٦- البديل المنهجي لدارسي سيرة النبي ﷺ من المعارضين لنبوته

      عَلِم [ أعداء الإسلام ] -بداهةً- أنّ قبول السيرة [ النبوية ] كليّة، أو بالجملة، لا بد أن يؤول إلى الإقرار بنبوّة محمّد ﷺ؛ ولذلك كان مبدأ نظرهم [ أي أعداء الإسلام ] في السيرة = البحث عن بدائل غير [ الروايات الإسلامية]، والاكتفاء منه بالنادر أو العمومات.

[ وهم على صنفين في التعامل مع السيرة النبوية]
الأول : القائلون إن مراجع السيرة ساقطة لا اعتبار لها؛ فهي أثر عن اختلاق الأجيال الإسلامية.
الثاني : الذي يرون أنّ بعض خبر السيرة مقبول، وفي حدوده يبدأ العمل النقدي، لم يكن هذا التيّار أمينًا في دعواه؛ إذ إنّه كان متعسّفًا في شكّه أيضًا، ومارس الانتقائية في تحديد الملامح العامة للسيرة.
وبعدما ردّوا الروايات المسندة المصفّاة من كدر الشبهة، طرحوا بدائل أبرزها:
١ – الكتابات المبكّرة لغير المسلمين: فقد اعتمد بعضهم على الكتابات غير الإسلامية التي تحدّثت عن الإسلام في العصر الإسلامي المبكّر. ورغم إغراء العثور على مصدر تاريخي خارجي «محايد» في قراءة التاريخ الإسلامي، إلّا أنّ هذا المذهب فاسد من أوجه كثيرة، أهمها:
الوجه الأول: المصادر غير الإسلامية المبكّرة لا تكاد تقدّم معلومات تاريخية تذكر عن الإسلام، وإنّما هي عبارات قليلة جدًّا، وعامة جدًّا، لا يكاد يوجد فيها تفصيل، ولا تُبنى عليها معارف تاريخية صلبة.
ولعلّ النظر في أكبر مؤلَّف اليوم قام بجمع الشهادات غير الإسلامية المبكّرة، هو: (Seeing Islam As Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian Writings on Early Islam) يشهد بوضوح لما نقول؛ فرغم جمعه شهادات متفرقة من مصادر سريانية ويونانية وعبرية وفارسية وأرمينية ولاتينية وقبطية وأثيوبية من القرن الأول الهجري، إلّا أنّ هذه الشهادات فقيرة المحتوى بصورة بالغة، لا تكاد تدلّ على غير:

  • وجود دين جديد
  •  ظهر في بلاد العرب
  • وأنّ أصحاب هذا الدين يغزون الأمم المجاورة..

ثمّ إنّ الجامع لهذه الشهادات قد انتهى إلى أنّ شهادة التراث الإسلامي توافق كثيرًا من هذه الشهادات. ولخّص قيمة هذه الشهادات بقوله:

«لا يمكن للمصادر غير الإسلامية أن تقدّم قصة كاملة ومتناسقة للإسلام المبكّر، فضلًا عن دعم رواية بديلة لتطوّره».

وقد سعى المنتصرون لحجية هذه الكتابات إلى استغلال مساحات الصمت الواسعة فيها لتمرير اجتهاداتهم البعيدة التي يقوم أفضلها على «الإمكان» لا «الرجحان».
الوجه الثاني: التفاصيل التاريخية المذكورة قائمة على السماعات البعيدة والإشاعات، وليس فيها تقريبًا شيء من البحث التاريخي، والتحقيق العلمي المعتبر، خاصة أنّها كُتبت بيد رجال عاشوا خارج دولة الإسلام، لم يخالطوا المسلمين مخالطة مباشرة، ولا يعرفون اللغة العربية، ولم يؤهلهم واقع المعاصرة لتحصيل معلومات متنوعة ومستقرة تسمح بتكوين صورة حقيقية عن الإسلام والمسلمين.
الوجه الثالث: المعلومات المذكورة في هذه المراجع غير محايدة؛ إذ إنّ مؤلّفي المقاطع المتعلقة بوصف الإسلام والمسلمين -عامتهم- خصوم للإسلام، منهم رجال دين نصارى، وأصحاب مصالح سياسية وعرقية يرفضون الفتح الإسلامي برمّته. كما يبدو في عدد من هذه الكتابات النَفَس الإسخاطولوجي لقراءة الفتح الإسلامي؛ إذ يصوّر الكتّابُ الفتحَ على أنه العذاب الأخير الذي أرسله الربّ على أمّة النصارى التي لا ترعَى الوحي الإلهي وحدود الكتب المقدّسة، وفي مثل هذا السياق التصويري، لا ينتظر المؤرّخون دقة تاريخية في عرض صورة الإسلام والمسلمين؛ ولذلك أنكر [ المؤرخ الأمريكي جون ونسبرو – وهو مؤرخ له اهتمام خاص بالتاريخ المبكر للإسلام، وتقديم مراجعة راديكالية لأصوله – على من اعتمد على مراجع لمؤلفين أجانب عن الحضارة الإسلامية ومعادين لها. ]

٢- الآثار القديمة المعاصرة للبعثة أو القريبة منها زمنًا، قبلًا أو بعدًا: لم تحفظ الطبيعة الصحراوية للجزيرة العربيّة شيئًا ذي بال عن تاريخ المنطقة، مع قيام الحياة فيها على المساكن البسيطة من خيام وغيرها ممّا لا يورّث الأمم التالية شواهد واسعة من نقوش ومنحوتات تؤرّخ للحضارات وعقائدها، إلا ما ندر في اليمن. ولم يخرج الجهد الاستشراقي من وراء سعيه إلى الآن بشيء مهم في عموم حال الجزيرة زمن البعثة، فكيف يفلح في تعقّب تاريخ سيرة رجلٍ واحدٍ عاش قبل قيام الدولة مغمورًا أو محارَبًا، وبعدها في زهد بعيدًا عن العمائر والدواوين الإدارية؟!

٣- الخيال والوهم التآمري: ذهب عدد من أعداء الإسلام إلى ردّ جميع التراث التاريخي الإسلامي، واعتباره مجرّد مراسيل وأساطير بلا قيمة؛ فهو محض أوهام تاريخية مختلقة لصناعة أصول تاريخية تتميّز بالأصالة والقداسة!

وقد [ أراد بعضهم أن يدسّ مزاعمها ] بالإشارة إلى تضارب المصادر الإسلاميّة، ولكن رغم أنّ «ذكر تناقضات المصادر أمر مفيد، إلا أنّ الادّعاء- من خلال ثبوت التناقضات- أنّه علينا ألّا نصدّق أيّ رواية من الروايات المتناقضة، يقودُ إلى نوع من العدَميّة التاريخية، وهي عقيمة بصورة جوهريّة». وقد أدرك علماء الحديث ذلك، فرفضوا الاستسلام لفوضى الأخبار، وحاربوا العدميّة التاريخيّة بالسبر والانتقاء على أسس علميّة منضبطة. [ ذُكِر طرفٌ منها في المقالة الخامسة ]
لا [ يحظى مَن اعتبر أن التراث الإسلامي محض أوهام تاريخية ] بدعم جمهور الدارسين للإسلام من غير المسلمين ]؛ وإن كان جمهور [ هؤلاء ] على مذهب القراءة الانتقائية غير المنضبطة للتراث الإسلامي؛ إذ يأخذون من السيرة ما يوافق ما يستنبطون من تصورات و مقولات عن الإسلام؛ وعلى رأسها:
– رد النبوة المحمدية
– وإنكار الإعجاز القرآني
– وإثبات معرفة نبي الإسلام بالتراث الديني اليهودي و النصراني عن دراسة أو مدارسة .

+1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى