٥ – عبقرية المنهج الإسلامي في الحكم على الروايات !

    قد يقول معترض: ما نريده هو بيان صحّة هذه المرويات [ الناقلة لسيرة النبي محمد ﷺ] والعقل لا يمنع أن يكون في الحديث النبوي الكثير من الروايات التي صنعتها الأجيال المسلمة انتصارًا لعقائدها، ومنها تمجيد نبيّ الإسلام ﷺ، والانتصار لنبوّته، وقد تعامل علماء الإسلام مع الروايات التي وصلتهم بتهاون شديد, وإحسان ظنّ واضح بالرواة؛ ولذلك لا يسلَّم لهذه الروايات ما انتهت إليه في إثبات نبوّة محمّد ﷺ.

وجواب الاعتراض السابق يأتيك من أوجه:
الوجه الأول: جمعُ الروايات بأسانيدها أمر عظيم وجليل، وهو من فرائد المسلمين؛ إذ ليس لليهود ولا النصارى أسانيد متّصلة إلى المسيح أو (موسى). ومعلوم أنه لا سبيل للعلم بصحّة المرويات قبل جمعها. فالتحقق تابع للتجميع. وما قام به علماء الأمّة من جمع ذاك الكمّ الهائل من المرويات، بما فيه الروايات المكذوبة والموضوعة، لهو من المفاخر التي تصل إلى حدّ الإبهار.
وإنّ في جمع الروايات الضعيفة والموضوعة مع الروايات الصحيحة مزيّة جليلة لا يقدّرها حقّ قدرها غير من مارس صناعة «قراءة التاريخ»؛ إذ إنّ الروايات باطلة المتون تفضح بعض رواتها، وترفع عنهم ستر الجهالة، وهو ما يفيد أيضًا في الحكم على الروايات إذا تعارضت، فيُطرح المنكر ويقبل مخالفه إذا استوفى شروط الصحة.


الوجه الثاني: نظر العلماء في خبر السيرة النبويّة من خلال المصنَّفات المسندة ليس ساذجًا غريرًا؛ فقد علِم علماء المسلمين أنّ روايات السيرة تجمع الصحيح والضعيف، ولذلك قال الحافظ (العراقي) – المتوفّى سنة ٨٠٦ هـ – في « ألفيته » في السيرة:

وليــــــــعــــــلـــــم الــطـــالــب أنّ الــسِّــــــيـــرا

تَجمَع ما صحَّ وما قد أُنكرا
والقصدُ ذِكرُ ما أتى أهل السِّيَر

بهِ وإنْ إســــــــــــــــناده لم يُعتَبَـر

ويُشترط لقبول الرواية التي تقوم بها الحجّة عند المحاججة في النبوّة خمسة شروط، وهي:
١ – ألا يكون الراوي متصفًا بالفسق؛ إذ يأتي المأمورات وينتهي عند النواهي، مجتنبًا لخوارم المروءة من الصغائر الدالة على الخسّة، والمباحات التي يحتقر الناس من يقربها.
٢ – أن يكون الراوي حافظًا لمروياته عن ظهر قلب أو بتوثيقها كتابة.
٣ – أن ينقل الحديث كلّ راوٍ عمّن أخذه منه إلى الرسول ﷺ.
٤ – ألّا يخالف الراوي من هو أوثق منه.
٥ – ألّا يتّصف السند أو المتن بقادح خفيّ يطعن في صحّة الرواية.


الوجه الثالث : إنّ علم الحديث قائم في الحكم على الرواة على الاحتياط في الرواية، وإن شئت فقل على سوء الظنّ بالرواة لا التسليم الأوّلي بعدالتهم؛ حتّى قال الإمام المحدّث (عبد الرحمن بن مهدي) في القرن الثاني الهجري: «خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظنّ : الحكم والحديث»

ويظهر ذلك مثلًا في أمور، منها:

  •  الرواي المجهول روايته ضعيفة حتي يُعرف (على خلاف منهج مؤرخي النصرانية، بل منهج عامة المؤرّخين).
  • الرواي الذي أصابه الاختلاط [ وهو فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال] تُردّ كلّ أحاديثه إذا لم يُعرف متى أصابه الاختلاطه للتمييز بين مرويات ما قبل الاختلاط وما رُوي بعده .
  •  إذا اجتمع جرح وتعديل في راوٍ، يميل جمهور العلماء إلى تضعيفه، إلا إذا كان التعديل مفصَّلًا والجرح مجملًا، أو كان المجرِّح من المتشدّدين.
  • الرواية المنقطعة ضعيفة حتى يُعرف الساقط من السند.
  • إذا سمع الراوي كتابًا حديثيًّا، وشكّ في واحد من أحاديثه لكنّه نسي تعيين هذا الحديث، امتنع عليه رواية كامل الكتاب، وقد ميّز أهل الجرح والتعديل الثقاة الثقات إلى طبقات، والضعفاء رتبوهم في دركات؛ للترجيح عند تخالف الروايات، والاعتضاد عند تآلفها وتقوية بعضها بعضًا.

  • الوجه الرابع: بلغت الدقّة بعلماء الإسلام في الحكم على الرواة مبلغًا عجيبًا؛ حتّى إنّهم ميّزوا بين روايات بعض الرواة؛ فلا يقبلونه كلّها، ولا يردّونها كلّها، وإنّما ينتقون منها انتقاءً بناء على قواعد علميّة واضحة بعد سبر هذه الروايات، ومقارنتها بروايات الثقاة؛ ومنها أنْ:
    o تُقبل رواية الراوي عن رجال دون آخرين.
    o تُقبل روايته عن أهل بلد دون بلد آخر.
    o تُقبل روايته في مرحلة من عمره دون مرحلة أخرى.
    o تُقبل روايته إذا تُوبع ولا تقبل إذا تفرّد.
    o لا تُقبل روايته إذا كانت في موضوع ما , وتقبل في غير ذلك.
    o تُقبل روايته إذا حّث من كتابه الذي دوّن فيه الأحاديث التي أخذها عن غيره, ولا تقبل إذا حدّث عن حفظه.

الوجه الخامس: الراوي الذي يكذب لأجل نصرة الإسلام وتمجيد النبيّ ﷺ روايته مردودة إجماعًا، بل من ثبت عنه الكذب في حديث واحد؛ تسقط جميع مروياته. ولم يميّز العلماء بين ما رُوِي لنصرة الدين وما رُوي للطعن فيه، فإنّ قيام القادح المعتبر في السند أو المتن برهان لردّه دون اعتبار لموضوعه.


الوجه السادس: لم يغترّ العلماء بصلاح حال الرواة للقول: “إنّ رواياتهم مقبولة بإطلاق”؛ فهم يقرّرون أنّ صلاح الراوي بأن يكون صادقًا في نفسه، وصاحب ذاكرة جيّدة تحفظ الرواية، لا يكفيان لصحّة الرواية، فلا بدّ أن تكون سلسلة الرجال متّصلة بلا انقطاع، ولا تقبل رواية الثقة إذا خالفت رواية من هو أوثق منه.


الوجه السابع : تَوَفُّرُ كلّ الشروط الظاهريّة لصحّة إسناد الحديث لم يمنع العلماء من بيان وجوب خلوّ الحديث من القوادح في متنه؛ فرواية الثقات لا تصحّ إذا كان الخبر الذي تنتهي إليه لا يُسلَّم لقادح فيه، وخلاصة» أهم القوادح:
• مخالفة الرواية للحسّ . . ويدخل في الحسّ مخالفة الحديث لليقينيّ من العلوم [التجريبية لا ما يتوهم يقينيته؛ فالذي يمتنع أن يخالفه الحديث الصحيح وصفاً صحيحاً للواقع الطبيعي؛ فالسنة وحي إلهي، والعالَم الطبيعي خَلْقٌ إلهي، ولا يمكن أن يتخالف وحي الله مع خلق الله ].
• مخالفة المعلوم من التاريخ الصحيح.
• مخالفة المتواتر من السيرة.
• أن يكون الحديث خبرًا عن أمر عظيم تتوفّر الدواعي على نقله بحضرة الجمّ الغفير, ثمّ لا ينقله إلا الواحد منهم.
• مخالفته العقل الصريح [وهو: اليقين العقلي الذي يلزم من ردِّه محال، وليس هو الذوق الشخصي ].
• مخالفته صريح القرآن.
• سماجة الحديث .


الوجه الثامن: لم يقبل العلماء الحديث التي تمجّد الرسول ﷺ أو تثبت له معجزات لما تدلّ عليه من صدق الرسالة النبويّة، بل أخضعوها هي أيضًا إلى المحاكمة، ولم تتميّز لذلك بأدنى فضيلة على بقيّة الروايات. وقد جعل الإمام (ابن الجوزي) قِسمًا في كتابه «الموضوعات» -وهو في الأحاديث المكذوبة- تحت عنوان «أبواب في فضائل نبيّنا ﷺ »
كما أنّ من عادة علماء الحديث إذا ذكروا روايات شمائل نبي الإسلام ﷺ ومعجزاته أن يشيروا إلى أنّها وردت من طرق صحيحة، وأخرى لا تصحّ؛ فلم تدفعهم كثرة الطرق لتصحيحها كلّها.


الوجه التاسع: تناقل المسلمون منذ زمن النبوّة الحديث النبوي: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». وقد رواه بضعة وسبعون صحابيًّا، وتداولوه تعليمًا وتنبيهًا، وحظّ انتشاره بين التابعين وتابعيهم أعظم من ذلك بكثير. وهو حديث قد عظُم انتشاره في أمّة تعظّم الصدق حتّى في جاهليّتها. وقد فهم جماعة من العلماء من هذا الحديث كفر من تعمّد الكذب. كما تواتر عن الصحابة روايتهم حديث: «نضَّرَ الله عبدًا سَمع مقالتي فوعاها، فبَلَّغها مَن لَم يَسْمعها». وهو في الحضّ على الرواية الصادقة التي تذيع خبر الوحي.
ما الذي يملك العقلاء أن يضيفوه إلى ما سبق من شروط صارمة لقبول المتن السليم والإسناد المتين؟! ليس عندي علمٌ بإضافة حتّى اليوم إلّا الذوق الشخصي الخاضع لمزاج العصر، والذوق أكذب الحديث!
إنّ النظر في الأحاديث التي صحّحها علماء الإسلام يكشف أنّها ليست مؤلفات مطبوعة بلون واحد يظهر عليها أثر التركيب والرغبة في صياغة صورة واحدة محكمة الملامح من أوّل وهلة.
ولذلك ذهب المستشرق (رينهارت دوزي ) أنّ الإشكالات أو التناقضات التي تبدو في الأحاديث المصحّحة عند المسلمين حجّة أنّ المسلمين لم يختلقوا هذه الأحاديث، فليس من صنيع الكَذَبَةِ فتح باب للجدل في ما يسعون لنصرته أو تجميله .


منهج النقد الحديثي الإسلامي استوفى شروط فحص صحّة الخبر التارخي على أعلى صورة:
١ – النظر في الرواية : الرواية متعلّقة برجال الإسناد وفي طبيعة تداولهم للخبر، وقد اهتم النقد الإسلامي لقبول الرواية بعدد من الأمور، من أهمها:
o صدق الراوي.
o حفظ الراوي: الذاكرة والكتابة.
o دقة الراوي.
o مصلحة الراوي الشخصية أو المذهبية من رواية الخبر.
o تلقي الراوي الخبر عمّن فوقه بصورة متّصلة.
o أن يجيز من يروي عنه الراوي رواية روايته ..
٢ – النظر في المروي: لا يكفي أن يكون الخبر مرويًّا عمّن لا مطعن في عقولهم وصدورهم وأخلاقهم، وإنّما لا بدّ أن يَسْلَم المرويّ من عدد من الآفات، أهمها:
o ألّا يخالف التاريخ الصحيح.
o ألّا يخالف العقل الصريح.
o ألّا يخالف المحسوس.
o ألّا يُخالف أدبيًّا المحفوظ من أسلوب نبي الإسلام ﷺ في الكلام.

هي إذن قواعد تحيط بجميع جوانب الخبر، وتسدّ كلّ باب ممكن للكذب أو الوهم.


قد يقول معترض: لكنني أرى هذا الحديث، أو ذاك وذاك ممّا صحّحه علماء الإسلام، مخالفًا للعقل أو التاريخ!

قلت: هذا آخرُ أمرِ المعترض ونهاية إقدامه، وهو أن يستنكر متون بعض الأحاديث التي لا يتجاوز عددها بضعة آحاد، لكنّه لا يملك أن ينكر منهج الحكم على مجموع الأحاديث الألفيّة عددًا؛ فمآل الاعتراض لا يملك أن يجاوز إنكار صدق بعض الروايات إلى ردّ الموروث الحديثيّ المنقّى كلّه أو جلّه أو كثيره، وهو الذي يرسم معالم السيرة النبويّة: حياة النبيّ ﷺ ومضمون رسالته.
ولذلك لزم بيان أنّنا في هذا البحث في نبوّة محمّد ﷺ ننحاز مع المتشكّك -تنزّلًا- إلى أقصى مدى ممكن. ونقول له: سنسلّم لك صحّة اعتراضك على صدق المرويات التي تستنكرها، وسنسير معك إلى آخر الشوط الذي تسحبنا إليه، فماذا كان؟ ستبقى الحقيقة الكبرى التي لا يملك المخالف أدنى داع لإنكارها هي أنّ الصورة الكبرى للسيرة النبويّة، مع خطوطها العريضة ثابتة لا يزحزحها داعي الشكّ ولا عارض الريبة. وهذه الخطوط العريضة تنتهي بالمخالف ضرورة إلى العلم بنبوّة محمّد ﷺ؛ إذ إنّنا لا نرهن صدق الإسلام لبعض أحاديث -التي نرى صدقها وسلامتها من المنكرات، ويرى مخالفنا ضعفها-، وإنّما هو تراكم الأخبار الذي يلزم الشكّاك أن يقرّ أنّ اللون النهائي للصورة الكليّة للسيرة النبويّة لا يخدشه الشكّ في بعض الأخبار أو حتّى اطّراحها.
إنّنا -ونحن نتنزّل مع الشاك في بعض روايات السيرة النبويّة- لا نجد أدنى اعتراض جديّ على تأصيل منهج الحكم على الأحاديث، بل إنّنا نرى المستشرقين الذين يردّون تراث السيرة لا يرتفعون في عملهم النقديّ في باب الحكم على المرويات، وإنّما قد تردَّوا إلى قاع النظر والحكم؛ معتمدين أضعف أدوات النقد، وهما حدس الباحث، والحدس تسير به الريح حيث تشاء إذا لم يقم على قواعد موضوعيّة ثابتة، وبقايا محفوظات التاريخ من حجارة ومنحوتات لا تنير طريقًا مظلمًا ولا تسوّي طريقًا متعرجًا. إنّه استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، والخروج من ضابط التحقيق وحاقِ الصرامة إلى مضائق الوهم.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى