لماذا يسالُ الملحدُ عن الشرّ، والخير، وعن أحزانِ المتأّلِّمِين، وأوجاعِ المكروبين، ومن أَكْرَثَهُ الهَمَّ؟ لماذا يكترِثُ الملحدُ بتأليفِ كتابٍ عن “وَهْم الإلٰهِ” و”خَطَرِ الدِّينِ”؟

إنّه يَنْطَلِقُ في حَرْبِهِ على الإيمان باللهِ من الإيمانِ بِقِيمةِ الحقيقةِ، وأنّ معرِفَتَها فضيلةٌ، وضرورة التَّحَلِّي بالمحامِدِ، وأنَّ تركَ ذلك نقيصةٌ… ولكنَّ ذلك مخالِفٌ لِجَوْهَرِ الإلحادِ العَدَميِّ؟!

وقد اعترفَ الفيلسوفُ الملحِدُ (ألكسندر روزنبرج) أنَّ الماديّةَ الفلسفيّةَ يَلْزَمُ منها القولُ بالإلحادِ، ويَلْزَمُ من الإلحادِ القولُ بالعَدَميّةِ، ومنها العَدَميّةُ الأخلاقيّةُ، غير أنَّ الملاحدة -كما يقول- يَفِرُّون من لازمِ الماديّةِ لأنّهم يرونَ کارِثِيَّةَ هذه النتيجةِ، كما أنّهم يَخْشَوْنَ مواجهةَ النَّاسِ بها؛ إذ إنّ القولَ: «إنّ «كُلَّ شيءٍ مَقْبُولٌ»[1] هو عينُ العَدَميّةِ، والعَدَميّةُ سَيّئَةُ السُّمْعةِ»[2].

ويُلخّص (روزنبرج) حقيقةَ ماهيّة العَدَميّةِ وأعراضَها القِيَميّةِ بقوله:

“تَرْفُضُ العَدَميّةُ التَّمييزَ بين الأعمال المقبولةِ أخلاقيًّا، والممنوعةِ، والمطلوبةِ. لا تخبرنا العَدَميّةُ أنّه ليس بإمكاننا أن نَعْرِفَ أيّ الأحكامِ الأخلاقيّةِ صحيحٌ، وإنما تخبرنا أنّها كلّها خطأ. وبصورةٍ أَدَقّ، تزعمُ العَدَميّة أنّ كلَّ الأحكامِ الأخلاقيّة مُؤسَّسةٌ على افتراضاتٍ لا أساسَ لها، وخاطئة. تقول العَدَميّة: إنَّ فِكْرةَ “المباح أخلاقيًّا” بأكملها لا يمكن الدّفاع عنها وهي بلا معنی.بالإضافة إلى ذلك، تُنْكِرُ العَدَميّةُ على الحقيقة وجود شيءٍ يُسمّى: القِيْمةَ الأخلاقيّةَ الجوهريّةَ…  كما تُنْكِرُ وجودَ أيّ شيءٍ جيّدٍ في نفسِه أو قبيحِ في نفسِه[3] .

ثم اعترفَ (روزنبرج) أنّه يلزم من العَدَميّةِ ثلاثةُ أُمورٍ:

أَوّلها: العَجْزُ عن إدانة (هتلر) أو (ستالين) أو (ماو) أو (بول بوت) أو أيّ مُجرمٍ من مجرمي التّاريخ الحديث لافتقادِ أَرْضيّةٍ أخلاقيّةٍ تسمح بذلك.

ثانيها: أَلّا يَثِقَ النَّاسُ في العَدَمِيِّ لأنه ليس كائنًا أخلاقيًّا.

ثالثها: العَدَميّةُ مُدَمّرةٌ للمجتمعِ. والقولُ بالعدميّة سيردُّ الإنسانَ إلى الطّابع الأنانيّ والوحشيّ كما صَوَّرَهُ الفيلسوفُ (هوبز) في الإنسان العاري من مُجَمِّلاتِ الحضارةِ. ومن المؤكّدِ أنّنا نُحِبُّ أَلَّا نكون عَدَمِيِّين إذا استَطَعْنا أنْ نَتَفَادى ذلك، كما لا نُحِبُّ لِغَيْرِنَا أن يكون عَدَمِيًّا [4].

تلك هي العَدَميّةُ في العَرَاءِ، تحت الشَّمْسِ، وقد ساد التغافل عنها بین مُقُدَّمِي الملاحدةِ؛ حتّى لكأنّها والإلحاد في شِقاقٍ. ولا يَنْتَبِهُ الملحدُ لِنَكارَةِ مَذْهَبهِ حتّى يُواجِهَهُ نبِيهٌ بفسادِ التَّجميلِ أو البَتْرِ في تَصَوُّرِهِ الأخلاقيِّ. ومن ظريف هذا الباب أنّ أستاذَ فلسفةٍ أمريكيًّا ذكر أنَّ طالبًا عنده كان مُصِرًّا علي نَفْيِ موضوعيّةِ الأخلاقِ، معتقدًا بصورةٍ جازمةٍ ذاتِيَّتَها (subjectivity) ؛ فَنِسْبِيَّتَهَا. وفي يومِ الامتحانِ کتبَ الطّالبُ بَحْثًا مُؤَصّلًا في ذلك، فيه جهدٌ كبيرٌ، وطُولُ نَفَسٍ في تَتَبُّعِ تَفَاصِيلِه. ولمّا رَدَّ الأستاذُ البحثَ إلى الطالب، فُوجِئَ الطّالب أنّه قد حصلَ على علامةٍ سَيّئَةٍ؛ فأسرعَ إلى الأستاذِ مُعترِضًا، قائلًا: إنّ بَحْثَهُ بلا شَكٍّ جيّدٌ، ويستحِقُّ علامةً جيّدةً. فردَّ الأُستاذُ: لم يُعْجِبْنِي غِلافُ البَحْثِ الذي قَدَّمْتَهُ، وأنا أعتقِدُ أنّ ذلك أمرٌ يُسيءُ إلى البحثِ… فانْتَبَهَ الطّالبُ إلى مآلِ النسبيّة الذَّوقيّةِ وظُلْمِها البادي إذا حَكَمَتْ في الحُقُوق، ونَكارةِ هذا الحُكْمِ في بداهةِ الحِسِّ الأخلاقيّ.. ولم يَدْرِ الطّالبُ كيف يَرُدُّ على أستاذِه لَفْتَتَهُ الذَّكيّةَ.

وهذا (داوکنز) – المتطرّفُ في تفسيرِهِ البيولوجيّ لكلّ شيء تقريبًا – انتَفَضَ على التّفسير الدّاروينيّ حتّى قال:

«أنا – كعالِمِ طبيعة أكاديميٍّ – أَعُدُّ نفسي داروينيًّا مُتحمّسًا لذلك، مؤمنًا أنّ الانتخاب الطّبيعيَّ، إن لم يكن القوّةَ الدّافعةَ الوحيدةَ في التّطوّر، فهو بالتأكيد القُوّة الوحيدةُ المعروفةُ القادرةُ على إنتاجِ وَهْمِ الغاية (purpose) الذي تمكّنَ من عقلِ كلّ من يُفكّرُ في الطّبيعةِ . ولكن في الوقت نفسِه الذي أَدْعَمُ فيه الدّاروينيّة كعالِم طبيعةٍ، أنا مُعادٍ للدّاروينيّة بحماسةٍ (passionate anti- Darwinian) عندما يَتَعَلَّقُ الأمرُ بالسّياسةِ وكيف ينبغي لنا أن نُديرَ شؤوننا الإنسانيّة» [5].

ومعلومٌ عن (داوكنز) معارضته للدّاروينيّة الاجتماعيّة..

وسَبَبُ هذا القَهْرِ النَّفْسِيِّ الذي تُمارِسُه الأخلاقُ الموضوعيّة على النَّفْسِ أنّها من المبادئ الأُولى الضّروريّة لِلْعملِ السَّويِّ للنَّفْسِ، ورفض هذه المسَلّمات ينتهي بالإنسانِ إلى أن يَتَصَرَّفَ بصورةٍ غير طبيعيّةٍ، فَيْلَتَذّ بتعذيبِ الرُضَّعِ لِمَحْضِ المَرَحِ، أو يأْكُلهم كما يَفْعَلُ <Psychopath Cannibals>، وهي أمورٌ يرفُضُها النَّاسُ لا لأنّها ممّا لا يميلُ إليه المرءُ أو لا يرضاه لنفسِه، وإنّما لأنّها فِعْلٌ قَبِيحٌ في ذاتِه، بَشِعٌ في نفسِه، غيرُ إنسانيٍّ في جَوْهَرِهِ.

إنَّ كلَّ قولٍ للملحِدِ : إنّ الأخلاقَ مجرّد تَوَاضُعٍ اجتماعيٍّ على قَبُولِ قِيمةٍ ما، وإنّ الإنسان مجرّد حَيَوانٍ مُتَرَقٍّ عن شَبيهِ قِرْدٍ، لا يملِكُ أن يدفَعَ عن نفسِ الملحِدِ النَّكارةَ الجوهريّة لِقَتْلِ رضيعٍ بِسِكّينٍ حادَّةٍ واللَّهو بأَشْلائِه ليلةَ مَرَحٍ..

إنَّ برهانَ الأخلاقِ لا يسعى لِقَهْرِ الملحدِ أن يقول بموضوعيّةِ الأخلاقِ من خلال برهانٍ علميٍّ أو كشفٍ كونيٍّ، وإنّما هو يدفع الملحدَ إلى أن يواجِهَ نفسَهُ، بأن يَجْمَعَ في تَنَاسُقٍ بين رُؤيتِه الكونيّةِ ومذْهَبِهِ الأخلاقيِّ.. وسبيلُ ذلك رفع مُضْمَرَاتِهِ الأخلاقيّةِ إلى سَطْحِ وَعْيِهِ لِيَفْحَصَ العَقْل الفلسفيّ تجانُسَ هذه المضْمَرَاتِ مع صَریحِ رُؤيتِه الكونيّةِ..إنّه برهانٌ يَضَعُ الإنسانَ أمام نفسِه، هل هو نسيجٌ واحدٌ أم شَتَاتٌ مُبَعْثَرٌ..؟

«علمُ اليقين -عندنا- وارداتٌ تَرِدُ إلى النُّفوسِ تَعْجَزُ النُّفُوسُ عن رَدِّها [6]».

(نجم الدين الكُبرى).

وقد اعترفَ غيرُ واحدٍ من كُبَرَاءِ الإلحادِ بأَزْمَةِ الإلحادِ، وأَزْمةِ التَّعَثُّرِ والتَّبَعْثُرِ.. ومنهم (راسل) الذي ركَعَ مُقِرًّا أنّه لا يستطيعُ أن يعيشَ في ضَوْءِ تَصَوُّرٍ أخلاقيٍّ سُلطانُه الذَّوْقُ الشّخصيُّ، مُعْتَرِفًا أنَّ رُؤاهُ «لا تُصدَّق» «incredible»، جاهرًا بِعُمْقِ الأَزْمةِ الإلحاديّةِ في قوله: «لا أَعْرِفُ لذلك حلًّا» [7].

وأمّا (داوكنز) فيقول: إنّه إذا استعملَ شخصٌ ما أفكارَهُ -أفكارَ (داوكنز)– لتبرير نَمَطِ حياةٍ يدورُ حول المصلحةِ الشّخصيّةِ لِلمرءِ دون أَدْنی قِيْمةٍ لحقوقِ الآخرين، فسيكونُ من العَسِيرِ الاعتراضُ فلسفيًّا أو أخلاقيًّا على أفعالِه البَغِيضةِ، وسيكتفي (داوكنز) بأن يَشْكُوَهُ إلى الشّرطة لأنّه يُخالِفُ أعرافَ المجتمع [8].. وذاك برهانُ رَفْضِهِ للإنسان المخلِصِ لإلحادِهِ!

وكان الكاتبُ الملحدُ (بيتر كاف) [9] صريحًا في إصراره على نَكارَةَ المنظومةِ الأخلاقيّةِ الإلحاديّةِ، بقوله:

«مهما كانت الحُجَجُ الشُّكُوكيّةُ التي يُؤتى بها ضِدَّ إيماننا أَنَّ قَتْلَ البريءِ أَمْرٌ قبيحٌ أخلاقيًّا، يبقى الأمرُ أَنَّ ثِقَتَنَا في أنّ القتلَ أمرٌ قبيحٌ أخلاقيًّا أعظمُ من ثِقَتِنَا في أنَّ الحُجَّةَ [المعارضة] سليمةٌ… تعذيبُ طفلٍ بريءٍ لمجرد المُتْعَةِ أمرٌ خاطئٌ أخلاقيًّا . نقطة، فلا جِدَالَ» [10].

ولعلَّ أوضحَ استسلامٍ أمامَ قُوَةِ البرهانِ الأخلاقيِّ قول (راسل) في آخر ما انتهى إليه في فلسفَتِهِ الأخلاقيّةِ:

«لا أعرفُ كيف أَنْقُضُ حُجَجَ ذاتيّةِ (subjectivity) القِيَمِ الأخلاقيّةِ، لكنَّني أَجِدُ نفسي عاجزًا عن الإيمانِ أنّ الشَّيءَ الوحيدَ المُنْكَرَ في الوحشيَّةِ القاسيةِ هو أنّني لا أُحِبُّها»[11] ..

فالنَّفْسُ تَرْفُضُ الشَّرَّ بِحِسِّ البَدَاهَةِ لأنّه شَرٌّ لا يملِكُ أن يكونَ في حِسِّ الآخرين -مهما اختلَفُوا عنّا واختلَفْنا معهم- خيرًا..

تلك هي النَّفْسُ حين تُوقِفُهَا سُدُودُ القَلْبِ والرُّوح، فَتَمْنَعُهَا مجاوزةَ الحَدِّ والطُّغيان في اللّجَجِ والجَدَلِ، وتلك هي براعةُ برهان الأخلاقِ؛ إذ يَسْلبُ الإنسانَ القُدرةَ على المعارضة، ليرخيَ سلاحَ المعاندة؛ فهو في الخيارِ بلا خیارٍ؛ إذ إنّه بين أنْ يَقِفَ موقِفَ الحَرْبِ مع نفسِه، فَيَقْتَلِعَ قَلْبَهُ من بینِ الأَضْلُعِ، أو أنْ يُعْلِنَ نهايةَ المُناجَزَةِ، فيقرَّ للأخلاقِ بالعُلُوِّ فوقَ الذَّوْقِ والاختيار. وذاك برهانُ الإيمانِ الذي منه يَفِرُّ.

وقد كَشَفَتْ حقيقةُ موضوعيّةِ الأخلاقِ أَزْمَةَ العقلِ الإلحادِيِّ، أو المجتمعِ الغربيِّ – عامّةً – الذي يقول بالشّيءِ ويعمل بِضِدِّهِ، ويدعُو إلى الشّيءِ، ويُضْمِرُ نَقِيضَهُ. وقد كَشَفَ الفيلسوفُ الشّهير (ريتشارد تایلر) [12] ذلك في مقدّمة كتابِهِ عن الأخلاقِ،بقولِه: إنَّ المجتمعاتِ الحديثة تَخَلَّتْ بدرجاتٍ متفاوتةٍ عن الإيمان بإلٰهٍ، ومع ذلك استبْقَتْ فِكْرةَ الأخلاقِ “حتّى إنَّ مُثَقَّفين يُعلِنون في بعض الأحيان أنَّ أشياءَ مثل الحَرْبِ أو الإجهاضِ أو انتهاكِ بعضِ حقوقِ الإنسانِ هي «خَطَأٌ أخلاقيًّا»، وهم يتصَوَّرُون أنهم قالوا شيئًا حقيقيًّا ومُهِمًّا. لا يحتاج المثقَّفُون إلى أن يُقالَ لهم: إنّ مثل هذه الأسئلةِ لم تَتِمَّ الإجابةُ عنها البَتَّةُ من خارج الدّينِ” [13].

وأضاف: «الكُتّابُ المعاصرون الذي أَلَّفُوا في الأخلاقِ، والذين تحدَّثُوا ببلاغةٍ عن الحقَّ والباطل الأخلاقِيَّيْنِ والواجبِ الأخلاقيِّ دون إحالةٍ إلى الدّينِ لا يعدو فِعْلُهُمْ أن يكون نَسْجًا لِشَبَكَةٍ فكريّةٍ من الهواء الرَّقيقِ، وهو ما يعني أنّهم يَتَحدَّثُون بلا معنی[14].

تلك أزمةُ التَّناقضِ المُهَيمِنِ على الإلحادِ، وسَبَبُها الإمعانُ في مخالفةِ بداهاتِ العُقولِ والنُّفوسِ.. وانْحِرافُ الأَلْفِ مِيلٍ، يبدأُ بِعِنادٍ يَرْفُضُ السَّيرَ في الطريق المستقيمِ.

[1] “Anything goes”

[2] Alexander Rosenberg, The atheist’s Guide to Reality , p.95.

[3] المصدر السابق ، ص ٩٧-٩٨.

[4] المصدر السابق .

[5] Richard Dawkins, A Devil’s Chaplain, pp.10-11.

[6] نقله ابن تيمية، مجموع الفتاوي، ٤/٤٣.

[7] Bertrand Russell, Letter to the Observer , 6 October 1957 (Cited in; William Lane Craig , Reasonable Faith,

 Wheaton:   Good News Publishers/Crossway Books 2008, p.79).

[8] Dawkins, ‘Nick Pollard talks to Dr Richard Dawkins’,Third Way, April 1995, 18 (3).

[9]  بيتر كاف Peter Cave (١٩٥٢م) أستاذ الفلسفة في “Open University” و “City University” بلندن .

         رئيس المؤسسة الإلحاديّة “”Humanist Philosophers’ Group

[10] Peter Cave, Humanism ( Oxford: OneWorld, 2009), p.146.

[11]   Bertrand Russell, ‘Notes on Philosophy”, Collected Papers, Volume 11, 310 -1 (Cited in: Michael K. Potter, Bertrand Russell’s Ethics, London; New York: Continuum, 2006, p.173).

[12] ريتشارد تايلور Richard Taylor  : أستاذُ الفلسفة في جامعة «براون»في ولاية رود آيلاند.

[13] Richard Taylor , Virtue Ethics: An introduction ( Prometheus Books , 2002),p.2.

[14] المصدر السابق ، ص٧ .


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 5 / 5. عدد الأصوات 1







مشاركة عبر البريد الإلكتروني