لم يَمْنَعْ عقمُ الإلحادِ دُعاتَهُ من أنْ يُؤَسِّسُوا رُؤًى كونيَّةً تُحاولُ إِقامةَ قِيَمٍ إيجابيَّةٍ؛ كالحديثِ عن قيمةِ الحريةِ عند (سارتر)، والعدلِ عند (ماركس)، والخيِر عند (هتشنز)، والرفاهيَّةِ الإنسانيّةِ عند (هاريس).. ولكنّ الإلحادَ في حقيقَتِهِ لا يُهَيِّئُ لهذه القيمِ قواعدَ وجودِيَّةٍ؛ إذ ليس في أرضِ الإلحادِ غيرُ الجَدْبِ القيميّ، ولذلك فالإلحادُ – على الحقيقةِ ـ يَسْرِقُ من قيمِ الدّينِ في بيئَتِهِ ليقيمَ عليها دعوتَه؛ إذ إنّ كلَّ الدّعاوى الإيجابِيَّةِ للإلحادِ تقومُ على مقدِّمَتَين أساسِيَّتَين، وهما أنّ للحياةِ معنًى أصيلًا – بصورةٍ ما -، وأنّ الإنسانَ كائنٌ شريفٌ له قيمتُه في هذا الكونِ، وهما ادِّعاءان ينافِرَان العَدَمِيَّةَ الصميميّةَ للإلحادِ.

إنّ الإلحادَ عدميٌّ ضرورةً لأنّه لا يعتَرِفُ بغيرِ المادّةِ والطاقَةِ والحركةِ، وليس من بين ذاك قيمَةٌ كونيّةٌ ذاتيّةٌ؛ ولذلك فالدعوةُ إلى أن تكونَ الحياةُ والإنسانُ مصدرًا لقيمةٍ أو محلَّ إكبارٍ، نشازٌ في كونٍ بلا قلبٍ.. وفي عالَمِ الأشياءِ المَحْضَةِ، لا معنى لغيرِ أبعادِ الطُّولِ والعرضِ والعمقِ وفيزياءِ الحركةِ.. كلّ شيءٍ يُقَاسُ بأبعادِه المادّيةِ الصُّلْبَةِ وتَحَرُّكِهِ المجاليِّ الصَّامِتِ.

وقد فَضَحَ (نيتشه) – خصمُ الأديانِ الأكبرِ في القرونِ السَّالِفَةِ – الملاحِدَةَ الذين يُكْبِرُونَ العَطْفَ والخيرَ والإحسانَ إلى الضّعيفِ، فهم – عنده – ملاحدةٌ بدخائلَ دينيّةٍ (نصرانيّة)؛ إذ لم يَتَمَكّنُوا من تَجاوُزِ القيمِ الدّينيةِ إلى النَّظرةِ المادّيةِ العدميّةِ الصادقةِ، والظّريفُ هنا أنّ (نيتشه) نفسُه وقعَ في ما حذَّرَ منه؛ إذ إنّه انتَهى إلى الدّعوةِ إلى معاني القوةِ والعَظَمَةِ والمَجْدِ وتحدّي الكونِ؛ لِصناعَةِ (السوبرمان)، ولكن لا معنى للـ(سوبرمان) في كونٍ لا معنى فيه للشّجاعةِ والمجدِ؛ إذ الحياةُ ترابٌ إلى ترابٍ، ولُحُودٌ تَسْتَقْبِلْ ما رمَّ ومُهُودٌ تَحتَضِنُ ما اسْتَهَلَّ، ولا شيءَ بينَهما غيرَ الحركةِ التّائهةِ بلا قِبْلَةٍ، وقُبْلَةُ الموتِ تُنْهِي كلَّ شيءٍ.. عالَمُ الإنسانِ كعَالَمِ الذّبابِ، ليس فيهما غيرُ السيرِ في اتّجاهِ الفَنَاءِ…!

إنّ الملحدَ المهتمَّ بالفعلِ وقيمتِه هو ـ داخِلُ مَنْظُومَتِه التّصوُّرِيّةِ ـ كائنٌ طُفَيْلِيّ أخلاقِيًّا؛ إذ يعيشُ على الأخلاقِ المُقْتَرَضَةِ من الأديانِ ، ويُجرِي أفعالَه على السَّجيَّةِ الخَيّرَةِ التي خَلَقَهُ اللهُ -ﷻ- عليها، غير أنّه يَجْتَهِدُ أمرَهُ لإنكارِ فقرِهِ وأنّ إلحادَهُ عنوانٌ بلا مَضمُونٍ إيجابيٍّ ذاتيٍّ أصيلٍ؛ فكلّ حَسَنَةٍ عند الملاحدةِ لَقِيطَةٌ قِيَمِيَّةٌ، أصلُها دينُ المجتَمَعِ.

وقَد كتبَ الفيلسوفُ الملحِدُ (جون جراي) مقالًا من وَحْيِ الدَّهْريّةِ المادّيةِ، تحت عنوانِ (الإنسانيةُ غيرُ موجودةٍ)، قال فيه:

«دعوى أنّ الإنسانيةَ (humankind) لها مَقَامٌ خاصٌّ ضِمْنَ مجموعِ أشياءِ العالَم تملكُ حضورًا ضمنَ أدَبِيّاتِ المفكّرِين اللّادِينيّين الذين يقولونَ لنا: إنّ الإِنْسَ قَد ظَهرُوا صُدفَةً، ويُصِرُّون على أنّ (الإنسانيةَ) يمكنُ أن تَضُخَّ الغائيّةَ في العالَمِ، ولكن في الفلسفةِ الطَّبِيعَانِيَّةِ البَحْتَةِ، ليس لجنسِ الإنسِ أيُّ غايةٍ، ليس هناك سوى الإنسِ، مع دوافِعِهم وأهدافِهِم المُتَضارِبَةِ. باستخدامِ العلمِ، يُغَيِّرُ الإنسانُ كوكبَ الأرضِ، ولكن (الإنسانيةَ) لا يمكن أن تستخدمَ معرفَتَها المتنامِيَةَ لتحسينِ العالَمِ؛ لأنّ الإنسانيّةَ لا وجودَ لها» .

وفي غيابِ مفهومِ «الإنسانيّةِ» يغدو الدّفاعُ عن حقوقِ الإنسانِ، والقيمِ النَّبيلَةِ للإنسانِ، وأحلامِ الإنسانِ… هَذَرًا نَدِيًّا يُرَطِّبُ قَسْوَةَ الوجودِ المادِّيِّ، لكنّه يَعجَزُ أن يُحَوّلَه إلى شيءٍ حيٍ؛ فليس في تلك المطالبِ روحُ الحياةِ، ولا في تلك الأرضِ قابليّةُ الحياةِ، فهي ملساءُ بلا مَسَامٍّ…

بل دعني أُلَخّصُ الأمرَ من زاويةٍ أخرى، فأقول: إنّ أدلةَ الإلحادِ اليومَ تدورُ حولَ النُّقاطِ التاليةِ:

• العقلُ يدلُّ على أنّه لا يُوجَدُ إلٰه.
•العلمُ يدلُّ على أنّه لا يُوجَدُ إلٰه.
• التطوُّرُ يدلُّ على أنّه لا يُوجَدُ إلٰه.
•الأخلاقُ تدلُّ على أنّه لا يُوجَدُ إلٰه.
•الشَّرُّ يدلُّ على أنّه لا يُوجَدُ إلٰه.

والحقيقةُ أنّ كلَّ الأمورِ السّابقةِ المُعتَرَضِ بها على وجودِ الله -ﷻ- لا يمكن أن توجَدَ دونَ وجودِ اللهِ -ﷻ-؛ فالعقلُ أَثَرٌ عن مَلَكَةٍ تتجاوَزُ ذَرَّاتِ الدماغِ ونبضاتِه، والعلمُ أثرٌ عن كونٍ منظَّمٍ قابلٍ للفَهْمِ، والتَطَوُّرِ ـ إن قلنا بصِحَّتِه جَدَلًا ـ عَالَةٌ على ضَبطٍ دقيقٍ للكونِ، والأخلاقُ فرعٌ عن الإيمانِ بِمُقَنِّنٍ للأخلاقِ الموضوعيَّةِ في فِطَرِ النَّاسِ، والشَّرُّ فرعٌ عن الإيمانِ بخيرٍ، والخيرُ فرعٌ عن حكيمٍ كريمٍ، وما الإلحادُ إلا لصٌ يسرقُ من رصيدِ الإيمانِ ليكتسبَ أنفاسَ الحياةِ!


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 4.2 / 5. عدد الأصوات 5







مشاركة عبر البريد الإلكتروني