١٠- الصلاح الخُلقي .

وقد عاش نبي الإسلام ﷺ بين الناس يخالطهم مخالطة من لا يخشی کشف مخبوء، أو سَتر مدسوس.

لقد عاش نبي الإسلام ﷺ في بيئة قاسية في طبيعتها الصحراوية، وهو ما يجعل الشدة المَعْلَم الأول للشخصية العربية، وكانت أعراف البيئة تمجد خصال القوة المحضة وترفع شأن أهل البطش الذين يصولون على الخصم بالسيف والمكر، فكان جلال الشخصية – المستقيمة في الذهنية العربية . هو في حدتها حتى في الحق، ولم يكن طابع اللين متألقا مع هذه الشدة، ولذلك كانت مجامع خلق نبي الإسلام ﷺ طرازاً على غير مألوف العرب؛ ففيها [ أي شخصية النبي ﷺ ]

• قوة أهل الحق،

•ورقة الودعاء،

• وسماحة أهل الفضل…

وهي الخِلال التي جمعت حوله أصحابه إجلالا لعظمته، وخضوعا لجاذبيته، لقد كان فيه ما يعظمه العربي في الأكابر، وكان فيه فوق ذلك .

وبعيداً عن شهادات المتأخرين، علينا أن نسأل المقربين عن كل أمر نبي الإسلام ﷺ؛ فعندهم الخبر اليقين، فشهادتهم خبر عن معاينة، ووصف مباشر لحالٍ وفعالٍ ؛ ولذلك لا يرفع أحد شهادته فوق شهادتهم، ومن مجموع قولهم يرتسم في الذهن دقيق خُلق نبي الإسلام ﷺ .. وشهادتهم فوق تشكيك المشككين إذا جمعت بين النقل المباشر، والتفصيل في نقل الوقائع الدالة على الطبائع .. فما جوابهم إذا سئلوا بما ينفع المؤرخ لأخلاق نبي الإسلام ﷺ في نحت ملامح الشخصية المحمدية أمام أعين الناظرين لتتحسّس فيها التفصيلات والنتوءات؟

– إن سألت عن كلام نبي الإسلام ﷺ فقد وصفه خادمه (أنس) رضي الله عنه بقوله : «لم يكن النبي ﷺ سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً».

– وإن سألت عن صمته، فعن (سماك بن حرب) – التابعي -، قال: «قلت لجابر بن سمرة (الصحابي): أكنت تجالس النبي ﷺ؟

قال : نعم كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه ربما تناشدوا عنده الشعر، والشيء من أمورهم، فيضحكون، وربما يتبسم».

– وإن سألت عن شجاعته، فاقرأ قول خادمه (أنس) -رضي الله عنه- فيه : «كان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَل الصوت فتلقاهم رسول الله راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، في عنقه السيف، وهو يقول: «لن تراعوا» وقال صاحبه (البراء بن عازب): «كنا إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا الذي يحاذي به – يعني: رسول الله ﷺ – »

– وإن سألت عن عفوه، فاسمع قول (جابر بن عبد الله) – رضي الله عنه – : غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قِبَل نجدٍ ، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العِضَاه، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلَّق سیفه بغصن من أغصانها قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر . قال : قال رسول الله: «إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظتُ وهو قائم على رأسی، فلم أشعر إلا والسيف صَلْتًا في يده، فقال لي: من يمنعك منِّي؟ قال: قلت: الله.

ثم قال في الثانية : من يمنعك منِّي؟ قال: قلتُ: الله. قال: فشام السيفُ فها هو ذا جالس» ثم لم يعرِضْ له رسول الله ﷺ »

ولما جاءه (عكرمة) – عدوه وابن رأس الكفر (أبي جهل) – يطلب الأمان؛ قال رسول الله : «أنت آمن». فقال (عكرمة): أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس، وأصدق الناس، وأوفي الناس». قال عكرمة : «أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه» ثم قلت: یا رسول الله، استغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو موکب أوضعتُ فيه أريد فيه إظهار الشرك». فقال رسول الله ﷺ :

« اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها، أو موكب أوضع فيه يرید أن يصد عن سبيلك».

– وإن سألت عن جوده، فقد قال فيه تلميذه (ابن عباس) – رضي الله عنه – : «كان رسول الله أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ؛ فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة».

وقال فيه (أنس) – رضي الله عنه- : ما سئل رسول الله ﷺ شيئا إلا أعطاه، فجاء رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة».

– وإذا سألت عن معاملته خادمه، فاعلم قول خادمه (أنس) – رضي الله عنه – فيه : «كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقاً. فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت : والله لا أذهب. وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ. قال : فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قابض بقفاي من ورائي. فنظرتُ إليه وهو يضحك. فقال: « يا أنيس! اذهب حيث أمرتك!». فقلتُ: « نعم أنا ذاهب يا رسول الله». قال أنس: « والله لقد خدمته سبع سنين أو تسع سنين، ما علمت لشيء تركتُ هلّا فعلت كذا وكذا »

– وإن سألت عن حيائه، فقد قال فيه صاحبه (أبو سعيد الخدري) رضي الله عنه : « كان رسول الله أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه»

– وإن سألت عن لينه وإنكاره ذاته، فاعلم أن زوجه (عائشة) رضي الله عنها قالت : « ما خُير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله»

– وإن سألت عن صلاته بالليل، فاعلم أن زوجه (عائشة) -رضي الله عنها- شهدت أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة (أي: في الليل) يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة». وقال صاحبه (ابن مسعود) -رضي الله عنه- : صليت مع النبيﷺ ليلة فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء، قيل : ما هممت؟ قال : هممت أن أجلس وأدعه»

وعن صاحبه (حذيفة) -رضي الله عنه- : صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى. فقلت: يصلي بها ركعة (أي: بالبقرة) فمضى. فقلت : يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح ال عمران فقرأها [وهذه السور تعدل سدس القرآن)، يقرأ مسترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم. فكان ركوعه نحوا من قيامه. ثم قال : سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى. فكان سجوده قريبا من قيامه»

وقالت زوجه (عائشة) رضي الله عنها : «كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة (أي: قيام الليل) من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة»

– وإن سألت عن صومه، فاعلم قول خادمه (أنس) -رضي الله عنه- : «كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته»

وإن سألت عن أثر القرآن فيه فاسمع لصاحبه (ابن مسعود) – رضي الله عنه- قولَه: «قال لي النبي ﷺ : اقرأ علي القرآن. فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت هذه الآية:﴿فَكَيفَ إِذا جِئنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهيدًا﴾ فقال: حسبك . فالتفتُ فإذا عيناه تذرفان».

– وإن سألت عن مبلغ ذكره الله، فاسمع لقول (عائشة) -رضي الله عنها- : « کان رسول الله يذكر الله على كل أحيانه».

وإن سألت عن استغفاره فأرخ السمع لقول ابن عمر – رضي الله عنه – : «كنا نعد الرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة: رب اغفر لي ، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم».

– وإن سألت عن إعظامه لنعمة الله عليه، فاعلم قول صاحبه (المغيرة بن شعبة) فيه لما قيل للنبي ﷺ بعد أن تورمت قدماه من العبادة : «یا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟» قال : «أَوَلا أكون عبداً شكوراً؟!».

– وإن سألت عن حاله مع الطعام، فاعلم قول لصيقه (أبي هريرة) -رضي الله عنه- : «ما عاب رسول الله طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا ترکه».

– وإن سألت عن تواضعه، فاعلم قول خادمه (أنس) -رضي الله عنه- عن حال الصحابة معه ﷺ : «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله. وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهته لذلك» وقوله: «كانت الأَمَةُ من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله فتدور به في حوائجها حتى تفرغ ثم يرجع» وقوله: «ما رأيت رجلاً التقم أذن رسول الله ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رجلاً أخذ بيده فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده»

– وإن سألت عن صبره على الجوع، فاعلم قول زوجه (عائشة) -رضي الله عنها- : «ما شبع رسول الله ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبیله».

– وإن سألت عن صبره على شدة العيش، فاعلم أنه لما طلب منه (أبو هريرة) أن يجعل له بساطاً فوق الحصير الذي آذي جنبه الشريف ، قال : «ما لي وللدنيا. ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها».

– وإن سألت عن زهده في المال، فاسمع لقول (عقبة بن الحارث) -رضي الله عنه- : صلی بنا رسول الله ﷺ العصر، فأسرع، وأقبل يشق الناس حتى دخل بيته، فتعجب الناس من سرعته، ثم لم يكن بأوشك من أن خرج، فقال : «ذكرت شيئا من تبر[ أي ذهب] كان عندنا، فخشيت أن يحبسني، فقسمته».

وإن سألت عن تعاهده من خفى حاله من عامة الناس، فاسمع لشهادة (أبي هريرة) -رضي الله عنه- أن رجلا أسود – أو امرأة سوداء – كان يقمَ[أي: يكنس] المسجد فمات، ولم يعلم النبي ﷺ بموته، فذكره ذات يوم، فقال : «ما فعل ذلك الإنسان؟» قالوا : «مات یا رسول الله!» قال: «أفلا آذنتموني؟!» فقالوا : «إنه كان كذا وكذا قصته» . قال : فحقروا شأنه. قال: «فدلوني على قبره!» فأتى قبره، فصلى عليه»

– وإن سألته عن لطفه مع من أساء الطلب، فاسمع قول (أبي سعيد الخدري) -رضي الله عنه- قوله: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه ديناً كان عليه فاشتد عليه حتى قال له : أحرِّجُ عليك إلا قضيتني.

فانتهره أصحابه، وقالوا: ويحك! تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي. فقال النبي ﷺ : «هلَّا  مع صاحب الحق كنتم».

ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها : «إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك» فقالت: نعم، بأبي أنت یا رسول الله، قال : فأقرَضَتْه . فقضى الأعرابي وأطعَمَه، فقال : أوفيتَ أوفى الله لك، فقال: «أولئك خيار الناس، إنه لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لا يأخذ الضعيفُ فيها حَقَّهُ غير مُتَعْتَع»

– وإن سألت عن معونته أهله، فاعلم أن زوجه (عائشة) -رضي الله عنها- قالت : «كان يكون في مهنة أهله – تعني: خدمة أهله . فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة».

– وإن سألت عن وفائه لزوجه، فاسمع لقول (عائشة) -رضي الله عنها- عن زوجه الأولى (خديجة) -رضي الله عنها- : كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجةُ، فيقول: «إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد».

–وإن سألت عن رفقه بالنساء، فاسمع لقول خادمه (أنس) -رضي الله عنه- ، كان في سفر وكان غلام يحدو بهن يقال له أنجشة. فقال النبي ﷺ: «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير »

وكان من كلامه ﷺ في خطبة الوداع في عظيم النصائح قبل الرحيل إلى الرفيق الأعلى : «ألا واستوصوا بالنساء خيرا»

– وإن سألت عن رحمته كبار السن وتوقيره لهم، فاعلم أنه لما فُتحت مكة جاء (أبو بكر) -رضي الله عنها- بأبيه يحمله حتى بايع رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «ألا کنت تركت الشيخ في منزله حتى نكون نحن الذي نأتيه ؟»

–وإن سألت عن رحمته بالأطفال، والأمهات، فاشهد قوله ﷺ: «إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من وجد أمه من بكائه».

–وإن سألت عن ملاطفته الأطفال، فاعلم قول (أنس) -رضي الله عنه- «إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير : يا أبا عمير ما فعل النغير (طائر صغیر کالعصفور)». فكان يکني الطفل الصغير «أبا عمير» ويسأله عن طائره الصغير ملاطفة.

–وإن سألت عن رحمته بالحيوان، فاعلم أن صاحبه (عبد الله بن مسعود) -رضي الله عنه- قال : كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فرأينا حمرة (طائر مثل العصفور) معها فرخان لها، فأخذناهما، فجاءت الحمرة تعرش (ترفرف) فلما جاء الرسول ﷺ قال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها!

– وإن سألت عن جميع أمره، فاعلم أن زوجه (عائشة) -رضي الله عنها- قالت: «خُلُقَ نبي الله ﷺ كان القرآن»

ماذا بقي من مناقب وجميل خصال – بعدما ذكرنا – غير الصدق، والصدق عظيم، فيه يُؤتمن الرسول على رسالته، والمبلّغ على ما بثّه فيه من بعثه؟ وهو ما يأتيك بيانه بشهادة القريب والبعيد.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى