يقول الملحد:

كان الإيمان بإله ضرورة معرفية في العصور السالفة؛ لحاجة الإنسان إلى تفسير الظواهر الطبيعية؛ كالبراكين والزلازل والأمطار والجدب؛ بالفعل المباشر غير السنني، وأما اليوم، فنحن في غنى عن هذا التفسير العجائبي؛ فقد مكننا العلم الطبيعي من معرفة القوانين المادية التي تحكم تلك الظواهر؛ بما يغنينا عن «التفسير الديني».

الجواب :
الثنائية التي يكرر ملاحدة الغرب أن عليك أن تختار أحد طرفيها هي: الله أو القوانين الطبيعية؛ فإذا آمنت أن ظواهر المطر والبرق والرعد.. وغير ذلك من طبائع الطبيعة تفسرها القوانين المادية؛ فأنت حينئذ مستغن عن الإيمان بإله بما علمت من نواميس المادة. وإذا آمنت بالله؛ فعليك عندها أن تنكر القوانين الطبيعية، وترى ظواهر الوجود آثار تدخل خارقي كل حين.. وهي ثنائية فاسدة، ومزيفة، ومقلوبة.

أولا: هي ثنائية فاسدة لأنه لا تعارض بين وجود الله ووجود القوانين؛ إذ العلم الطبيعي هو: معرفة قوانين الكون. ووجود القوانين الثابتة والمتقنة فقير إلى تفسير؛ إذ العبثية لا تنتج قانونا، والقانون أثر عن حكمة وقدرة؛ ولذلك قال الفيلسوف (ريتشارد سوينبرن):

«أنا لا أنكر قدرة العلم على تفسير الكون، وإنما أنا أفترض وجود الله لتفسير لماذا يملك العلم القدرة على التفسير. إن نجاح العلم في أن يظهر لنا مبلغ الانتظام الكبير لعالم الطبيعة يوفر لنا أرضيات قوية للإيمان أن هناك سببا أعمق لهذا النظام» .

إن العلم الطبيعي بحاجة إلى الإقرار بوجود الله لتفسير وجود العلم التفسيري للطبيعة.

ثم إن الكون الإلحادي العشوائي بعيد عن أن يضم قوانين؛ فضلا عن أن تكون القوانين بهذا التكامل والإتقان الذي نراه في كوننا. إن الكون الإلحادي مجموع: مادة وطاقة وحركة عمياء. والقوانين المتقنة غريبة عن تلك الصبغة الباهتة.
المغالطة الإلحادية هي ـ إذن – في :

• استدعاء الوسائط (القوانين) لإنكار خالقها.
• إنكار حاجة الوسائط إلى تفسير يتعارض مع حقيقة أن جنسها (النظام) لا يلتقي مع جنس الكون الإلحادي العشوائي الأعمى.

إن علمنا بالطريق الآلي لعمل السيارة لا يمنعنا من الإيمان أن لها صانعا، وإنما يدفعنا نظامها المعقد والمرتب إلى تطلب صانع ذكي لها.

«الاكتشاف العلمي هو اكتشاف ديني أيضا؛ إذ لا تعارض بين العلم والدين؛ فإن معرفتنا بالله تزداد عند كل اكتشاف علمي لنا عن العالم» . عالم الفيزياء الفلكية الحائز على جائزة نوبل (جوزيف هوتن تايلر)

لم يستشعر علماء الطبيعة في تاريخ الإسلام أن فتوح العلم بالسنن الكونية سبيل لتقليص مساحات عمل الإله أو سلطان فعله في الوجود؛ بل العلم بالسنن الكونية من أعظم بوابات العلم بكمال قدرة الله وعلمه ورحمته بخلقه
والقرآن يقول: ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها و من الجبال جدد بيض و حمر مختلف ألوانها و غرابيب سود و من الناس و الدواب و الأنعم مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلمؤا إن الله عزيز غفور) فاطر: ٢٧ -٢٨ فالعلم بالله وآثاره في خلقه سبب للخشية، والجهل يورث الغفلة. ولا يورث العلم بآثار الخالق خشية حتى يقترن بصفاء النفس من مكدرات الفتنة، ورواسب المضلات العقدية التي يتلبس بها الماديون من علماء الطبيعة.

«دعوى أن العلم والدين في نزاع دائم لم يعد يأخذ بها أحد من كبار مؤرخي العلم بجدية» . الفيلسوف (أليستر ماكجراث).

ثانيا: هي ثنائية مزيفة؛ لأن الثنائية الحقة التي على العاقل أن يختار أحد طرفيها لتفسير وجود العالم هي (السبب الأول) أو (اللاسببية)؛ فهل الكون ناشئ عن سبب أول أم أن وجوده غير مسبب؟

والثنائية التي تلزمنا بالتقاط الحق من أحد طرفيها في شأن صورة الكون هي (النظم والعناية) أو (العشوائية المادية)؛ فهل ترتيب الأجرام والقوانين وظهور الحياة أثر عن إرادة وحكمة أم نتيجة حركة غير موجهة إلى غاية عليا. .؟ هنا يقع التنافر بين الخيارين المتدابرين، ولا يملك من يبغي معرفة تفسير الوجود المادي أن يهملهما معا أو يختارهما معا. . إما هذا أو ذاك. وبالجواب يعلم وجود الله أو صواب المادية الإلحادية.

ثالثا: هي ثنائية مقلوبة لأن العلم المادي اليوم بكشوفه المتنامية في العالم الأكبر (الكون) والعالم الأصغر (الخلية والذرة) ينصر بصورة أقوى من أي زمن مضى حاجة الكون إلى خالق ومصور؛ فإن العلم الطبيعي لم ينصر حاجة الكون إلى خالق يحدثه من العدم! إلا بداية من القرن العشرين مع الكشف عن ظاهرة تمدد الكون، بعدما كان الاعتقاد العلمي الشائع ينصر لقرون القول بأزلية المادة. كما أنه مع التعرف عن كثب على قوانين المادة والثوابت الفيزيائية انفجرت ينابيع جديدة من المعارف تؤكد أن ظهور الحياة في الكون رهين علم وإرادة ودقة في الصنع ما كانت تخطر في عقول علماء الكونيات في العصور السابقة. فالعلم اليوم أعظم نصير للإيمان بالله.

ولذلك يقول الكيميائي الشهير (جيمس طور) المهتم بأدق علوم الكيمياء العملية؛ أي: «النانوتكنولوجى»:

فقط الغر الذي لا يعرف شيئا عن العلم هو الذي يقول: إن العلم يصرف الإنسان بعيدا عن الإيمان. إذا كنت تدرس العلوم حقيقة؛ فسوف يجعلك ذلك أقرب إلى الله.

 


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 0 / 5. عدد الأصوات 0







مشاركة عبر البريد الإلكتروني