يُطلقُ مصطلحُ «الإيمان» في العرفِ الشعبي الغربي على الاعتقادِ في صدقِ أمرٍ دونَ دليلٍ، أو بعبارة (داوكنز) هو: تصديقٌ أَعْمى، في غيابَ الدليلِ، أو حتى على خلافِ الدليلِ» .. هو اعتقادٌ بلا بصيرةٍ ولا وسيلةٍ لإثباتِ ما يُزعَمُ وجودُه؛ فالَفجْوةُ عميقةٌ بين الاعتقادِ وصِحَّةِ مَضمونِه.

حقيقةُ الحالِ هي أنَّ مقابلَ الإيمانِ عدمُ الإيمانِ؛ أي: الكُفْرُ، وليس الإيمانَ المدلَّلَ؛ فالثُّنائيَّةُ الإلحاديّةُ السابقةُ باطلةٌ. الثُّنائيَّةُ التَّضاديّةُ هنا هي الإيمانُ بما يُخالِفُ الحَقَّ، والإيمانُ بما يُطابِقُه. وهنا يكون الجدَلُ.

والسُّؤالُ الأهَمُّ الذي يستدعي جوابًا في مقام دعوى العقلانيّةِ الكليّةِ للإلحادِ:

هل يبدأُ الإنسانُ الملحدُ تفكيرَهُ من الصِّفْرِ المعرفيّ، لِيُقِيمَ بعد ذلك منظومةً معرفيّةً إلحاديّةً كاملةً مُبَرْهَنَةً؟

وجوابُ ذلك لائِحٌ؛ وهو أنَّ الإلحادَ شارِقٌ بالإيمانوِيَّةِ؛ بل قُل: إنَّ عقلانيّةَ الإلحادِ في ذاتها مسأَلَةٌ إيمانويِّةٌ، أو كما قال الفيلسوفُ (ج. بدززوسكي) :

«شعار «العَقْلُ وَحْدَهُ!» لا معنى له على كل حالٍ. العقلُ نفسُهُ يَفْتَرِضُ الإيمانَ سَلَفًا. كيف ذلك؟ لأنَّ الدِّفَاعَ عن العقلِ بالعقلِ واقِعٌ في الدورِ ، ولذلكَ لا قِيمةَ له» .

ثم إنَّ من معارِضاتِ دعوى العقلانيّةِ الكليّةِ للإلحادِ اقتضاءُ العقلانيّةِ الكليّةِ المحالَ؛ إذ يَلْزَمُ من قولِ الملحدِ: إنّه يملِكُ بُرهانًا على صِحّةِ كلِّ ما يعتقده أنّ له بُرهانًا يَعْضُدُ كلَّ بُرهانٍ؛ فهو يؤمن بالأمرِ (أ) لأنه مَدْعُومٌ بالأمرِ (ب)، ويؤمن بِصِحّةِ (ب) لأنه مُدَلَّلٌ عليه بصحّة (ت)، ويؤمن بصوابِ (ت) لِصَوابِ (ث) الذي يُؤَكِّدُ أنه حقٌّ.. وهكذا إلى ما لا نهاية، وهو باطلٌ لأنه يَقْتَضِي التَّسَلْسُلَ إلى ما لا نهاية..

وقد قِيلَ: إنّ الإنسانَ لو سُئِلَ (لماذا؟) عن كُلِّ شيءٍ يدَّعِيهِ، ثمانيَ مرَّاتٍ مُتتالياتٍ؛ فسيجدُ نفسَه في التّاسعةِ عاجزًا عن البَرْهَنَةِ على السببِ.
ومذهب «البرهانية» “evidentialism” في صورتِه الحادَّةِ التي تطلب بُرهانًا لكلِّ دعوى لا بُدَّ أن ينتَهِيَ إلى الشكِّ في نفسهِ؛ لأنّه يحتاجُ إلى بُرهانٍ لا ينتهي تَسَلْسُلُهُ. وهو بذلك يَنْتَحِرُ فِكريًّا بذاتِ مَبدَئِه.

إنَّ العقلَ الإنسانيَّ يَجزِمُ – إذنْ ـ أنّه لا سبيلَ – منطقيًّا ـ لإقامةِ سِلسلةٍ لا تَتناهَى من المقدّماتِ البُرهانيَّةِ لكلّ دعوى، وهو أَمْرٌ يُقِرّهُ فلاسفةُ الإبستيمولوجيا من الملاحدةِ، فلا يخلو تفكيرُ أيِّ إنسانٍ من مُسلَّماتٍ ضرورةً؛ فإنّ فكرًا لا ينتهي إلى قاعدةٍ أُولى لابرهانيّةٍ، لا بُدَّ أن ينتهيَ إلى أنّه «فِكْرٌ خالِصٌ» مقطوعُ الصِلَةِ بالواقعِ لأنَه لا يمتلك قاعدةً تَدَّعي الواقعيّةَ، وهو مذهبُ الفلسفة الاتِّساقِيَّةِ/ التَنَاسُقِيَّةِ (Coherentism).

حقيقةُ الحالِ تَكشِفُ أنّ الملحِدَ يُقِيمُ تفكيرَهُ كما المؤمنِ على مُقدِّماتٍ تَسْلِيمِيَّةٍ، أو ما يُعرَف بـ“properly basic beliefs”، وهي الاعتقاداتُ التي لا تَسْتَنِدُ على برهانٍ، وإنّما هي الأُصولُ التي تَقومُ عليها المعرفةُ، مثلُ تصديقِنا لعقولِنا، وتصديقِ المبادئِ الرّياضيّةِ، ولَولا ذلك لما ادَّعى الملحِدُ القُدرةَ على فَهمِ الواقِعِ ووَصْفِه، وإنكارِ الخالِقِ.

ولا يمكنُ لعالِمِ الطّبيعةِ أنْ يتعاملَ مع الوجودِ المادّيِّ قبل أن يَفْرِشَ أَرْضِيَّةً تَصَوُّريَّةً كونيّة لا يَدَ للعلمِ فيها؛ ومنها وجودُ نظامٍ قابِلٍ للفَهْمِ والرَّصدِ وأنْ تُبنَى عليها مملكةُ العلمِ الواسعةُ؛ ولذلك قال عالمُ الفيزياءِ النظريّة – اللَّاأَدْرِيّ – (بول ديفيس) :

“… حتّى أَشَدُّ العلماءِ إلحادًا يَقْبَلُ إيمانيًّا وجودَ قانونٍ للنِّظامِ في الطّبيعَةِ مفهوم عندنا ولو جُزئيًّا. ولذلك فلا يمكن للعِلمِ أن يتقدّمَ إلا إذا تبنَّى العلماءُ أساسًا نظرةً كونيّةً لاهوتيَّةً » .

وقد كشفَ فيلسوفُ العلوم (توماس كون) في كتابه “الثَّوريِّ” ’’The Structure of Scientific Revoluttions’’ جانبَ الخِداعِ في دعوى حياديَّةِ الفَهمِ العلميّ للعالَم؛ ببيانِهِ أَنَّهُ لا يوجَدُ عالِمٌ يَدْرُسُ الطَّبيعَةَ ناظِرًا في أشيائها إلّا و قد حَمَلَ في ذِهنِه قبلَ هذه النَّظَراتِ نظراتٍ كونيّةً أُخرى، ورُؤًى في الحقيقةِ والمعرفةِ والقِيَمِ سالفةً شكَّلَتْ نَظرتَهُ الكونيّةَ والعلميّةَ السّابقَةَ؛ فلا توجد – بعبارةِ (توماس ناجل)«رُؤيةٌ مِن لامكان» view from nowhere ؛ فـ’’كُلُّ ما يراه الإنسانُ مرتبِطٌ بما يَنْظُرُ إليه، وما علَّمَتْهُ تجرِبَتُهُ البصريَّةُ السّابقةُ أن يراهُ .
والعقيدةُ الإلحاديّةُ – عَيْنًا ـ تقومُ على مُسلَّماتٍ تصديقِيِّةٍ كثيرةٍ تسيرُ ضدَّ البرهانِ، فضلًا عن تلك التي ليس عليها بُرهانٌ؛ ومنها:

• الكَوْنُ أَزَلِيّ أو أنّه حَدَثَ بلا مُحدِث.
• المعلومةُ (information) تَنشَأُ من الفَوْضى.
• النِّظَامُ المُبهِرُ نَشَأَ من العشوائيّةِ العمياء.
• الوَعيُ نشأ من اللّاوعي (من مُجَرَّدِ تفاعلِ كيميائيّاتِ الدِّماغِ).
• الأَخلاقُ المدنيّةُ نشأت من طبائِعِ الغابيّةِ الحيوانيّةِ.
• الحياةُ نشأت من اللّاحياةِ – وهي المسالةُ التي وصفها (هبرت يوكي) أنّها “مجرَّدُ مسأَلةٍ إيمانويّةٍ بالمعنى الضَيّقِ للإيمانِ، تَسْتَنِدُ كُلّيًّا على الأيديولوجيا» –

وعندما يزدادُ الخِناقُ ضِيقًا على العقلِ الإلحاديِّ عند مواجهتِه بأدلةِ الإيمانِ، تَتَعاظَمُ قائمةُ العقائدِ الإيمانيّةِ التي لا يَدعمُها برهانٌ أو المعارِضَةِ للبرهانِ؛ كالقولِ بالأكوانِ المتعدّدة التي لم يَرَها أحدٌ، ولا سبيلَ البتّة لإدراكِ وجودِها، والزعمُ أنّ الوعيَ وهمٌ (Epiphenomenalism)، وأنّه بالإمكانِ إدراكُ وَهْميّةِ حريّةِ الإرادةِ في كونٍ جَبْرِيّ…

والملاحدةُ يحبّون الاعتزاءَ إلى العلمِ والتدثرَ بكشوفِه لبيانِ أنّهم ينتهون إلى ما انتهى إليه العلمُ الطّبيعيّ، غيرَ أنّ العلمَ لا ينصُرُهم في شيءٍ؛ إذ ليسَ في العلمِ كشفٌ واحدٌ ينصرُ دعوى ألّا إله، وهو ما فَضَحَهُ عالِمُ الرياضيات والبيولوجيا الفيلسوفُ اللاأدري (دافيد برلنسكي) في غلافِ كتابِه الخارجيِّ «وَهْمُ الشَّيطانِ: الإلحادُ ودَعَاويهِ العلميّةِ» (٢٠٠٩ م)، مُلَخِّصًا خاتمةَ رحلةِ فتوحاتِ العلمِ:

«هل قدّمَ أيُّ شخصٍ دليلًا على عدمِ وجودِ الله؟ لا، ولا قريبًا من ذلك.
هل شَرَحَ علمُ كوسمولوجيا الكَمِّ ظُهُورَ الكونِ أو لماذا هو هنا؟ لا، ولا قريبًا من ذلك.
هل أَوْضَحَت علومُنا لماذا يبدو الكونُ لدينا مضبوطًا بدقّةٍ لتُوجَدَ الحياةُ؟
هل يريد الفيزيائيّون والبيولوجيّون أن يؤمنوا بأيّ شيءٍ ما دام أنّه ليس فِكرًا دينيًّا؟ الأمر قريبٌ من ذلك.
هل قدَّمَتْ لنا العقلانيّةُ والفكرُ الأخلاقيُّ فهمًا لما هو جيّدٌ، وما هو حقٌّ، وما هو أخلاقيٌّ؟ الواقعُ ليس قريبًا من ذلك بما فيه الكفايةُ.
هل كانت العالمانيَّةُ في القرنِ العشرين المروّع مصدَرَ خيرٍ؟ الأمرُ ليس قريبًا من أنْ يكون قريبًا من ذلك.
هل هناك عقيدةٌ قويمةٌ رسميّةٌ ضيّقَةٌ وقمعِيَّةٌ في العلومِ؟ الأمرُ قريبٌ من ذلك.
هل يبرِّرُ أيّ شيءٍ في العلومِ أو فلسَفَتِها الادّعاءَ بأنّ المعتَقَدَ الدّينِيّ غيرُ منطقيّ؟ ليس الأمرُ في حُدودِ المقبولِ.
هل الإلحادُ العلميّ ممارسةٌ تافهةٌ في ازدراءِ الفكرِ؟ الأمرُ كذلكَ لا ريب.

ذاكَ هو البرزخُ الذي لا يزالُ يفصِلُ الإيمانَوِيَّةَ الإلحادِيَّةَ بروحِها الرّغبَويّةِ المُهْتَاجَةِ عن شَواهِدِ الكون على حقيقةِ الوُجودِ..
ولا يزالُ التّفكيرُ الرّغبويُّ يصنَعُ وِجهَةَ الإلحادِ الجديدِ ونُقُودَه وقِراءَتَه التكوينيّةَ للوجودِ وصيرورةِ الحياةِ حتى لحظتِنا؛ حتى اِلْتَجَأَ (داوكنز) إلى نَفْخِ الرّوحِ في احتماليّةِ نشوءِ الحياةِ على الأرضِ بفعلِ كائناتٍ فضائيةٍ متطورةٍ، رغم أن فكرةَ الكائناتِ الفضائيّةِ التي تزورُ أرضَنا أقربَ إلى أحلامِ الأطفالِ منها إلى الفروضِ العلميّةِ، لكنّها عند (داوكنز) محرابٌ يلتجِئُ إليه إذا عُدِمَ الدّليلُ وكان البديلُ هو الإيمانُ باللهِ، في إيمانويّةٍ يحسُدُه عليها المُؤَلِّهَةِ..

بل لما سُئِلَ (داوكنز) عن السِّلسِلة التّطوّريّة لريشِ الطّيورِ – وهو شيءٌ معقدٌ جدًا، وغيرُ قابلٍ للتَّبسيطِ ـ، أجابَ:

«لا بُدَّ أنّ هناك سلسلة من التطوراتِ للوصولِ إلى الرّيشِ، إذا لم يمكنك أنْ تتصوّرَ طريقًا لذلك؛ فتلك مشكِلَتُك وليست مشكلةَ الانتخابَ الطبيعيّ» .

وهذه مغالطةٌ بيّنةٌ لأنّ الحجةَ على المدّعِي، والخيالُ لا يُسعِفُ دونَ برهانٍ، وقد تداركَ (داوكنز) نفسَه في الجملةِ نفسِها بعدَ أن اكتَشفَ وضوحَ مغالَطَتِه، فأضافَ بصراحةٍ يُحْمَدُ عليها: تلك مسألةٌ إيمانويٌّة منّي ، وهو بذلك يدحض قوله: إنّ

«الإيمانَ العلميَّ يقومُ على براهينَ قابلةٍ للاختبارِ متاحةٍ للجميعِ، في حينِ لا يفتقدُ الإيمانُ الدينيُّ البرهانَ وحدَه، وإنما استقلالُه عن البرهانِ مصدرُ ابتهاجِه» .

وهذه ظاهرةٌ يسهُلُ كشفُها عندَ محاورةِ أعلامِ الملاحِدَةِ، وليست من سَقَطَاتِ (داوكنز)؛ فهذا الملحِدُ الشّرس (لويس ولبرت) المعروفِ بعنادِه الطفوليِّ في مناظراتِه – يقولُ في حديثِه عن أصْلِ الحياةِ من ناحيةٍ علميّةٍ:

«كيف نشأت الخلية، ذاكَ أمرٌ … WOW، إنّه أمْرٌ يذهبُ بالعقلِ، إنّه أمرٌ معجزٌ حقيقةً ـ تقريبًا بالمعنى الدينيّ»،

ولما سُئِلَ كيف يجمعُ بينَ تصويرِ الأمرِ أنّه معجزةٌ مع إيمانِه بالتّفسِيرِ الداروينيّ، أجاب:

لا يوجدُ في الحقيقةِ طريقٌ آخَر، وإلّا فعليكَ أن تذهبَ إلى تفسيرِ الأمرِ بوجودِ الله! 

والطابعُ الإيمانويُّ الإلحاديُّ خصمٌ للبحثِ العلميِّ الجادِّ والهادِئِ؛ إذ هو يسارعُ إلى صَبغِ النتائجِ بصبغتِه المادّيّةِ قبلَ الوفاءِ للبحثِ بحظِّه من النّظَرِ، خاصّةً في المباحثِ التي يتنازَعُها التفسيران العشوائيُّ والحكيمُ؛ ولذلك صَرَخَ الفيزيائيّ الحائزُ على نوبل (روبرت لاغلن) قائلًا: كثيرٌ من معارفِنا البيولوجيّةِ اليومَ أيديولوجيا، ومن علاماتِ التفكيرِ الأيديولوجيِّ التفسيرُ الذي ليست له لوازِمُ، ولا يمكن اختبارُه، وأنا أسمي تلك المآزقَ المنطقيَّةَ: «ضدَّ النَّظريَّاتِ»؛ لأنها تحملُ بالضَّبطِ الأثَرَ العكسيَّ للنظرياتِ الحقيقيّةِ: إنها تُجَمِّدُ التّفكيرَ بدَلَ استفزازِه، التطوُّرُ عبرَ الانتخابِ الطبيعيِّ مثلًا، والذي ذهبَ داروين إلى أنّه نظريّةٌ عظيمةٌ، تبيّنَ مؤخّرًا أنه يعملُ «ضِدَّ النَّظريّةِ» بأن يتم استعمالُه للتغطيةِ على نقائصِ الاختباراتِ المحرجةِ، وتسويغُ النتائجِ التي هي في أفضلِ الأحوالِ محلُّ ريبةٍ وفي أسوَئِها لا تبلغُ أن تكونَ حتى خطأً .

إن الإيمانَ الإلحاديَّ عندَ الفحصِ والتفكيكِ، شَرٌّ من الإيمانِ العجائزيِّ الأعْمَى الذي يَنْعَاهُ الملاحدةُ على المُؤَلِّهَة، فهو في حقيقتِه ـ كما يقولُ عالم الجينات الملحِدُ (ريتشارد ليونتن) في مقالِهِ النَّقديِّ لأحدِ كتبِ الملحِدِ الشَّهيرِ (كارل ساجان) – يقومُ على تصوّراتٍ تخالِفُ البَدَاهَة بما هو ظاهرُ الفسادِ علميًّا. ويَفضَحُ (ليونتن) أصلَ الَّداءِ بقولِه:

إننا «نَحمِلُ التزامًا مبدئيًّا، التزامًا بالخضوعِ للمادّيّةِ، ليست مناهجُ العلمِ ولا مؤسَّساتُه هي التي تُلزِمُنا بصورةٍ ما بقَبُولِ تفسيرٍ مادّيٍّ لهذا العالَمِ المذهلِ، وإنّما على العكسِ من ذلك، نحن مُلزَمُون سلفًا بولائِنا للأسبابِ المادّيَّةِ لخَلقِ هامشٍ للبَحثِ ومجموعةٍ من المفاهيمِ التي تُنتِجُ تفسيراتٍ ماديّةٍ، مهما خالَفَ ذلكَ البَدَاهَةَ» .

والإيمانُ الأعمَى للإلحادِ يقودُ ضرورةً إلى اتّخاذِ العُنفِ اللّفظيّ جُنَّةً يُتَّقَى به ويُقاتَلُ من وَرَائِهِ، وإرهابُ المخالِفينَ بصكوكِ الحرمانِ ولَعَنَاتِ الهرطقة، كما كان الحالُ مع (توماس ناجل) بعد كتابِه عن الّداروينيَّةِ وعُقمِ رَحِمِها التّفسِيريِّ، وفسادِ الأرضيّةِ المادّية لتفسيرِ المجالِ الأحيائيِّ وتعقيدِه المُبهِرِ، خاصَّةً ظاهرةُ الوَعْيِ ، فقد رُمِيَ بالهرطقة رغمَ أنّه ما يزالُ مخلصًا لإلحادِه ووُضِعَت صورَتُه على غلافِ مجلةِ (The Weekly Standard)، وهو مكتوفُ اليدينِ وتحتَه نارٌ، ومن حولَه يوقدِونَها، وبجانِبِه كلمةُ «المهرطق». كما شبَّه (داوكنز) فيلسوفَ العلومِ الملحدَ (مايكل روس) بإحدى الشّخصياتِ البريطانيّةِ التي عُرِفَت بتنازُلِها أمَامَ (هتلر) والنازيّة؛ لأنّه لم يرضَ لاعلميّةَ مقولاتِ تيّارِ الإلحادِ الجديدِ وعاطفيّتَه غيرَ المنضَبِطَةِ، وانحازَ إلى القائِلينَ بتَهَافُتِ طَرحِه .

لقد صَنَعَ الملاحدَةُ لأرثودكسيّات كنِيسَتِهم حمًى دونَه الاغتيالُ المعنويُّ؛ لأنّ إيمانيَّاتِهم العَمْياءَ مصدَرُ ابتهاجِهم.


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 4.1 / 5. عدد الأصوات 8







مشاركة عبر البريد الإلكتروني