حاول (سام هاريس) أن يجد حلا لأساس الأخلاق في المنظومة الإلحادية، فزعم في كتابه: “المشهد الأخلاقي: كيف يحدد العلم القيم الإنسانية” (۲۰۱۰م) أن غاية الحياة الإنسانية الواعية تحقيق الرفاهية الإنسانية، وأن العلم قادر على معرفة أنواع الرفاهية وأسبابها، كما أنه قادر على تحديد القيم الإيجابية التي يجب علينا أن نتبناها، بعيدا عن الحاجة إلى الدين أو الإله.

الجواب:

أولا: يزعم (هاريس) أن أساس الأخلاق تحقيق الرفاهية؛ فما يقول العلم إنه يحقق الرفاهية فهو حق وخير، وما كان غير ذلك فهو باطل وشر. وليس في هذا “التأصيل” تأصيل لشيء؛ إذ إنه لا يوجد معیار موضوعي لمفهوم الرفاهية؛ فهو ليس شيئا يقبل القياسي الحسابي ولا يخضع لمعادلات الفيزيائيين ولا مشرط الجراحين، فمفهوم الرفاهية نفسه مشكل، ومتعال بصورة كبيرة وربما كلية عن الاختبار والتقويم العلميين.

وقد انتُقدت دعوی (هاريس) أنها “أكثر الدعاوى المبالغة في غرورها، وهي معيبة بصورة واضحة. إن العلم لا ينتج قيمه الأخلاقية الخاصة. إنه بالإمكان استعماله للخير والشر، وقد استعمل لذلك.. و”المستقبل السعيد” الذي يتنبأ به، هو في حد ذاته انعكاس ثقافي”.

كما انتقد عدد من الملاحدة طرح (هاريس) بخلطه حديث العلم بحديث الأخلاق، ومنهم الفيزيائي الملحد -الشرس في حماسته للإلحاد- (شون کارول) الذي شنع على هاریس استخلاص “یجب” “oughts” من “كائن” is””، فالعلم يشرح عمل أشياء الطبيعة، ولا يملك أن يقول كلمة في “ما يجب”. وكان اعتراضه قائما على بيان ثلاث حقائق ضمن المنظومة المادية التي يشترك فيها مع (هاريس):

الحقيقة الأولى: اختلاف الناس في تعريف الوقاية، “وهو أمر بدهي بصورة تامة”؛ فهناك من لا يأبهون بصورة تامة بالرفاهية، وهناك القتلة، والعنصريون، والمعتلون اجتماعيا. ولا سبيل في التصور المادي لرسم خط فارق بين الطبيعي وغير الطبيعي من الناس، ولا توجد تجربة علمية تعين على ذلك. وحتى بين من يراهم المجتمع أسوياء، توجد اختلافات جمة في معنی الرفاهية وطريق تحقيقها، بین رخاوة وشدة. بل حتى لو اتفق الناس على معنی ما هو جيد، يبقى لنا أن نقول: إن اتفاقهم لا يجعل الأمر جيدا، فهو في آخر أمره رأي لا غير.

الحقيقة الثانية: هدف تحقيق أعلى قدر من الرفاهية لا يمثل هدفا بدهيا للأخلاق فإن مدارس الفلسفة الأخلاقية تتصارع في ذلك؛ ففي حين يقف مذهب (هاريس) عند مذهب العاقبية (consequentialism) حيث يحكم على كل فعل تبعا لعاقبته، ترى مدرسة الأخلاق الواجبة (Deontological ethics) أن قيمة الفعل كامنة فيه، وليست في مآله.

الحقيقة الثالثة: حتى لو اتفقنا في تعريف مفهوم الرفاهية، ومعاييرها الموضوعية، يبقى الإشكال أن مصالح الناس في تحقيق الرفاهية عرضة للتعارض والتصادم؛ بما ينتج مشكلة ضبط المعيار الذي يرجع مصلحة طائفة على أخرى، ورفاهية فريق على حساب فريق آخر؟ وهناك ستختلط منطلقات معرفة المعيار وحسابات ضبطه..

ثانيا: لماذا علينا أن نختار السعي إلى السعادة والرفاهية؟ لماذا علينا أن نبحث عن السعادة؟ ولماذا نقيس الأمر بالمتع، فهل المتعة حاصلة للجميع بالشيء نفسه؟ ولماذا علينا أن نسعى إلى سعادة غيرنا؟ ولماذا علينا أن نعتبر أن لغيرنا الحق في الوصول إلى حال النشوة نفسها التي نرضاها لأنفسنا؟ ألم يقل (هاريس): إنه إذا قام نظام إسلامي يهدد مصالح الغرب، وكانت الحرب النووية هي الطريق الوحيد للقضاء عليه، فعلى الغرب أن يخوض هذه الحرب حتى لو أدت إلى قتل عشرات ملايين الأبرياء؟! لم لم يعتبر (هاريس) رفاهية “النظام الإسلامي” مطلبا للوجود البشري؟ أو مطلبا لعشرات ملايين المسلمين الأبرياء؟ لماذا تكون رفاهية (هاريس) ومن يشاركونه الفكر والموطن الجغرافي المطلب دون غيره؟

ثالثا: في عالم المادة العمياء، لماذا تعتبر رفاهية الحيوان المنتسل من القردة الجنوبية (Australopithecus) أمرا يسعد السماء والأرض؟ لماذا علينا أن نتعامل مع الإنسان على أنه غاية لا وسيلة أو مجرد أداة؟ نحن نحتاج أصولا ميتافيزيقية ترفع قيمة الإنسان ليكون رضاه غاية، ولا توجد تلك الأصول في كون الماديين الذي لا قلب له. رضا الإنسان مسألة لا قيمة لها في كون الملاحدة حيث لا يتميز الإنسان عن ابن عمه الشمبانزي إلا ببعض رصيده الجيني. وهل رفاهية قرد أو فأر أو مایکروب أمر محمود أخلاقيا؟ لا يوجد أدنى داع لربط مفهوم الرفاهية بكائنات تتحرك بدافع التفاعلات الكيميائية العمياء..

إن معرفتنا العلمية قد تفيدنا في معرفة ما يمتع الكلب أو الفأر، لكنها لا تمس مسألة أهمية إمتاع الكلب أو شرعية ذلك في شيء؛ إنها معرفة تلاحظ أثر المعاملة في إفرازات الغدد وحركة الهرمونات وارتخاء المفاصل، لكنها لا تورث الإنسان من ملاحظة ذلك واجبا أخلاقيا نحو الكلب أو الفأر.

رابعا: التجاء (هاريس) -المادي الدارويني- إلى مفهوم الرفاهية لضبط القيم الأخلاقية يخالف المنطق الدارويني الذي على كل دارويني مثل (هاريس) قبوله، والذي يقول: إن القيم الأخلاقية اعتباطية فالإنسان الذي يعظم اليوم الصدق والنبل، كان من الممكن أن يقوده خطه التطوري إلى تعظيم الكذب والنذالة. أو بالمثال الذي قدمه الفيلسوف الملحد (مايكل روس)، فإنه كان بالإمكان ألا ننتسل عن ساكني الغابات، وأن نكون مثل النمل الأبيض، الذي تطور بسبب حاجته إلى “أن يسكن في الظلام، ويأكل فضلات بعضه بعضا، ويتغذى على جثث الموتى”. ولو سرنا في الخط التطوري للنمل الأبيض، فإننا “سوف ننظر إلى مثل تلك الأعمال على أنها جميلة وأخلاقية” و“تجد أنه من المثير للاشمئزاز أخلاقيا العيش في الهواء الطلق، والتخلص من فضلات الجسم ودفن الموتى”.


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 5 / 5. عدد الأصوات 1







مشاركة عبر البريد الإلكتروني