الأخلاق أثر عن التطور البيولوجي للإنسان. وقد تحول الإنسان المتوحش إلى إنسان أخلاقي بفعل حاجته إلى التعايش مع بيئته الصغرى، الأسرة والقبيلة.

الجواب:

أولا: السلطان العالي للمذهب العلموي في الأوساط الأكاديمية، وضغط المذهب الاختزالي على طبيعة الأبحاث العلمية فتحا الباب واسعا أمام الالتجاء إلى تفسير أخلاقية الإنسان تفسيرا بيولوجيا. ويقوم التفسير البيولوجي للنزعة الأخلاقية ونسقيتها على ثلاث مقدمات مضمرة متعلقة بكشف الحقيقة، ليس عليها برهان، أولاها: ميتافيزيقية، وهي أن الوجود مادة وحسب، وثانيها: تعليلية، وهي أن الأسباب العاملة في الكون كلها مادية وجبرية، وثالثها: أن المعرفة لا يمكن تحصيلها إلا بالعلم الطبيعي أو تحت ظل العلم الطبيعي. وما بني على دعاوى غير مبرهنة، فهو غير مبرهن.

ثانيا: تفسير ظهور الطبيعة الأخلاقية للإنسان ومضمونها بالانتخاب الطبيعي، لا يثبت -حتى لو صح جدلا- أنه لا علاقة له -سبحانه- بأصل الأخلاق؛ إذ إن تفسير الانتخاب الطبيعي لوجه من أوجه الطبيعة الأخلاقية للإنسان لا يلغي فعل الله في ذلك وفي غير ذلك. فالانتخاب الطبيعي قد يكون آلة الله لإثبات الحافز الأخلاقي في النفس.

ثالثا: السبب الأعظم لفشل التفسير الدارویني لالتزام الملحد بحدود القيم الأخلاقية أن هذا التفسير لا يفسر لماذا علينا أن نفعل فعلا أخلاقيا، وإنما يشرح لماذا نفعل نحن ذلك الفعل، فليس في هذا التفسير شرح للواجب الأخلاقي -وهو الذي يعنينا- وإنما هو يبين وجود الحافز الأخلاقي، والإنسان قد يجد في نفسه حافزا لأن يفعل فعلا ما، لكنه لا يراه واجبا، ويخالفه لأنه يملك دوافع أخرى تمنعه من الاستجابة للحافز. والنزوع الأخلاقي بذلك -كما يقول (سي. أس. لويس) – لا يختلف عن الرغبة في التقيؤ أو التثاؤب عند وجود الحافز. وشرح الالتزام الأخلاقي هنا يجب أن يناقش سبب وجوب الفعل لا سبب وجود الفعل؛ فالحاجة التي يجدها المرء للعيش في جماعة متآلفة من الناس لا تفسر وجوب الالتزام الأخلاقي بالحفاظ على هذه الوحدة، فقد يجد المرء أن هذه الوحدة باهتة تقتل شعوره بذاته، فيختار أخلاقيا الفردانية على الجماعية.

وقد انتبه عالم البيولوجيا الملحد العدمي الحائز على نوبل (جاك موتو) إلى قصور التفسيرات المادية -ومنها التفسير الدارويني الطبيعاني-، فقال:

“واحدة من أعظم مشكلات الفلسفة: العلاقة بين عالم المعرفة وعالم القيم. المعرفة هي ما هو “كائن” “is” والقيم هي ما “يجب” “ought” أن يكون. أود أن أقول: إن جميع الفلسفات التقليدية حتى الشيوعية قد حاولت استخلاص “يجب” من “كائن”. وذاك أمر مستحيل. إذا كان صحيحا أنه ليس هناك هدف في الكون، وأن الإنسان ليس إلا عرضا حادثا، فلا يمكنك -عندها۔ استخلاص “یجب” “ought” من “كائن” “is”.

إن التفسير الدارويني قد ينتهي إلى نفعية أفعال بشرية تنكرها ثقافتنا في الشرق والغرب رغم أنها بيولوجيا نافعة في تحقيق البقاء؛ ومن ذلك الاغتصاب الذي يفيد في بقاء النسل البشري، وهو الغاية الكبرى للوجود في الفهم الداوكنزي، لكن (داوکنز) ومن على قبلته يستبشعون الاغتصاب.. ولذلك لما سألت مجلة (Skeptic) (داوكنز):

“هل بامكاننا أن نلتجئ إلى التطور لا ليجيبنا عن ما هو كائن، وإنما ليعرفنا بما يجب أن يكون؟”، أجاب (داوكنز): “لا أفضل أن أفعل ذلك”!

الاغتصاب “ظاهرة بيولوجية طبيعية من آثار الموروث التطوري للإنسان.. [مثل] يقع الفهود والرقبة الطويلة للزرافة”. (راندي ثورنهيل) و(کریج بالمر).

التفسير الدارويني يصف السلوك البشري بما هو كائن، ولا يصف الواجب الأخلاقي بما هو واجب.

رابعا: الربط بين النزوع الأخلاقي وتفاصيل القيم الإنسانية والانتخاب الطبيعي الأعمى، مجرد دعوی؛ كعامة دعاوى الدراونة، دعوی بلا شرح جاد لآليات هذا التطور المدعى؛ إذ يكتفي مناصرها بمعنی عام مجمل يزعم أن الخلق الإنساني أثر من آثار التعاون الجمعي بين جماعة الأحياء الذين التجؤوا إلى التعاون منعا لاندثارهم.

خامسا: احتار (داوکنز) في تفسير الظاهرة الأخلاقية، فزعم -في محاضرة له في جامعة واشنطن- أن توقع المعاملة بالمثل من الطرف الآخر هو الذي أنشأ الحس الأخلاقي في الإنسان، لكنه استدرك على ما زعم بقوله: إن ذلك لا يتعلق بالسلوك الأخلاقي الراقي الذي يظهره الإنسان. وحاول أن يفسر ظاهرة الإيثار بأنها أثر عن “إصابة خاطئة” “mistaken misfiring” للدوائر العصبية المتعلقة بحساب التعاطي بين أفراد الأسرة، لكنه عاد فقال: “لا يملك العلم مناهج لتحديد ما هو أخلاقي”. ثم أضاف في مرة أخرى -في إحدى المحاضرات- أن موضوع أساس الأخلاق موضوع صعب جدا، وأنه لا يعرف على الحقيقة لم نحن أخلاقيون.
ويبقى السؤال قائما بلا جواب.. كيف ينتقل الكون المادي الأعمى من صمم المادة العابثة إلى القيم الأخلاقية الحية. من أين انبجست معاني الكرامة الإنسانية والواجب الأخلاقي إذن؟

في عالم مادي يختزل الأفكار والمشاعر في النبضات العصبية والتفاعلات الكيميائية، يضطر الملحد أن يفسر الأخلاق تفسيرا أعمى بلا قلب، يحصر القبيح والحسن في حركات أعضاء الإنسان وعضيّاته. إن العلم قادر على أن يصف فعل القتل والاغتصاب والسرقة بعبارات تصور حال الجهاز العصبي أثناء القيام بالفعل، وقبله وبعده، لكنه عاجز عن بيان لم كان الفعل مقبوحا أو ممدوحا.

إن العلم متناه بصورة تامة عن الأخلاق في باب التفسير لأنه أعمى لا يرى ألوانها، لكنه محتاج إلى الأخلاق ليقيم حضارة منصفة، عاقلة، غير دامية ولا مجنونة، فهو محتاج إلى أصول أخلاقية تحفظ الوجوه من الدمامة والدناءة، ولا يملك أن يبني لنفسه أو لغيره فلسفة أخلاقية مبررة من داخل العلم. و”كل محاولة لاختزال الأخلاق في قوالب علمية لا بد أن تفشل” -بعبارة (أينشتاین)-.

مختصر النظر:
• الأخلاق الموضوعية هي الأخلاق الواحدة، المتسلطة علينا من خارجنا، والملزمة للجميع.
• وجود الأخلاق الموضوعية يقتضي وجود الله باعتراف أئمة الإلحاد.
• الالتزام النفسي بموضوعية الأخلاق مسألة صميمية في الإنسان لا يستطيع التخلي عنها.
• البرهان الأخلاقي أعظم براهين الإيمان التي يجد الملاحدة مشقة في ردها.
• في غياب الأخلاق الموضوعية يمتنع وجود قيم الخير والشر، وحق المدح والذم.
• في غياب الأخلاق الموضوعية يمتنع على الملحد -ضمن نظرته الكونية- أن يكون أخلاقيا أو أن يترقى خلقيا.
• أصل اعتراضات الملاحدة على البرهان الأخلاقي عجز كثير منهم عن فهمه، ولذلك تأتي معارضاتهم في غير محل النزاع، أو باستدعاء العلم الطبيعي للشهادة في غير بابه.

مراجع للتوسع:
Mark Linville, “The Moral Argument” in The Blackwell Companion 10 Natural Theology, MA:Wiley-Blackwell, 2009, pp. 391-448.
؛Paul Copan, “The Moral Argument” in Paul Copan and Paul K. Moser, eds. The Rationality of Theism, London: Routledge, 2003, pp. 74-149.
David Baggett and Jerry L. Walls, Good God: The Theistic Foundations of Morality. Oxford University Press, 2011.
Francis J. Beckwith, and Gregory Koukl, RelativismN: Feet Firmly Plarted in Mid-Air, Grand Rapids, MI: Baker, 1998.
Douglas R. Geivett, Evil and the Evidence for God. The Challenge of John Hick’s Theodicy, Philadelphia: ‘Temple University Press, 1993.


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 5 / 5. عدد الأصوات 1







مشاركة عبر البريد الإلكتروني