٤ – ميزة السيرة النبوية، ولازم حفظها، وأهم مصادرها.

     

            يقرّ المسلمون أنّ « الحكم على الشيء, فرع عن تصوّره» ؛ فالحكم على الشخص ومذهبه، وما يفرح به من ينتسبون إليه وإلى فكرته، فرعٌ عن معرفة الشخص ومعرفة دعوته, ولذلك فعُمدة المسلمين في إثباتهم النبوّة لمحمّد ﷺ أنّ حياة نبيّ الإسلام ﷺ ودعوته والآيات التي أظهرها حجّةً لنبوّته محفوظةٌ بعناية في سِفر التاريخ . ويرتّب المسلمون على ذلك قولهم : إنّ حفظ التراث النبويّ بعناية على أصول علميّة منضبطة, يلزم منه الإقرار بصحّة هذه النبوّة لدلالة المحفوظ على المطلوب.

فعلينا أن ننظر في دعواهم ؛ فإنّها دعوى مثيرة, ولوازمها عظيمة.
حفظ السيرة.. نهاية الجدل لا أوّله:
المتّفق عليه بين عامة المستشرقين – وإن دون تصريح – أنّ التسليم بحجيّة
المحفوظ في السيرة, سواء دون إعمال قواعد النقد الحديثية أو بعد ذلك, لا بدّ أن يؤول إلى التسليم بنبوّته ﷺ ؛ ولذلك فإنّ مسألة حفظ السيرة النبويّة – بمعنى حجيّتها التاريخية – هي نهاية الجدل وخاتمة البحث في نبوّة نبيّ الإسلام ﷺ.

إنّ التحقّق من صدق المرويات قد ظهر منذ القرن الأوّل الهجري لمّا نجمت في الأمّة طوائف وطبقات من الناس تستحلّ الكذب, نصرة لمذهبهم, أو نصرة للدين بزعمهم, فوجود المكذوب المصنوع في التراث الإسلامي أمر كشفه علماء الحديث منذ القرون الأولى، قبل أن يُعرف للاستشراق وجود أو تظهر للمخالفين للإسلام أدبيات النقد لآثار السيرة النبويّة؛ فإنّ علم الحديث لم يظهر إلّا ليميز الصحيح من خبر نبيّ الإسلام ﷺ عن واهيه وزائفه.
نبي الإسلام.. معلوم بين مجاهيل:
شهد كثير من المؤرخين أنّ الشخصية الوحيدة من الأنبياء التي يملك التاريخ – بمحفوظاته – أن يحدّثنا عنها تفصيلًا, هي شخصية ( محمد ) ﷺ ؛ لتوافر الوثائق التاريخية القابلة للنقد والناطقة بالحق ومن ذلك قول الباحث الألماني الشهير والطعّان في تاريخية أخبار أناجيل النصارى ( جورج ألبرت ويلز ) :

[ لمحمد شهادات جيدة ]

يضطر كل منصف قرأ دواوين سيرته, ونظر في أسانيدها ومتونها, أن يشهد أنه يعرف عنه ما لا يعرفه هو نفسه عن كثير من معاصريه.
وقد أحسن (ابن تيمية) إذ قال – صدقًا – :

[ ليس في الدنيا علمٌ مطلوبٌ بالأخبار المتواترة إلّا والعلم بآيات الرسول وشرائع دينه أظهر من ذلك, وما من حال أحدٍ من الأنبياء والملوك والعلماء والمشايخ المتقدّمين وأقواله وأفعاله وسيرته إلّا والعلمُ بأحوال محمّد ﷺ  أظهرُ من العلم به]

وقد شهد لميزة حفظ السيرة النبويّة في تاريخ الأنبياء المستشرق ( بنيامين بوزمورث سمث ) – أحد أساقفة الكنيسة المشيخية في أمريكا – بقوله في كتابه: « محمد والمحمديّة » :

[ الإسلام أمره واضح كلّه, ليس فيه سرّ مكتوم عن أحد, ولا غمّة يَنبهم أمرها على التاريخ؛ ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح, وهم يعلمون من أمر محمّد صلى الله عليه وسلم كالذي يعلمونه من أمر لوثر وملتون. وإنّك لا تجد فيما كتب عنه المؤرخون الأوّلون أساطير ولا أوهامًا ولا مستحيلات, وإذا عرض لك طرفٌ من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة؛ فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه أو يخدع غيره, والأمر كلّه واضح وضوح النهار؛ كأنّه الشمس وقت الضحى, يتبيّن أشعة نورها كلّ شيء]

وبعبارة المستشرق والمؤرّخ – العنصري – الفرنسي (إرنست رينان) الذي ألّف كتابه المثير « حياة يسوع » ودشّن به مرحلة جديدة في القراءة النقدية لتاريخيّة الأناجيل بسلبها كثيرًا من المصداقية الموروثة:

[ نشأت جذور الإسلام في مرأى التاريخ على خلاف الغموض الذي تغلّفُ به الأديان الأخرى أصولها, إنّ جذور الإسلام ظاهرة على سطح التاريخ. وسيرة مؤسّسه معروفة لنا كمعرفتنا بسِيَر أيٍّ من مصلحي القرن السادس عشر ].

إنّنا أمام أمرٍ فَرْدٍ في تاريخ من انتسبوا إلى النبوّة!
وهاك ذكر أهمّ مصادر السيرة النبويّة:

  • القرآن الكريم 

يوفّر لنا القرآن الكريم الكثير من المعلومات والتفاصيل التي تعين الباحث على معرفة نشأة الدعوة, وخصومها, وتطوّراتها, وغير ذلك من الأمور التي تضيء درب القارئ في السيرة. والقرآن بذلك أعظم مصدر تأريخيّ لحياة نبيّ الإسلام, سواء آمن القارئ بربّانيته أم جحدها
نحن نجد في القرآن حال نبي الإسلام ﷺ قبل الرسالة، وحاله ﷺ أوّل نزول الوحي، وما أُمِر به في أوّل الأمر، وحال خصوم الدعوة ولجاجتهم، والمنافقين ومسالك فتنتهم، وما يعتلج في نفس نبيّ الإسلام ﷺ من حزن وكرب، وما يختلج في صدور أصحابه.
كما جاء في القرآن ذكر ما اتُّهم به نبي الإسلام ﷺ، وجاء فيه أمر إذاية المشركين له ﷺ، كما زخر القرآن ببيان موقف أهل الكتاب,وخصومتهم للدعوة, وتحدّيهم لها.

لقد تحدّث القرآن الكريم عن فجر الدعوة, وغربة المسلمين واستضعافهم, وعلاقتهم بالمشركين واليهود, وصبرهم وبلائهم, وخذلان الناس لهم وتآمر الماكرين بهم, وعن تميّزهم الديني وبراءتهم من عقائد خصومهم, وعن هجرتهم. . كما جاء فيه خبر الواقع العقدي والسياسي والاقتصادي في مكة والمدينة, وتدرّج الدعوة في مراحل البلاغ والتمكين . .
ومما يتّصل بالقرآن الكريم في دلالته على السيرة، كتب التفسير المُسندة التي تروي الأخبار المتعلّقة بتفسير الآيات, وأسباب نزولها وظروفها التاريخية.

والمستشرقون – عامة – على قبول صحّة توثيق القرآن لأحداث السيرة, وقد قال بمرجعيّته أشدّ
المستشرقين طعنًا في الحديث النبوي، مثل الراهب والمستشرق البلجيكي (هنري لامنس) الذي غلا في الشكّ حتّى إنّه عدّ كتب الحديث كلّها موضوعة لأجل تمجيد نبيّ الإسلام ﷺ !

  • كتب الحديث والسيرة والشمائل والدلائل:

المصدر الأغرز للسيرة النبوية هو الدواوين العظيمة التي اهتمّت بعامة حياة الرسول ﷺ أو ببعض حياته أو صفاته. وقد اعتنى العلماء منذ بواكير الإسلام بنقل الخبر, ووضعوا لذلك القواعد وأصّلوا الأصول, ولم يكن همّهم تجميع الأخبار لقصد المتعة أو الإثارة.
وقد شهد للتميز الإسلامي في حفظ السيرة منذ زمن مبكّر المستشرقُ اليهودي (برنارد لويس) – المعروف بمواقفه السلبيّة من الإسلام – في قوله:

« أدرك علماء الإسلام في مرحلة مبكّرة خطر الشهادات المزيّفة وبالتالي العقائد الباطلة؛ ولذلك طوّروا علمًا مفصَّلًا لنقد الحديث. يتميّز « علم الحديث » – كما كان يُسمّى – من عدّة نواح عن النقد المصدري التاريخيّ الحديث, وقد اختلف العمل العلمي الحديث دائمًا مع تقديرات العلماء التقليديين حول صحّة الروايات القديمة ودقّتها, ولكنّ نقد علماء الحديث الدقيق للأسانيد وجمعهم الدقيق للاختلافات واحتفاظهم بها في نقل الروايات يعطي لعلم التأريخ العربي في القرون الوسطى مِهنيّة ومراسًا لا نجد له نظيرًا في القديم ولا مماثلًا في القرون الوسطى في الغرب. وبمقارنة علم الحديث بعلم التاريخ في العالَم المسيحي اللاتيني, يبدو الثاني فقيرًا وهزيلًا. بل حتّى علم التاريخ في العالم المسيحي اليوناني, والذي هو أكثر تقدّمًا وتعقيدًا, يقصر هو أيضًا عن مضاهاة الأدبيات التاريخية الإسلاميّة من نواحي الحجم والتنوّع والعمق التحليلي » .

وأمّا المؤرخ النصراني اللبناني (أسد جبرائيل رستم) فقد كان أعظم إنصافًا في مقدمة كتابه « مصطلح التاريخ » لعلم الحديث؛ إذ قال:

« أوّل من نظّم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامي, فإنّهم اضطروا اضطرارًا إلى الاعتناء بأقوال النبيّ, وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل . . . فانبروا لجمع الأحاديث ودرسها وتدقيقها فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال, في أسسها وجوهرها, محترمة في الأوساط العلميّة حتّى يومنا هذا »

فالسيرة إذاً ثابتة في القرآن كما سبق توضيحه, كما أنّه قد بدأ تدوينها منذ القرن الأول الهجري. .وقام نقلها على أسانيد يبلغ طرفها الآخر نبيّ الإسلام ﷺ ، وقد قام علم الحديث منذ عصور الأجيال الإسلامية الأولى بتأسيس قواعد للتمييز بين الصحيح وما يُردّ لفساد سنده أو متنه.
والمصنّفات الحديثية المُسندة المقتصرة على قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره وصفته, مستوعبة لعامة خبر الرسول ﷺ الدعوي, والاجتماعي, والأُسَري, والشخصيّ. . . وهي مادة تاريخية غزيرة جدًّا تُنشئ في القارئ إحساسًا قهريًّا أنّه قد صار قريبًا من حياة نبي الإسلام ﷺ قرب أصحابه منها؛ فقد صار عليمًا بأدق تفاصيله الحياتية, ودفين هواجسه النفسيّة, وهو أمر لم تعرفه البشريّة مع أحد ممن حفظت ذكره صحائف التاريخ.

نحن إذن أمام مادة غزيرة، فضيلتها الأولى الجمع المستوعب للأخبار، وفضيلتها الثانية أنها منقولة بالأسانيد -حتى لو كان فيها انقطاع-؛ ولذلك كانت بهاتين الفضيلتين قابلة للفحص النقدي على الأصول التي وضعها عباقرة أهل الحديث.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى