٨-هل عرفوه حقًا؟!

        إن من المفارقات العجيبة حين يؤمن نصراني بعيسى – عليه السلام – مع كفره بالنبي ﷺ؛ فهو بلا شك ينزِّه نفسه عن أن يكون إيمانه به محض تشهٍ وهوىً، ولذلك يأتي بما يبرر به إيمانه، تحت مظلة العلم بتفاصيل حياته، فهل هو بالفعل يعرف عيسى – عليه السلام- معرفةً مطابقة وكافية لتخصصيه بحكمٍ ما – كوقوع المعجزات على يديه أو ثبوت هذا الإنجيل إليه – ؟
إن كان الجواب بـ« لا » عاد على أصلِ تصديقه بالنقض؛ إذ كيف يثبتُ له ما لا سبيل إلى العلم بثبوته؟! وإن كان الجواب بـ« نعم » فقد لزمه الإقرار بالنبي محمد ﷺ؛ لأن طريق العلم بتفاصيل حياته أعلى – من حيث الموثوقية والموضوعية – من الطريق الذي يعتمد عليه النصارى في بناء شخصية المسيح عليه السلام، بل لا وجود للمقارنة أصلاً!
ولذلك جاء كلام الدكتور سامي عامري – بعد أن بين موثوقية النقل الإسلامي للسيرة النبوية – كاشفاً عن وهن المادة التاريخية التي يعتمدون عليها في دراسة حياة المسيح عليه السلام، حيث يقول:

وماذا عن النصرانية؟
أسس عدد من العلماء الغربيين المهتمين بالتاريخ النصراني المبكر مناهج مختلفة للبحث في تاريخية الأخبار المنقولة عن المسيح ( عليه السلام ) . وقد عرف أبرز تيار نقدي بالموجة الأولى «للبحث التاريخي عن يسوع» (Quest for the historical Jesus)، ثم تلته موجتان ثانية وثالثة إلى اليوم. وهي مدارس متنوعة الرؤى إلى حد بعيد ومزعج، ولا يجمعها غير الإيمان بالوجود التاريخي للمسيح، وكل ما عدا ذلك فهو محل جدل، ونزاع؛ محوا ونقضا، وإعادة تأسيس .
وقد شاع بين دارسي حياة المسيح في الغرب التمييز بين « يسوع الإيمان » (Jesus of faith)؛ أي:المسيح كما هو في المخيال الإيماني للنصارى، و« يسوع التاريخ » (Jesus of history)؛ أي: المسيح الذي عاش على الأرض، حتى قال (جيمس دان)“: إنه ليس بإمكاننا «إنشاء يسوع – من خلال المادة التاريخية المتاحة – يكون هو نفسه يسوع الحقيقي» ؛ فـ ( يسوعنا ) الممكن رسم ملامحه عبر وثائق التاريخ المتاحة لايتأهل على الحقيقة ليطابق( يسوع ) الذي دب على الأرض وتنفس هواءها.

إشكاليات القيمة التاريخية للعهد الجديد؛ كمصدر لمعرفة المسيح الذي عاش على الأرض كثيرة جدًا،منها :

[١] الكتاب المقدس، وفقدان الأسانيد : يتكون الكتاب المقدس من ٦٦ سفرًا (عند البروتستانت) أو أكثر (عندالكاثوليك والأرثودكس). وهذه الأسفار كلها بلا استثناء فاقدة للإسناد المتصل، بل هي عند التحقيق بلا إسناد أصلًا.

[٢] الكتاب المقدس وتوثيق النص: يعتمد النصارى لتوثيق النص المقدس أساسًا على المخطوطات المكتشفة للكتاب المقدس، علمًا أن هذه المخطوطات مجهولة الناسخ، ولا يعرف عن ملابسات نسخ أهمها شيء، والأعظم من ذلك غياب أي تراث شفهي أول مواز لها .

[٣] تأخر أهم المخطوطات: أهم مخطوطة توراتية بعتمد عليها النصارى لتوثيق التوراة هي (( مخطوطة حلب )) وهي تعود إلى القرن العاشر؛ أي: بعد أكثر من٢١ قرنًا من زمن (موسى عليه السلام) . وتفتقد هذه المخطوطة الكتب المنسوبة إلى ( موسى عليه السلام ) إلا بعض فصول من سفر التثنية . ويلي هذه المخطوطة – بل ربما يفوقها –أهمية مخطوطة ليننجراد وهي تعود إلى سنة ١٠٠٨ م . أما الأناجيل فأقدم المخطوات تعود إلى بداية القرن الثالث ،باستثناء قطعة صغيرة فيها عشرات الحروف اليونانية ، وتدعي (( البردية٥٢)) .

[٤] مؤلفو الأناجيل ليسوا شهود عيان : الأناجيل هي وحدها التي تتضمن قصة حياة المسيح، وأمّا بقية أسفار العهد الجديد فتتضمّن حديثاً في ما بعد رفع المسيح إلى السماء أو هي مجادلات في اللاهوت … وعامة النقاد على أنّ مؤلّفي الأناجيل الأربعة مجهولي الهويّة .

مثال : إنجيل متّى هو أطول الأناجيل الأربعة وأهمها . يقول النصارى إنّ أقوى أسانيد إنجيل متّى : شهادة المؤرخ (يوسابيوس) في القرن الرابع أنّ ( بابياس ) في القرن الثاني قال إنّ (متی) كتب الإنجيل .

الإشكالات :

• هذا ليس إسناداً على الحقيقة لأنه لا ينقل نص الإنجيل، وإنما هو خبر عن أنّ متى ألف إنجيلا.

• هذا الإسناد فيه انقطاع (إعضال) بين (يوسابيوس) المتوفى سنة ۳۳۹م و (بابیاس) المتوفى سنة ١٦٣م،وانقطاع بين (بابياس) و(متّى) الذي تزعم الكنيسة أنّه كان تلميذاً للمسيح بداية القرن الأول.

• (يوسابيوس) نفسه طعن في (بابياس)؛ إذ قال عنه:«يبدو أنّه كان رجلا ضعيف العقل بصورة بالغة». واتهمه أنه نقل أمثالا غريبة عن المسيح، وأساطير كثيرة . وهو مذهب النقاد اليوم في (بابياس)، حتى قال (بارت إيرمان) عند حديثه عن الشهادة الباطلة التي قدمها ( بابياس ) عن إنجيل مرقس: «عملا ، كل شئ  آخر قاله بابیاس رده العلماء بصورة واسعة وبحق لأنه خیال دیني لا حقيقة تاريخية

• (بابياس) لم يقل إن متى ألف إنجيلا ، وإنما قال :

قلت :

أ– كلمة ” تالوجيا ” تعني «الأقوال»، وليست هي مرادفة لكلمة «إنجيل» «ebayyeAlov.» [ أفتجليون ]؛فليست هذه الشهادة في شأن كتابة إنجيل .

ب – كلمة [ سُنٍتاكسٍتو] تعني «جمع»، وإنجيل متّى رواية سردية واحدة وليس جمعًا لمقاطع مشتتة كإنجيل توما.

• ( بابياس ) وجميع آباء الكنيسة اتفقوا أن إنجيل متّى قد كتب باللغة العبرية، والإجماع بين النقاد اليوم أن إنجيل متى قد كتب باليونانية بسبب طبيعة لغته، وغياب قرائن الترجمة عن أصل سامي، واقتباسه من التوراة على غير صورة النص العبري، بالإضافة إلى الاقتباس الحرفي الإنجيل متى من إنجيل مرقس الذي أجمع القدماء ومن تلاهم على يونانيته.

• ( بابیاس ) ذكر أنّ ( يهوذا الإسخريوطي ) قد توفي بعد معاناة بسبب ضلاله ؛ فقد انتفخ بدنه حتى إن رأسه لا يستطيع أن يمر من مكان يتسع لعربة ، كما انتفخ جهاز التناسلي بصورة كبيرة، واخترق الدود جميع بدنه لما كان حيًا“. ورغم حرص ( بابياس ) في هذا المقطع أن يذكر التراث المتعدد الذي تلقاه عن حال ( يهوذا الإسخريوطي ) قبیل موته إلا أنه لم يشرإلى ما جاء في إنجيل متى ۲۷/ ٥ من أنّ ( يهوذاالإسخريوطي ) قد قتل نفسه خنقًا ، وهو ما يوحي أنه لم يقرأ إنجيل متّى الذي تعرفه اليوم؛ إذ إن خاتمة الانتحار جديرة بأن تنقل في هذا المقام.

[٥] . الجهالة التامة بظروف تدوين الأناجيل : النقاد على جهل تام بزمن تأليف الأناجيل الأربعة والظروف الأولى لنسخها وتداولها. وكل ما يقال مجرد تخمينات ليس لها أصل تاريخي مباشر .

[٦]  غياب معيار منضبط لاختيار الأناجيل الأربعة: لايفيدنا البحث التاريخي بشيء عن سبب اختيار الأناجيل الأربعة دون بقية الأناجيل المتداولة في القرنين الأول والثاني . غاية ما نعرفه هو أن هذه الأناجيل كانت مقدسة عند طوائف من النصارى الذين سينتصرون في المعركة اللاهوتية لاحقًا في مجمع نيقية في بداية القرن الرابع في القرن الثاني)، ولا نعرف عن دواعي الانتقاء الكنسي لهذه الأناجيل شيئًا.
[٧]بولس وتاريخية رسائله: الجزء الأكبر من العهد الجديد يضم رسائل بولس (١٤ رسالة )، وهي وثائق بلا إسناد إلى ( بولس ). وقد أجمع النقاد على أن رسالة بولس إلى العبرانيين – وهي واحدة من أطول رسائله – لا تصح نسبتها إلى ؛( بولس )، واختلفوا في نسبة بقية الرسائل إليه إلا سبعة فقط . علمًا أن ( بولس ) لم ير المسيح، كما أنه لم يكن مهتما بعرض صورة تاريخية تفصيلية لحياته ، بالإضافة إلى أن فهمه لرسالة المسيح يخالف بوضوح ما جاء في الأناجيل.
[٨]مسيحيات مجهولة من القرون الأولى : لم تكن هناك كنيسة واحدة أو نظرة لاهوتية واحدة للنصارى في القرون الثلاثة الأولى، وإنما كانت هناك فسيفساء لاهوتية مهيمنة على المشهد العقدي، وكانت كل كنيسة تزعم أنها الصورة البكر لرسالة المسيح؛ولذلك فالتمييز التاريخي بين جمهور النصاری والحواشي من الهراطقة قبل مجمع نيقية ليس صوابًا ؛ فقد كان التشتت هو الحاكم، وكانت كل كنيسة هي «الكنيسة))
[٩]الاعتماد على قواعد نقدية منهجية ضعيفة: انتهى النقاد إلى مجموعة من المعايير الموضوعية التي يراد منها أن تعين على الفصل بين الأصيل من خبر المسيح والدخيل، وهي كلها محل جدل ونزاع.
ويعتبر معيار الإحراج» (Criterion of embarrassment) – الذي يقرر أن القصص والمواقف التي هي مصدر إحراج للكنيسة وللجماعة النصرانية الأولى يبعد أن تكون مختلفة؛ إذ هي تخدم مصلحة خصوم الكنيسة– أكثر معيار مقبول بين النقاد، وهو في حقيقته دون الصلابة المتوهمة لأن ما قد يراه الناقد اليوم محرجًا، قد لايكون كذلك في الزمن الأول، كما أن الأناجيل الأبوكريفية التي لا تعترف بها الكنيسة، أو النصوص القديمةالمتعلقة بحياة المسيح والتي لا يرى لها النقاد اليوم وزنًا تاريخيًا، تضم كثيرًا من القصصالمحرجة». أضف إلى ذلك أن الذين يختلقون القصص الديني قد يفتعلون « قصصا محرجة » للإثارة المحضة، أو لتوظيفها لأغراض تاريخية أو لاهوتية.

ومن المفاجئ للقارئ – بالإضافة إلى ما سبق بيانه من ضعف القيمة التاريخية للأناجيل – أن الأناجيل لا تعرفنا عن المسيح إلا أقل قليل، خاصة إنجيل مرقس الذي هو أول الأناجيل الأربعة تأليفًا، ومصدر المادة التاريخية الأكبر لمؤلفي إنجيل متّى ولوقا .

وقد كتب الناقد ( دنيس نينهام ) في مقدمة تفسيره الإنجيل مرقس: «إنها الحقيقة تصدمنا أنهم ( كتبة الأناجيل ) لم يخبرونا بأي شئ عن هيئة يسوع وبنيته الجسمية وصحته، كما لم يخبرونا عن شخصيته، وعما إذا كان – على سبيل المثال – سعيدًا مبتهجًا رابط الجأش، أم أنه كان على العكس من ذلك.

إنهم لم يفكروا حتى أن يخبرونا بطريقة ما عما إذاكان قد تزوج أم لا.
كذلك فإنهم لم يعطونا معلومات محددة عن طول فترة دعوته أو عمره حين توفي، كما أنه لا توجد أقل نبذة عن تأثير بيئته الأولى عليه أو عن أي تطور في نظرته ومعتقداته.
لقد أمكن حساب الفترة التي تلزم لإتمام الأحداث التي يرويها مرقس، فوجد أنها لا تتعدى ثلاثة أو أربعة أسابيع، عدا الفقرة ( ۱۳/۱ ) التي تقول : وكان هناك في البرية أربعين يوما يجرب من الشيطان »… لقد دفعت هذه الحقيقة « ستريتر » أن يقرر في كتابه « الأناجيل الأربعة » (ص ٤٢٤) أن المجموع الكلي للأحداث التي سجلها الإنجيل صغير جدًا لدرجة أن الثغرات الموجودة في الرواية لا بد أن تكون هي الجزء الجدير بالاعتبار.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى