يقول الملحد:

صحيح أنه لا يمكن إثبات عدم وجود إله، لامتناع إثبات العدم، لكن هذا العجز لا يمكن أن يكون حجة لإثبات وجود إله، آلا ترى أنه لو قال قائل: «إن خالق الكون هو «وحش السباجيتي الطائر» الذي لم يره أحد»، فلن يفلح أحد في أن ينفي أنه الخالق؛ لأنه لا يمكن نفي وجود وحش طائر يتكون من أعواد السباجيتي مع قطعتي لحم. وقد أنشئت ـ بالفعل – «كنيسة وحش السباجيتي الطائر» سنة ٢٠٠٥ في أمريكا للسخرية من دعوى المؤمنين بإله الذين يتخذون العجز عن إثبات عدم وجود الله حجة لوجوده..

الجواب :

أولا: ذاك تصوير مغالط وساذج لإيمان المسلمين. هو تفسير قد يصدق على من يؤمن بآلهة جبال الألب، أو أي إله تفسير وجوده الوحيد أنه خفي عن الأنظار. إن المسلم يؤمن بالله لأنه يعلم أن وجود هذا الكون يدل ضرورة على وجود إله؛ إذ إن وجوده التفسير الوحيد لخلق الكون من عدم، وضبط الكون وترتيبه، وظهور الحياة وتعقيدها، ووجود الأخلاق الموضوعية، والنبوات، والمعجزات. . . وأما وحش السباجيتي الطائر؛ فهو افتراض كائن متحيز في مكان ما بعيدا عن أنظارنا وآلة الرصد عندنا؛ فحجة وجوده عدم إمكان نفي وجوده، إن سلمنا جدلا أن عدم الوجدان حجة للوجود ـ. ..ثم إن وجود الإله في الإسلام يفسر كل شيء، ووحش السباجيتي دعوى تحتاج هي نفسها إلى تفسير؛ فما هي بخاتمة البحث عن التفسير النهائي الذي يفسر ما بعده.

وإن حال أصحاب هذا الاعتراض معنا هو كحال امرئ نظر إلى صاحبه، وقال له: برأيك، ما هو الشيء الموجود في الغرفة المجاورة؟ فأجابه صاحبه: لا أعلم، هناك ملايين الاحتمالات. قطة.. كرسي.. شاشة.. مهرج. . إبرة؟! فقال الأول: فإن قلت لك: توجد فراشة، فهل تملك تكذيبى؟ فأجابه صاحبه: لا أملك تكذيبك، ولكن مجرد احتمال وجود فراشة لا يجعل وجودها في تلك الغرفة حقيقة، ولا حتى راجحا! إنه ممكن من الممكنات. .

وحالنا مع أصحاب هذا الاعتراض كحال رجل قال لصاحبه: برأيك، ما هو الشيء الموجود في الغرفة المجاورة؟ فأجابه صاحبه: لقد رأيت شعر قطة عند الباب، وآثارا طينية لأرجلها هناك، وسمعت مواء من وراء الباب.. لم أر ما في داخل الغرفة؛ لكن كل الدلائل تشير إلى أن قطة بالداخل؛ ووجودها هناك يفسر كل ما لاحظته، ولا أجد تفسيرا آخر لما لاحظته إن لم تكن في الغرفة قطة. أنا ملزم أن أقول بوجود قطة في الغرفة لأنني لا أملك خيارا عقليا غير ذلك لتفسير هذه الظواهر.. ولله المثل الأعلى، وواقع الإيمان بالرب أعظم من ذلك لأنه ليس أثرا عن ترجيح، وإنما دون قبوله المحالات العقلية.

ثانيا: العقل يقضي أن وحش السباجيتي الطائر ليس هو خالق الكون لأنه جزء من العالم الفيزيائي، محدود بحدوده، مكون من أجزاءه، مفتقر إلى بعضه. نحن هنا إزاء شيء ناطق بنفسه أنه لا يحمل من الصفات الإلهية شيئا.

وقد صاغ (راسل) اعتراضه الخاص بحديثه عن إبريق مصنوع من الخزف الصيني يدور حول الشمس في مدار بيضوي لا تدركه التلسكوبات. وهو مثال سيئ؛ لما سبق بيانه، ولأن هناك قرائن إيجابية على عدم وجود هذا الإبريق، مثل غياب مقتضي إنفاق المؤسسات العلمية أو التجارية أموالا ضخمة هائلة لمجرد وضع إبريق في مدار سماوي، فهو وإن كان ممكنا من الممكنات، إلا أن القرائن تجعل وجوده بعيدا جدا، في حين أن وجود الله أمر واجب، دونه المحالات.

ويكشف مثالي وحش السباجيتي وإبريق (راسل) جهل أعلام الإلحاد بالتراث الفكري لجدل المؤلهة الإيماني، وغزارة الأدلة، وتعاضدها، ومتانتها؛ ولذلك علق الفيلسوف (ويليام لين كريج) غاضبا، وساخرا:

الدرس الحقيقي الذي يمكن تعلمه من دعوى وحش السباجيتي الطائر هو أن ثقافتنا الشعبية بعيدة بصورة كلية عن التراث العظيم للاهوت الطبيعي… يظهر اعتقاد الناس أن الإيمان بالله هو مثل الاعتقاد الذي لا أساس له في وهم الوحش جهلهم المطبق بكتابات أنسيلم، والأكويني، ولايبنتس، وبالي، وسورلي، وكثير من العلماء الآخرين، في الماضي والحاضر …

ولو أضاف (كريج) خبر الثراث الإسلامي العظيم في جدل الرد على الملاحدة؛ لكان قوله أصدق..


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 0 / 5. عدد الأصوات 0







مشاركة عبر البريد الإلكتروني