جلسنا نتناول طعام الغداء، ولم نلبث قليلًا حتى اهتز هاتفي المحمول ليعلن عن اتصال، فإذا به صديق قديم لم أحادثه منذ زمن..

السلام عليكم أخي.. مرحباً بك.

= أجاب بصوت مرتجف متردد: وعليكم السلام يا أخي .. هل أستطيع أن ألتقي بك الآن .. أحتاج بشدة للتحدث معك.

لم أتردد بالجواب قائلاً: على الرحب والسعة.. سأنتظرك في البيت.

لم تمضِ ساعة حتى كان صديقي أمام البيت تبدو عليه علامات الصدمة والحزن والحيرة.

رحبتُ به .. وأثناء إعداد الشاي باغتني بقوله: هل تعلم أن ابن عمي قد ألحد العام الماضي؟

نعم، علمت بالخبر للأسف، وقد قرأت مداخلاته على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يدافع عن إلحاده، ويدعو أصدقائه ومعارفه لإعمال عقولهم وإعادة التفكير ورفض الموروثات، وللأسف وجدت له متابعـ….

= قاطعني صديقي: بل ومنهم من تأثر به.

ربَّتُ على كتفه: لا بأس يا صديقي لعل الله يهديه ويرده إلى دينه.

= وضع رأسه بين كفيه وقال بصوت بالغ الأسى: ليست هذه هي المصيبة،

المصيبة .. ابني ..

هو في الحقيقة ابن أخي ولكنه بمثابة ابني، وهو أيضاً خطيب ابنتي

= المشكلة أنه من متابعي ابن عمي وقد بدأ يتأثر بكلامه بشدة، فابن عمي هذا كما تعلم رجل مثقف، حسن الكلام والمظهر، وله أسلوب وطريقة جاذبة لمن حوله

= واستطرد قائلاً: ماذا أفعل كي أحافظ على ابني من الضياع، وكيف لهؤلاء الملحدين أن يُتركوا وهم يبثون أفكارهم ومعتقداتهم كيفما شاءوا؟؟

هدئ من روعك يا أخي، سندركه ونتحاور معه، وبحول الله سوف نفند له الشبهات ونُزيل الشكوك التي ملأت قلبه.

ولكن الكارثة الحقيقية هي في ترك هؤلاء العابثين يفسدون دين أبناءنا ويبثون سمومهم بكل حرية، ولا يجدون ما يردعهم ويمنعهم.

هل تعلم يا صديقي أننا لو كنا نطبق حدود الله ما كنا وصلنا لهذا البؤس والخراب الذي نعيشه الآن

= وكيف هذا؟

نعم، لو كنا نطبق حد الرِدة على المسلم المرتد، لما رأينا اليوم أمثال ابن عمك وغيره ممن تخلوا عن دينهم واتخذوا الشيطان ولياً لهم من دون الله يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً.

= ولكن كيف؟ أليس تطبيق هذا الحد يتعارض مع حرية الاعتقاد التي كفلها الإسلام؟

=   أو ليس اللهُ يقول في كتابه:

“فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ـــــ “لا إكراه في الدين”

على رِسلك يا أخي، دعنا أولاً نبحث في سياق الآيات ومعناها، ولكن لابد أولاً من الإشارة إلى أن هذا الحكم يُعد من محاسن الإسلام وجمال التشريع، وسوف أوضح لك هذا الأمر فيما بعد

أما الآية الأولى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [سورة الكهف : ٢٩]

هذه الآية موجهة للكافرين، حيث يأمر اللهُ نبيه ﷺ أن يوضح لهم الحق الذي لا مِرية فيه ولا شك، فمن شاء بعد ذلك يؤمن ومن شاء يكفر، فهم أحرار في أن يقبلوا الفطرة التي أودعها اللهُ فيهم وأيدها بشواهد كثيرة من حولهم تثبت أنه سبحانه هو الخالق المدبر، أو يتحدوا تلك الفطرة ليستحقوا العقاب، فهذا من باب التهديد والوعيد لما ينتظرهم في الآخرة إن استمروا على إنكار الحق الذي جاء به النبي.  

= آه .. تفسير مقنع فعلاً، وماذا عن الآية الثانية؟

هذه الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [سورة البقرة : ٢٥٦] أجمع المفسرون بحسب سياق الآية وسبب نزولها أنها تخص عدم إكراه غير المسلم على الدخول في الإسلام، وليس معناها عدم إكراه المسلم على البقاء مسلماً، فليس من حق المسلم أن يترك دينه ويرتد.

= ولكن الآية تفيد العموم .. بمعنى أنه يُفهم من كلمة (لا إكراه) وهي نكرة، أي لا إكراه في الدخول أو الخروج من الدين.

لو سلمنا يا صديقي بما تقول فسوف ينطبق ذلك على عموم الدين وعلى أجزائه كذلك، عندئذ سنجد من يقول لا إكراه فيمن يشرب الخمر أن يتوقف عن شُربها، ولا إكراه في مانع الزكاة أن يؤديها، وبهذا ينفتح المجال بشكل واسع لإبطال باب العقوبات في الدين، ويصبح الدين بلا دين، فهذه الآية تفيد أنه لا إكراه لغير المسلم بعد دعوته للإسلام أن يعتنقه أو لا، مع بيان عاقبة ذلك.

= حسناً، ولكن ما الفرق بين من لم يدخل الإسلام وبين من دخله؟ أليس لكلٍ منهما عقله وحريته الشخصية؟ لماذا أترك الأول وأُعاقب الثاني بالقتل؟

الفرق كبير يا صديقي، فالكافر الأصلي لم يعلن التزامه بنظام الإسلام ولم ينخرط فيه، فحاله كحال من جهل الشيء ولم يجربه، لذا فهو لا يستحق العقوبة الدنيوية.

أما المسلم الذي دخل الإسلام فهو قد خَبَر الإيمان وذاق حلاوته، وأدرك أنه منهج كامل للحياة مبني على العقل والمنطق وقائم على الدليل والبرهان، فليس في الإسلام مايصادم فطرة الإنسان أو عقله، فإن خرج منه بعد ذلك وارتد كان كمن أعلن عصيانه وخيانته للنظام العام.

فالرِدة عن الدين عملية مركبة تتضمن تغيير الولاء والانتماء وتبديل الهوية، والمُرتد ينقل ولاؤه وانتماؤه من أمة إلى أمة ومن دار الإسلام إلى دار أخرى، ونحن نرى جميع الأنظمة الوضعية في العالم تحكم بالإعدام على من يخرج على نظام الدولة بتهمة الخيانة العظمى، فكذلك المُرتد الذي يعلن رِدته ويظهرها للعيان هو كالخارج على النظام فاستحق العقوبة.

= ولكن ألا تتفق معي أن هذا من الممكن أن ينطبق على من دخل الإسلام اختياراً ثم ارتد، فماذا عمَّن ولِد مسلماً ولم يختر الإسلام بمحض إرادته؟ أليس من حقه عندما ينمو عقله وتتسع مداركه أن يمارس حقه في اختيار ما يعتقد؟

لقد اتفقنا يا صديقي أن الإسلام دين لا يصادم الفطرة، وبناؤه على العقل والمنطق، فالكافر الذي أسلم ثم ارتد قد عرف الحق ببقايا الفطرة داخله، فانتقل بإسلامه من الظلمات إلى النور ثم جحد به وأنكره، والذي ولِد مسلماً في بيئة مسلمة عرف الحق بالفطرة والنشأة، فهو يتفوق على الأول أن فطرته لم تتلوث مثل الكافر، وكانت لديه أسباب ووسائل الفهم الصحيح والثبات، ثم جحد هذه النعمة وكفر بالإسلام وارتد.

ومن الغريب أننا نتقبل إلزام من يولد في بلد ما بقوانين وأعراف تلك البلد ونعاقبه عند خرقها بالرغم من أنه لم يختر بمحض إرادته الانتساب لها، ثم نرفض معاقبة من يخرج على دين الله بحجة حرية الاختيار.

= وهل هناك دليل من الشرع على تطبيق هذا الحكم ؟

بالتأكيد، هناك العديد من الأدلة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

(قال رسول الله ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم

وكذلك مارواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه)

= حسناً، ولكن مالذي يضر المجتمع المسلم ذو المليار والنصف وأكثر من ارتداد هذا أو ذاك؟

أنت تعلم يا صديقي أن للإسلام كيانات مقدسة لا ينبغي المساس بها، والتي تسمى الضرورات الخمس، والدين من أهم هذه الضرورات؛ لأنه الكيان الذي يربط الإنسان بربه ويمنعه من الزلل والضياع، فالمرتد بإعلانه الخروج عن الإسلام يهدد هذا الكيان؛ لأنه يَظهر للناس كمن اختبر الإسلام فوجده دينًا غير صالح، ولا يستحق الاستمساك به، وأنه قد وجد ماهو أصلح منه.

وليس خافياً على أحد أن أعداء الإسلام لا يألون جهداً حتى يخلعوا المسلمين من دينهم..

{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِير}. [سورة البقرة : ١٢٠}

وهؤلاء الأعداء يخترعون الوسائل للتغلغل بين المسلمين وزعزعة دينهم، فالتاريخ حافل بأسماء مسلمة لشخصيات مجهولة ادَّعت الإسلام ولعبت دوراً خطيراً في الحرب على الدين، تماماً كما فعل يهود المدينة في صدر الإسلام ..

{وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون}[سورة آل عمران : ٧٢]

فهؤلاء النفر من أهل الكتاب قالوا لبعضهم البعض أظهروا للمسلمين الرضا بدينهم أول النهار لعلهم يصدقونكم، ثم اكفروا آخره حتى يظنوا أنكم قد رأيتم فيه ما تكرهون فيرجعوا عن دينهم، وهي طريقة ماكرة توقع ضِعاف الإيمان في حيرة واضطراب، وبخاصة العرب الأميين، الذين كانوا وقتها يرون أن أهل الكتاب أصحاب علم ودين وأنهم أعرف منهم بالديانات والكتب السماوية، فإذا رأوا أنهم ءامنوا ثم ارتدوا حسبوا أنهم ما فعلوا ذلك إلا بسبب اطلاعهم على خبيئة ونقص هذا الدين …

واليوم، لدى القوى المناهضة للإسلام جيشاً من العملاء في أنحاء العالم الإسلامي في صورة أساتذة ومثقفين وإعلاميين يحملون أسماء إسلامية، وهؤلاء لهم ما لهم من قوة تأثير على العامة (تماماً مثل تأثير ابن عمك على من حوله) بما يعرضونه من مقالات وأبحاث وكتابات براقة تهون من أمر العقيدة والدين؛ بل وتطعن في الإسلام نفسه، آمنين من تعرضهم لأية عقوبة، فتضطرب النفوس وتتزلزل الأفكار لدى المسلمين، فيقع بعضهم في مصيبة الرِدة ويفترق الزوج المرتد عن زوجته والعكس، وتتصدع أركان الأسرة وينهار البنيان المرصوص.

وفي هذا الزمن الذي ألغت فيه كثير من الدول الإسلامية تطبيق حد الرِدة قد يدَّعي الكثير من أصحاب الرأي والعلم دخولهم الإسلام، ثم ما يلبثوا حتى يعلنوا ارتدادهم لأجل أن يطعنوا في الدين ويشككوا المسلمين في عقيدتهم، فيتسرب الشك إلى بعض عوام الناس أنه طالما ارتد هؤلاء النبغاء فمن المحتمل أنهم رأوا ما لا يرى غيرهم.

وهؤلاء يتبعون أسلافهم من اليهود، فهم يعلنون الإسلام وجه النهار ويكفرون آخره.

فتخيل معي يا صديقي لو كان حد الرِدة يُطبق على من يرتد عن الإسلام لما تجرأ هؤلاء على هذا الفعل الماكر لعلمهم المسبق بأنهم سيخسرون حياتهم ثمناً لبغيهم.

= ولكن ألم يكن من الجائز لهذا المرتد لو تركناه حياً أن يتراجع ويعود للإيمان؟ ونكون بقتله قد ألقينا به في جهنم؟

نعم نحن نريد لجميع المسلمين أن يموتوا على الإسلام وندعو لمن ضل منهم بالهداية؛ ولأن الردة كثيرا ما تكون نتيجة للشكوك والشبهات التي تساور النفس، لذا أقر الشرع استتابة المرتد، ولو تكررت رِدته يُمهَل فترة زمنية – حددها العلماء بثلاثة أيام _ يراجع فيها نفسه وتُفند وساوسه، فإن عدل عن موقفه ورجع للإسلام وأقر بالشهادتين عصم دمه، وإن أصر على عناده أُقيم عليه الحد.

ثم دعني أهمس في أذنيك أمراً مهماً، نجد هذه الأيام من يموت معلناً إلحاده من بني جلدتنا أمره محير؛ لأنك ما تلبث إلا وتجد الأقلام والبرامج في حديثٍ عنه بين من يلعنه ويسبه، وبين من يترحم عليه؛ بل ويطالب غيره بالدعاء له بالرحمة على اعتبار أنه أفضى إلى بارئه وهو وحده الذي يحدد مصيره.

ولكن الذي لا شك فيه أن من مات على غير دين الإسلام فهو في النار، وما كان هذا الجدال ليظهر بين الناس ويقعوا حيارى ما بين لاعنٍ ومُترحِم لو كان حد الرِدة يطبق على المرتد، ليُغلق هذا الباب الخطير الذي يؤدي إلى تمييع الدين والتشجيع على الانخلاع منه.

= نعم يا عزيزي صدقت، فمعك كل الحق في وجوب تطبيق هذا الحد الذي ينقذ أرواحاً ومجتمعاً في مقابل نفوس قليلة.

والآن يا صديقي سأخبرك كيف أن هذا الحكم يُعد من محاسن الإسلام وجمال التشريع …

= لا يا عزيزي لم أعد أحتاج لتوضيح، فالأمر أجلى وأبين من أي توضيح، والله ما ضعنا ولا تخطفتنا الشياطين إلا حين أزحنا أحكام الشرع جانباً واستبدلناها بأحكام العقل والهوى. لك الله يا ابن أخي فهو وحده القادر على انقاذك.

هون عليك يا صديقي، فلنرتب مقابلة قريبة معه حتى نساعده بعون الله على كشف الغشاوة وإزالة الشبهة.

= نعم يا عزيزي سأهاتفك غداً بإذن الله لتحديد الموعد.

سأنتظرك … دُمت في رعاية الله وحفظه

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بقلم: نيفين جلال


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 4.3 / 5. عدد الأصوات 4







مشاركة عبر البريد الإلكتروني