٢- حقيقة النبوة ، وإمكان المعجزة ، وإمكان إدراك وقوعها

ما هي النبوة ؟ 
النبوة في جوهرها بلاغ عن الرب – سبحانه – رسالته للخلق لهدايتهم من بعد ضلالة أو إصلاح حالهم .. ، فالنبوة – إذن – هي في جوهرها بلاغ لخبر صادق .
وشرط قبول الخبر هو العلم أنه عن [ مُخبرٍ بما يوافق الواقع ] ؛ ولذلك فكل برهان يقيم الحجة على أن المبلغ صادق هو حجة معتبرة .والحجج على صدق مبلغ الخبر لا يحصرها نوعٌ واحد ، وبرهان الصدق هو كل حال للنبي لا يشاركه فيه دجال يفتري نسبة قوله إلى الرب جلَّ وعلا ، ويدخل في ذلك مألوف فعل الداعي بالتزامه الاستقامة ومنافرته الخديعة والكذب في [ كل حالاته ] ، وكذلك ما يكون منه من خوارق الطبيعة الخارجة عن قدرة الإنس والجن – من قول أو فعل – .وبالعلم بما سبق يتضح أنّ سبيل البحث في نبوة محمد ﷺ هو النظر في سيرته ، وموافقتها لسيرة الصادقين ، ولآياته وموافقتها لبراهين الخوارق الصادقة . ولو اكتفى المرء بالنظر في السيرة لكفى ؛ فهي حجة مستقلة على النبوة [ وإن لم يكن ثمة خارق للطبيعة ( معجزة ) ]
هل المعجزة ممكنة ومدركة ؟
أولاً : الحديث عن المعجزات فرع عن الإيمان بالله ، فإذا صدق القول بوجود الله ، صح إمكان المعجزة ضرورة ، فجدل المعجزة – إذن – قائم في أصله على القول بوجود ذاتٍ مباينة للطبيعة تعمل في الطبيعة ما تشاء ، وأن العقل قد دل على وجود هذه الذات .
ثانياً : إذا [ كانت القوانين الطبيعية دالة على خالق الكون وبديعه ، فإن خرق هذه القوانين تصديقاً لنبي دال على المتصرّف في الكون بعد خلقه ، والمهيمن على الطبيعة بسلطانه ]
ثالثاً : لله مشيئة مفارقة لعمل الطبيعة ، تفعل في الطبيعة بالطبيعة وبما هو فوقها ؛ فقوانين الطبيعة مثل خوارقها أثرٌ عن مشيئة الله . [ وبعبارة أخرى : ] المعجزة لا تختلف في شيء عن القوانين [ الطبيعية ] المطردة ، فكلاهما من خلق الله تعالى [وهو الذي إذا أراد للقانون الطبيعي أن يسير بانتظام كان ما شاء ، وإذا أراد تعطيل ذلك نفذ أمره .]
رابعاً : أراد الله أن يظهر وجوده وجليل صفاته من خلال [ قوانين الطبيعة ] المبهرة والجميلة ، كما أظهر صفاته وصدق بعض خلقه في خرق هذه القوانين بالفعل المدهش!
خامساً : الخوارق استثناء للأصل الذي هو عمل القوانين الطبيعية ؛ فالعلاقة بين القانون والمعجزة هي علاقة قاعدة [ أغلبية ] واستثناء ، لا علاقة تناقض بين شيء ومقابله .
سادساً : إذا كان خرق القوانين الكونية ليس [ مما يحكم العقل باستحالته ] … كان تصديق المعجزة مردّه إلى صدق الشهود ؛ فإن الأحداث تُصدّق بمعاينتها أو بالإخبار الصادق عنها وبآثارها .
سابعاً : عند النقاش في المعجزات [ المعينة ] ، يجب أن نقارن بين الشهادة لحدوثها ممن زعم معاينتها ، والشهادة النافية لحدوث ذات المعجزة لمن كان في المكان والزمان المُدّعى حصول المعجزة فيهما ، أو كان مدركًا لمقدمات حصول المعجزة أو آثارها إن وقعت ؛ أي : عالماً بالقرائن الدالة على الصدق أو الكذب .
ثامناً : [ معجزات النبي ﷺ انتشرت ] منذ عصر الصحابة الذين عايشوا تفاصيل حياته عن كثب ، وتداولوا فيما بينهم ذكرها [ مما يعني أنها انتشرت في مكان وزمان أعلم الناس بثبوتها أو انتفائها قبل انتشارها عند من لم يعايش أحداثها ]
[وأختم بما قاله] شارح الطحاوية :
” النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين ، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين ، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما ، وتعرف بهما … وما من أحد ادّعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز ، فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ، ولا بد أن يفعل أموراً يبين بها صدقه. والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين كذبه من وجوه كثيرة “
0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى