يفتقد الحوار الفلسفي والعلمي القائم اليوم – في كثير من الأحيان – الأمانة في عرض الحقائق والدفاع عن المذاهب. وأبرز معلم لهذا الانحراف كثرة المغالطات المنطقية التي يمارسها كثير من المتناظرين. ويحسن بنا أن نعرف بعضها حتى يكون القارئ على بينة منها، ويزن بها ما يمرره هذا الكتاب من دعاوى، وما يعرضه من أقوالي للمخالفين، ومن ردود عليهم.

1-مغالطة الالتباس (fallacy of equivocation): وهي مغالطة تظهر في تغيير معنى الكلمة في الجملة نفسها، باستعمالها مرة بمعنى غير مذموم، ثم استعمالها بمعنى آخر مقبوح يكون محل الإنكار؛ كاستعمال كلمة «إيمان» مرة بمعنى تصديق ما هو غيب عن الحواس، وفي أخرى في الجملة نفسها بمعنى تصديق ما لا تدركه الحواس ويشهد ضده العقل والعلم.
مثال: الإيمان هو تصديق ما لا تراه العين؛ وذاك برهان فساده؛ لأن الإيمان يقابل ما يشهد له البرهان.

2- مغالطة رجل القش (Straw Man fallacy): تشويه مذهب المخالف أو حجته لتبدو ضعيفة متهافتة، ثم مهاجمة هذا المذهب أو هذه الحجة في صياغتهما المشوهة.
مثال: الإسلام دين يدعو إلى إنكار السنن الكونية والإيمان أن الكون تحركه إرادة الله من خلال الخوارق؛ ولذلك فالمرء إما أن يؤمن بالعلم والقوانين الطبيعية أو أن يؤمن بالله والمعجزات.

3- مغالطة السلطة الزائفة (False authority): الاحتجاج بمرجعية غير موثوق بأهليتها في الموضوع محل الجدل؛ إيهاما أن رأي المناظر يدعمه أهل التخصص أو الخبرة.
مثال: الاحتجاج بأقوال الفيزيائيين ممن لا تعرف لهم عناية بالدراسات الفلسفية في مسائل متعلقة بفلسفة العلوم، أو الاحتجاج بتعريف بعض الفيزيائيين للعدم الفلسفي (nothingness) – الذي هو الخلو من كل شيء -، للعدم الفيزيائي (الفراغ ) -الذي هو طاقة تسبح في مكان وزمان-.

4- مغالطة الاحتكام إلى الصخرة (argumentum ad lapidem): اتهام مذهب المخالف بالفساد دون بيان سبب فساده.
مثال: الإيمان بالله سذاجة عقلية؛ فلا يصدق بوجود الله إلا الجهلة.

5- مغالطة المعضلة الفاسدة (False dilemma): وضع المخالف أمام خيارين فاسدين لا ثالث لهما. وإلزامه أن يختار أحد الخيارين رغم وجود خيار ثالث منطقي .
مثال: إما آن تؤمن أن العلم يفسر كل شيء أو أن تؤمن بالخرافات والأساطير (هناك خيار ثالث؛ وهو أن العلم يفسر بعض الظواهر، ويفسر الوحي والعقل أخرى، وتبقى حقائق أخرى بمنأى عن الفهم؛ لا يدركها العقل ولا العلم، ولم يبح الوحي بسرها).

6 – مغالطة حجة الجهل (argumentum ad ignorantiam): يزعم الواقع في هذه المغالطة أن دعواه صحيحة حتى يثبت خلافها أو عكس ذلك، غير آبه بأنه لم يتم البحث جيدا في إمكان ثبوت القول أو الأقوال المخالفة. وعادة ما يراد نقل عبء الإثبات بهذه المغالطة إلى المخالف.
مثال: (إبراهيم) النبي أسطورة؛ إذ إننا نجهل وجود برهان يدل على وجوده.

7 – مغالطة الحيدة عن المطلوب (lgnoratio elenchi): تقدم هذه المغالطة حجة لا تؤدي إلى النتيجة المدعاة.

مثال: أحداث العنف في السنوات الأخيرة هي – كما يقول الإعلام الغربي – من فعل المتدينين؛ لذلك لا يمكن أن يكون سلام وأمان دون محاربة التدين. (تهمل هذه المغالطة أن هذه الدعوى – إن ثبتت ـ فمن الممكن تفسيرها بسوء فهم النصوص الدينية لا أن استباحة أمن المسالمين سببه دعوة كل الأديان إلى ذلك).

8 – مغالطة المصادرة على المطلوب (Begging the question): تضمين النتيجة في المقدمات.
مثال: العالم مادة، ولا وجوة لغيرها؛ ولذلك فالحديث عن الإله ضلالة. (المطلوب من الملحد إثبات أن العالم مادة، في حين أن البرهان ينطلق من دعوى أن العالم مادة، ولا يهتم بإثبات ذلك).

9 ـ مغالطة نقل عبء الإثبات (Shifting the burden of proof): ادعاء صاحب الدعوى أنه ليس ملزما بإثبات ما يدعي، وأن مخالفه هو المطالب بالبينة، على خلاف الأصل.
مثال: نشأة الحياة كانت أثرا عن صدفة، وعلى القائل بالخلق الخاص أن يثبت أن نشأة الحياة كانت عن تصميم.

10 – مغالطة الالتماس الخاص (Special pleading): استثناء أمر او مسألة ما من حكم عام، دون دليل .
مثال: ليس في الكون إرادة حرة، فكل شيء محكوم بجبرية قانون المادة، غير أن الإنسان يملك إرادة حرة ليسير عكس قانون الجبرية.

11 – مغالطة الرنجة الحمراء (Red herring): تشتيت ذهن المخالف وخداع السامعين بالانتقال من السؤال الأصلي إلى قضايا جانبية.
مثال : لا يوجد إله؛ فالمتدينون أشرار متجهمون دائما .

12 – مغالطة الشخصنة (A hominem): مهاجمة الشخص لا الفكرة لإسقاط الفكرة.
مثال: المسلمون متخلفون اقتصاديا؛ ولذلك فحديثهم عن تأسيس نهضة إنسانية على أسس عادلة تحقق الرفاهية للجميع لا قيمة له.

13- مغالطة تسميم البئر (Poisoning the well): فرع عن مغالطة مهاجمة الشخص لا الفكرة؛ وذلك بذكر معلومات عن المخالف أو مصدره غير متعلقة بموضوع المباحثة بقصد إسقاط قيمة ما يقول.

مثال: أنصار «التصميم الذكي» في أمريكا نصارى يؤمنون بخرافات التوراة؛ ولذلك فما يقولونه في أمر التصميم محض حرافة.

14 – مغالطة الاقتباس دون مراعاة السياق (contextomy): نسبة دلالة إلى نص يشهد بخلافها السياق.
مثال: اقتباس قوله تعالى:( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) البقرة: ١٩١ لبيان أن القرآن يدعو إلى إبادة غير المسلمين، رغم أن تتمة الآية تقول( و أخرجوهم من حيث أخرجوكم) البقرة: ١٩١ بما يدل أنها لا تعم كل الكفار، ولها سياق خاص.

15 – مغالطة السؤال المعقد أو المتعدد (Plurium interrogationum): وهي عرض دعوى صريحة أو ضمنية، وافتراض تسليم المخالف بها ضرورة.
مثال : أنت إنسان مثقف، فلماذا تسلم بصورة لا برهانية بوجود الله؟ (المغالطة هنا تفترض أنك تسلم بصورة لا برهانية بوجود الله.)

16 – مغالطة القياس الفاسد (False analogy): افتراض أن تشابه امرين في بعض الأمر حجة للمطابقة بينهما في كل الأمر أو جله.
مثال: الكتب الدينية تخالف العلم ضرورة؛ ألا ترى أن الكنيسة خالفت العلم في أكثر من مسألة انتهى فيها الناس إلى الانحياز إلى جانب العلم ضد الدين! (الاعتراض يقيس كل الكتب الدينية على أسفار الكنيسة.)

17 – مغالطة الواقعية (Fallacy of Reification): إسباغ صفة الأشياء المشخصنة على مفاهيم مجردة.
مثال: بإمكان العدم أن يوجد الكون من لا شيء. (العدم الفلسفي هو محض غياب كل شيء. وغياب كل شيء يمنع وجود شيء له إرادة وقوة للفعل ابتداء).


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 5 / 5. عدد الأصوات 2







مشاركة عبر البريد الإلكتروني