ، وتأمّلِ حالِ القائلِ، فإنَّ كونَ القولِ للشيءِ كذباً وزوراً يُعلم من نفس القولِ تارةً، وتناقضِه واضطرابِه، وظهورِ شواهدِ الكذبِ عليه، فالكذبُ بادٍ على صفحاتِه، وبادٍ على ظاهرهِ وباطنِه، ويعرفُ من حالِ القائلِ تارةً، فإن المعروفَ بالكذبِ والفجورِ والمكرِ والخداعِ لا تكونُ أقوالُه إلا مناسبةً لأفعالِه، ولا يَتأتَّى منه من القولِ والفعلِ ما يتأتَّى من البارِّ الصادقِ المُبرَّأ من كل فاحشةٍ وغدرٍ وكذبٍ وفجورٍ، بل قلبُ هذا وقصدُه وقولُه وعملُه يشبهُ بعضُه بعضاً، وقلبُ ذلك وقولُه وعملُه وقصدُه يشبهُ بعضُه بعضاً، فدعاهم سبحانه إلى تدبرِ القولِ وتأملِ سيرةِ القائلِ وأحوالهِ وحينئذٍ تَتَبينُ لهم حقيقةُ الأمرِ وأنّ ما جاء به في أعلى مراتبِ الصدقِ”.

ويندرجُ تحت هذين الأمرين أدلةٌ كثيرةٌ على نبوةِ محمدﷺ، فالاستدلالُ على صدقِ نبوةِ الرسولِ  سهلٌ ميسورٌ ويُقنعُ العاميَّ والمتعلمَ، فمنها الإعجازُ بالقرآن والكمالُ الشخصي والأخلاقي وحدوثُ المعجزاتِ والخوارقِ بين يديه  والإخبارُ بالغيوبِ الصادقةِ وتحت كل نوعٍ من هذه الأنواعِ توجد أمثلةٌ كثيرة جداً وشواهدُ متنوعة[٢].

لذلكَ فالإيمانُ بنبوته ليسَ قضيةً تسليميَّةً محضةً، ولا عبارةً عن مشاعر نفسيةٍ روحيةٍ، وليس تقليداً بشرياً قاصراً، وإنّما هو قضيةٌ تصديقيةٌ برهانيةٌ إيمانيةٌ، تقومُ على أسسٍ عقليةٍ مثبتةٍ، وبراهينَ استدلاليةٍ يقينيةٍ[٣].

ونزيدُ ذلكَ بياناً بالحديث بشيءٍ من التفصيلِ عن اثنين من أدلةِ النبوةِ [٤].

الأول: الإعجازُ بالقرآنِ الكريم:

فهو أولُ دلائلِ النبوة وأعظمُها وأظهرُها ظهوراً يفوقُ ظهورَ الشمس والقمر، هو القرآنُ الكريم المُنزَلُ على قلبِ الرسولِ الأمينِ، بلسانٍ عربي مبينٍ تحدى الله به الأولينَ والآخرينَ أن يأتوا بسورةٍ من مثل سوَرِه فعجزوا وإلى يومنا هذا وإلى أن يرثَ اللهُ الأرض ومن عليها.

فإن النبيَّ أتَى إلى الناسِ بحجةٍ ظاهرةٍ بينةٍ وهو القرآنُ، وطالبَهم بأن ينقضُوها وكان خطابُه لأهلِ الفصاحةِ والعلوِّ في البلاغةِ منهم ولكنهم مع ذلك عجزوا عجزاً مطبقاً عن الإتيانِ بمثل القرآنِ فإنْ كان النبي  من جنسِ البشر ولم يخرجْ في قدراتِه العقليةِ والجسديةِ عن القدراتِ التي يعرفونَها فكيف أمكنَه أن يأتيَ بكلامٍ من جنسِ كلامِ البشر ويعجزُ كل الإنسِ عن الإتيانِ بمثله مع تكرارِ التحدي عليهم؟

ودلالةُ القرآن على صدقِ نبوةِ النبيِّ تقومُ على أمرين:

الأولُ: استحالةُ أنْ يكونَ النبي صلى الله عليه وسلم مصدرَ القرآنِ والدلائلُ على هذا الأصلِ متنوعةٌ منها:

  • أن القرآنَ تضمَّنَ أموراً لا يمكن للرسولِ أن يأتيَ بها من عند نفسهِ، ففي القرآنِ جانبٌ كبير من المعاني النقليةِ البحتةِ التي لا مجالَ فيها إلى الذكاءِ أو الاستنباطِ ولا سبيلَ إلى العلمِ بها لمن غابَ عنها بالتعلمِ عن الأممِ السابقةِ ووقائعِ زمنهِ والأمور المستقبليةِ.
  • أن النبيَّ كانَ أميّاً ولم يكن معروفاً بكثرةِ الأسفارِ ومعَ ذلكَ فقد أتى في القرآنِ بعلومٍ ومعارفٍ لا يمكنُ أن تكونَ متناسبةً مع حالهِ المعرفي.
  • أن القرآنَ تظهرُ فيه مشاهدُ كثيرةٌ تدل على أن النبيَّ  كانَ مجردَ متلقٍ للقرآنِ ومبلِّغٍ له مثل تكرر كلمةِ (قُلْ).
  • أن النبي  كانتْ تمرُّ به أحوالٌ عظيمةٌ وأحداثٌ كبيرةٌ ومعَ ذلك كلِّه لم يَظهرْ من ذلك شيءٌ في القرآنِ مثلَ أحداثِ عام الحزن.

الثاني: ثبوتُ عجزِ الجنِّ والإنسِ عن الإتيانِ بمثلِ القرآن:

وعَجزُ العربِ الذين تحداهُم النبيُّ  بالقرآنِ عن إتيانهمْ بمثلهِ دليلٌ كافٍ على إثباتِ عجزِ من عداهُم من الأممِ لأن عجزَ أهلَ الاختصاصِ عن شيءٍ ما يثبتُ عجزَ غيرهم من بابِ أولى، وليس المرادُ بالمِثْلِيَّةِ في التحدي بالقرآنِ أن يُؤتَى بكلامٍ مطابقٍ للقرآنِ في ألفاظهِ وتراكيبِه ومبانِيه وترتيبِ كلماتِه، وإنما المرادُ بالمِثْلِيَّةِ المساواةُ بالقرآنِ في الفصاحةِ والبلاغةِ وقوةِ البيانِ ودقةِ الإحكامِ وعُلُوِّ المضامينِ بأي لفظٍ عربي آخرَ أو المجيءُ بما هو أعلَى منه في تلك الأمورِ.

وثبوتُ عجزِ العربِ -والناسُ لهم بالتبعِ- دليلٌ على أن القرآنَ خارجٌ عن السننِ المعهودةِ في الكلامِ، فالسننُ الكونيةُ جاريةٌ على أن الناسَ كلهم لا يعجزون عن معارضةِ كلامٍ من جنسِ كلامِهم إلا أن يكونَ خارجاً عن مقدورِهم.

ومما امتازَ بهِ القرآنُ عن باقِي أدلةِ النبوةِ استحالةُ التشكيكِ في ثبوتِه فهو موجودٌ بين أيدي الناسِ الآن في مشارقِ الأرض ومغارِبها يستطيعونَ أن يرجِعُوا إليهِ ليتأكدُوا بأنفسهم من صدقِ النبوةِ، قال ابن الجوزي[٥] -رحمه الله-: “جعلَ اللهُ سبحانه هذا القرآنَ معجزاً لمحمدٍ  يبقى أبداً، ليُظْهِرَ دليلَ صدقِه بعد وفاتِه وجعلَه دليلاً على صدقِ الأنبياءِ، إذْ هوَ مصدقٌ لهم ومخبرٌ عن حالِهم”.

الثاني: هو حدوثُ المعجزاتِ بين يديِه :

المرادُ أن النبيّ  كانتْ تقعُ بين يديه أحداثٌ كثيرةٌ خارقةٌ للسننِ الكونية وخارجةٌ عن مقدورِ الإنس والجن ولا يستطيعُ فعلها أحدٌ منهم، وحدوثُ المعجزاتِ بين يديه صلى الله عليه وسلم لم يقعْ مرةً أو مرتين ولكنَّ ذلك وقعَ عشراتِ المراتِ وفي مجالاتٍ مختلفة ومتنوعة.

وقد تواترتْ تلك الأخبارُ وانتشرتْ بينَ الصحابةِ بشكلٍ كبيرٍ جداً وبعضُها شهدها عددٌ كبير منهم ثم انتشرَ في الجيلِ الذي جاءَ بعدَ الصحابةِ وكذلكَ الحالُ فيمن بعدَهم، فتحققَ لمجموعِ تلك الأخبارِ التواترُ المعنوي الذي يُوصلُ إلى العلمِ اليقيني بوقوعِ تلك المعجزات.

وقد وقعتْ تلك المعجزاتُ مراتٍ عدةً بين يديه، وقد قامَ الكثيرُ من أهل العلمِ بتتبعِ أخبارها وإيرادها في مؤلفاتٍ مخصوصةٍ[٦]، ومن تلك المعجزاتِ:

  • تكثيرُ القليلِ من الطعامِ بين يديه صلى الله عليه وسلم حتى كانَ يأكلُ منه من معه من الجيشِ، وتبقى منه بقيةٌ، والأحاديثُ في ذلك في الصحيحين وغيرهما.
  • نبعُ الماءِ من بين أصابِعِه صلى الله عليه وسلم وتكثيرُ الماءِ حتى يشربَ منه جميع الجيشِ ويتوضؤون والأحاديثُ في ذلك أيضاً في الصحيحين.
  • إخبارهُ صلى الله عليه وسلم بالأمورِ الغيبيةِ المستقبليةِ ثم تقعُ كما أخبرَ، وقد حدثَ مما أخبر به شيءٌ كثيرٌ بعضُها في حياتِه صلى الله عليه وسلم وبعضُها بعده.

ودلالةُ المعجزاتِ على النبوةِ مكونةٌ من أمرين: كونُ انخرامِ السننِ بين يديه وقع كثيراً، ومن كونِه  مخبراً عن اللهِ بأنهُ مرسلٌ من عندِه، فهذانِ المَعْنَيَانِ يشكلانِ سوياً الدلالةَ على أن تلك المعجزات إنما وقعتْ تأييداً من الله لرسولِه وإكراماً له.

إنَّ مُدَّعِي النبوةِ حالُه منحصرٍ بين أمرين لا ثالثَ لهما: إما أن يكونَ من أصدقِ الناسِ وأبرهم فيما إذا كان صادقاً، وإما أن يكون من أكذبِ الناسِ وأخبثهم فيما إذا كان كاذباً، ولا يمكن أن يوجد حال غير هذين الحال أبداً.

هذه الأدلةُ هي غيضٌ من فيضٍ من دلائل نبوتِه  وصدقهِ في دعوته، وفيها مقْنَعٌ لكل من كان عندَه عقلٌ يبحث عن الحقيقةِ، وقلبٌ سليمٌ يطمحُ للوصولِ إليها، والحمد لله رب العالمين.

كتبه: أحمد فوزي


[١] الصواعق المرسلة، ابن القيم، ج 2، ص 469

[٢] انظر مقالة تنوع أدلة النبوة https://almohaweron.com/alnbwah/

[٣] ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، د. سلطان العميري

[٤] انظر كتاب ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، د. سلطان العميري

[٥] الوفا بأحوال المصطفى

[٦] مثل كتاب دلائل النبوة للبيهقي وكذلك للأصبهاني


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 4 / 5. عدد الأصوات 2







مشاركة عبر البريد الإلكتروني