عرض ونقد

موت النبي عليه السلام مسموماً وعلاقته بالنبوة والعصمة

  • “انَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقبَلُ الهديَّةَ, ولا يأكلُ الصَّدقةَ, زادَ: فأهدت لهُ يهوديَّةٌ بخيبرَ شاةً مَصليَّةً سمَّتْها, فأكلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ منها, وأكلَ القومُ, فقالَ: ارفعوا أيديَكُم فإنَّها أخبرتني أنَّها مسمومةٌ, فماتَ بِشرُ بنُ البراءِ بنِ معرورٍ الأنصاريُّ, فأرسلَ إلى اليهوديَّةِ ما حملكِ على الَّذي صنعتِ؟ قالت: إن كنتَ نبيًّا لم يضرَّكَ الَّذي صنعتُ, وإن كنتَ ملِكًا أرحتُ النَّاسَ منكَ, فأمرَ بها رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقُتلت, ثمَّ قالَ في وجعِهِ الَّذي ماتَ فيهِ: ما زلتُ أجدُ منَ الأُكْلَةِ الَّتي أكلتُ بخيبرَ, فهذا أوانُ قطعَت أبْهَري[1]

كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول في مرضهِ الذي مات فيه: يا عائشةُ، ما أزال أجدُ ألمَ الطعامِ الذي أكلتُ بخيبرَ، فهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أبهرَي من ذلكِ السُمِّ[2]

تذكر هذه الأحاديث عادة عند الكلام عن نبوة النبي عليه السلام وعصمته وصدق نبوته ويستدل بها البعض لإنكار السنة أو إنكار النبوة أو غيرها من الأمور وهذه الأحاديث هي أهم ما ورد في باب حادثة السم وما يتعلق بوفاة النبي عليه السلام وأثر السم عليه وفيها عدة أمور ستهمنا في بحثنا هنا والذي سيكون في علاقة هذه الحادثة مع العصمة من جهة  ومع ثبوت النبوة من جهة أخرى وقبل الدخول بالتفاصيل ما الذي يمكن أن نعرفه من خلال هذه الحادثة؟ -قد يظهر لك أن ما سأذكره بدهي- لكن في كثير من الأحيان يُغفل عن البدهي مع أن الحل فيه,

  • أولا: هذه حادثة أخذت من كتب المسلمين التي نقلت لنا حياة النبي عليه السلام
  • ثانياً: في الحديث أن النبي عليه السلام قال ” ارفعوا أيديكم فإنها –الشاة- أخبرتني أنها مسمومة”  
  • ثالثاً: فيها أن بشر بن البراء الذي أكل منها قد توفي بسببها
  • رابعاً: أن المرأة اليهودية اعترفت بأنها وضعت السم بالفعل للنبيعليه السلام
  • خامساً: في الحديث إشارة إلى أن النبي عليه السلام ذكر السم عند موته, وهذه النقطة تحديداً لا يمكن الجزم من خلال مجموع الروايات أن النبي عليه السلام مات بأثر السم أم لا مع أن جمهور العلماء ذكروا أن وفاة النبي عليه  السلام إنما كانت بأثر السم بناء على هذه الروايات وهذا هو الراجح إذا عند الجمهور وهو الذي سيبنى الكلام عليه في هذه المقالة ولكن يذكرون أيضاً أن  أثر السم فوري في الأصل لكن النبي عليه السلام توفي بعده بثلاث سنوات وإن كان بأثره فالسم يظهر أثره مباشرة  ولكن ما ظهر أثره على النبي عليه السلام إلا بعد ثلاث سنوات  وهنا يرد إشكالين مشهورين , كيف يموت النبي عليه السلام مسموماً وهو المعصوم؟ ألا يدل موت النبي عليه السلام مسموماً على بطلان نبوته؟

 

  • السم وتعارضه مع العصمة:

يرى البعض أن هناك تعارضاً بين تعرض النبي عليه السلام للسم وبين عصمة النبي عليه السلام وحتى يتم الحكم هنا وتوضيح العلاقة بين الأمرين فلا بد أن نذكر أن النبي عليه السلام تعرض للأذى كغزوة أحد فقد شجت رباعيته على سبيل المثال وغيرها من الحوادث لتي يعرفها جل المسلمين, والتعرض للسم هو من جنس الأذى الذي يتعرض له الأنبياء فلا يوجد إشكال إذا فيه من حيث الأصل أي لا إشكال في تعرض النبي عليه السلام للأذى شرط أن لا يعارض أمرا يتعلق بثبوت النبوة وهنا مما قد يقال في السم أن النبي عليه السلام إنما توفي بسببه وهذا يعارض العصمة, وهذا الكلام ليس بصحيح إذ أن  العصمة بأوسع تعاريفها تتعلق بثلاثة أمور: العصمة في التبليغ والعصمة من الوقوع  في الكبائر والعصمة من  الصغائر المشينة وتعرض النبي عليه السلام للأذى إذا ليس داخلا في أمر ممتنع اشتراكه مع النبوة وليس ذنباً ولم يؤثر على التبلليغ لأن وفاة النبي عليه السلام إنما كانت بعد تعرضه للسم بثلاثة سنوات وبعد انتهاء التبليغ واكتمال الرسالة, وبالتالي لا تعارض بين التعرض للسم وبين العصمة لأنه يبقى إذا  من جنس الأذى الذي قد يتعرض له الأنبياء.

  • الموت بالسم ودلالته على بطلان النبوة

– الإنتقاء في الإستدلال: مشكلة منهجية

لا يخلوا المستدل بهذه الحادثة على إبطال النبوة إما أن يكون ربوبيا/ملحداً أو مؤمناً بدين آخر, فلو كان ربوبياً فهو يريد أن ينكر نبوة النبي عليه السلام فيبني دليله فيما وقفت عليه كالتالي:

1) ورد عن النبي عليه السلام انه مات مسموماً

2) هذا يدل على بطلان نبوته

وكما هو ظاهر فلا يوجد أي تلازم هنا بين موت النبي بالسم وبين بطلان النبوة لذلك يضع بعضهم مقدمة ثانية فيقول
مات النبي مسموماً والقرآن يقول ” وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ” فبما أن النبي عليه السلام توفي بالسم فهذا يعني أنه ليس نبياً, أو لأن النبي عليه السلام قال هذا أوان قطعت أبهري فهذا يعني أنه ليس نبيا وأن الله تعالى بناءً على القرآن أثبت عدم نبوته.
وللجواب على هذا السؤال نقول

الربوبي الباحث عن نبوة النبي عليه السلام فهو إنما يبحث في صدق النبي عليه السلام وفي ثبوت تأييد الله تعالى لنبيه من عدمه من خلال دراسة حياته, وبالتال لا بد إن كان يريد أن يكون منصفاً أن ينظر الى مجمل ما ثبت عن حياة النبي عليه السلام ثم يجمعه كله ويرى ما الذي يدل على نبوة النبي عليه السلام أو على عدم نبوته ثم يجمع بين هذا وهذا ويرى النتيجة, أما ما حدث في هذا الإستدلال فهو انتقاء استدلالي فج فبناء الدليل كله كان عن طريق أخذ حادثة واحدة من آلاف الحوادث التي حدثت مع النبي عليه السلام مع آية قرآنية من آلاف الآيات القرآنية, فعلى المستدل بها- إن كان باحثاً منصفاً- أن يجيب على الحوادث الكثيرة الأخرى الثابتة عن النبي عليه السلام كالمعجزات الحسية فمثلا: ”  ((انشقَّ القمرُ على عهد رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقةٌ فوق الجبل وفرقةٌ دونه، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اشهدوا))[3] ,, “كُنَّا نعدُّ الآيات بركة، وأَنْتُم تعدُّونها تخويفاً. كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقلَّ الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماءٍ، فجاءوا بإناءٍ فيه ماء قليل، فأَدخل يده في الإناء ثم قال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من اللهِ عز وجل، فلقد رأيتُ الماءَ ينبع مِنْ بين أصابع رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولقد كُنَّا نسمعُ تسبيح الطعام وهو يؤكل”[4]

واستجابة الدعاء أنَّ رجلًا دخلَ المسجدَ ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قائمٌ يخطُبُ ، فاستقبلَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قائمًا وقالَ : يا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ هلَكَتِ الأموالُ ، وانقطَعتِ السُّبلُ ، فادعُ اللَّهَ أن يُغيثَنا ، فرفعَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يديهِ ثمَّ قالَ : اللَّهمَّ أغِثنا ، اللَّهمَّ أغِثنا ، قالَ أنسٌ : ولا واللَّهِ ما نَرى في السَّماءِ مِن سحابةٍ ولا قزعةٍ وما بينَنا وبينَ سلعٍ من بيتٍ ولا دارٍ ، فطلَعت سحابةٌ مثلُ التُّرسِ ، فلمَّا توسَّطتِ السَّماءَ انتشَرَت وأمطَرَت ، قالَ أنسٌ : ولا واللَّهِ ما رأَينا الشَّمسَ سبتًا ، قالَ : ثمَّ دخلَ رجلٌ من ذلِكَ البابِ في الجمعةِ المُقْبِلَةِ ورسولُ اللَّهِ قائمٌ يخطبُ ، فاستقبلَهُ قائمًا فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عليكَ ، هلَكَتِ الأموالُ ، وانقَطعتِ السُّبلُ ، فادعُ اللَّهَ أن يُمْسِكَها عنَّا ، فرفعَ رسولُ اللَّهِ يديهِ ، فقالَ : اللَّهمَّ حوالَينا ولا علَينا ، اللَّهمَّ على الآكامِ والظِّرابِ ، وبُطونِ الأوديةِ ، ومَنابتِ الشَّجرِ[5] ولولا عدم إرادة الإطالة لذكرنا العديد من الأمثلة والمراد هنا التنبيه لا أكثربالإضافة إلى االإتيان بقصص السابقين دون وجود مصدر بشري يكمن له أن يأتي منه ” تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ”[6]

وإعجاز القرآن الظاهر والحوادث التي تدل على صدق النبي عليه السلام مثل قول أعدائه أنه إنما كان رجلا صادقا بينهم لا يعرف عنه الكذب[7] , وهذه الأمور إنما تدل بشكل أساسي على تأييد الله تعالى لنبيه عليه السلام على مدى 23 سنة من النبوة وتدل على كمال صدق النبي عليه السلام وهي مذكورة هنا بشكل مجمل بكل تأكيد,بل وزيادة على ذلك إن أراد المستدل أن يستدل على بطلان النبوة من خلال هذه الحادثة على بطلان النبوة فسيجد في نفس الرواية دليلاً آخر على النبوة وصورته: أن الحادثة فيها
1) أن امرأة وضعت السم ولم تخبر أحداً بذلك
2) ثم أن النبي عليه السلام أكل منها مرة -قيل مضغها ولم يبلعها-
3) فأخبرته الشاة أنها مسمومة فأخبر أصحابه.
 فالسؤال هنا من أين علم النبي عليه السلام ذلك؟ وهل هناك شاة تتكلم بالعادة؟ أم أن هذه معجزة من حيث هي دالة على نبوته عليه السلام؟ فلا يوجد هنا مصدر بشري يمكن ان يخبر النبي عليه السلام أن الشاة مسمومة إلا الله تعالى سواء كان عن طريق الوحي أو عن طريق الشاة هنا, فتكون الرواية نفسها فيها دليل على النبوة ولا يجوز للمعترض عقلا ومنهجيا أن يتجاوز عن ما ذكر من أدلة كالمعجزات الحسية وإعجاز القرآن والأخبار الغيبية ويقول أنها أخبار مسلمين مثلا فلا أصدقها! لأنه إنما أقام استدلاله بناء على خبر من الأخبار التي وردت عن النبي عليه السلام فعليه إذا أن يقبل بباقي الأخبار إذ أن البحث في النبوة يكون من خلال دراسة حياة النبي لا أخذ موقف أو موقفين أو ثلاثة يرى فيها الناظر أنهم أدلة على بطلان النبوة ثم هو ترك مئات المواقف الأخرى التي تثبت قطعا صدق النبي عليه السلام وتأييد الله تعالى له, فهو إن فعل ذلك أي قبل بالأخبار التي تدل عنده مثلا على بطلان النبوة وترك الأدلة الأخرى فكأنه في هذه الحالة يقول: سأنظر في سيرة النبي وسأختار كل ما يمكن أن يدل على بطلان نبوته ثم أخرجها وأبطل النبوة, فهو إذا وضع نتيجته “إبطال النبوة” قبل البحث أصلا وهذا خلل منهجي, أما من خلال النظر الى حياة النبي عليه السلام فتثبت النبوة بباقي ما ورد عن النبي عليه االسلام من الأدلة المذكورة مجملا سابقاً بل وبما ورد في نفس الرواية المستدل بها ثم ننظر: هل وفاة النبي عليه السلام من أثر السم تدل على عدم ثبوت النبوة لأن موت النبي بسبب شخص آخر يعني أنه ليس نبياً؟

 اقرأ معي هذه الآيات

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[8]
 [9] (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق)
(أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)[10]

(لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)[11]

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلً)[12]

وغيرها الكثير من الآيات التي تحمل نفس المعنى “ويقتلون النبيين” ووجه الإستدلال منها ظاهر  ففيها أن الأقوام قتلوا أنبياءهم دون أن يكون هذا مشكلا على نبوتهم, فلم يكن القرآن يتكلم إذاً أن مجرد قتل النبي من قومه يدل على بطلان نبوته بل تكرر كثيرا كما هو ظاهر أن هناك الكثير من الأنبياء قتلوا من أقوامهم وكل ما في الأمر كما ذكرنا سابقاً أن القتل للأنبياء لا يكون إلا بعد تبليغهم لدعوة الله تعالى ولا يمكن أن يحدث القتل قبل ذلك ولذلك لم يمت عليه السلام من أثر السم مباشرة مع أن هذا هو الأصل بل بعد ثلاثة سنوات وحماه الله تعالى قبل ذلك من أكثر من حادثة كان يمكن أن يقتل بها ونذكر مثالاً

قال أبو جهل: يُعفِّر محمدٌ وجهه بين أظهركم؟ -يقصد: يُصلِّي ويسجد- فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته لأطأنَّ على رقبته ولأُعفرنَّ وجهه، فأتى رسول الله وهو يُصلي -زعم ليطأ رقبته- فما فجأهم إلَّا وهو ينكص على عقبيه، ويتَّقي بيديه، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إنَّ بيني وبينه لخندقًا من نار وهوْلًا وأجنحة، فقال رسول الله: [13]«لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا

وكذلك يستدل بحادثة الشاة المسومة إذ أن النبي عليه السلام ظل حياً ثلاث سنوات بعدها على عكس من أكل منها.

أما ما ورد في قطع وتين – موت – النبي الكاذب فهو يدل على أن كل نبي كاذب لا بد أن يُظهر كذبه للناس ولا تظهر نبوته ولا يعني هذا أن النبي الصادق لا يقتل أي أنه يلزم لكل نبي كاذب أن يظهر الله تعالى بطلان نبوته وقد يكون هذا بوفاته قبل إتمام رسالته ولا يلزم من هذا أن النبي الذي يقتل كاذب بالضرورة, بل قد يقتل كما تواتر في القرآن ولكن هذا يكون بعد أن أوصل الرسالة المطلوبة وهذا هو الحد المهم: وصول الرسالة للناس ثم مصير هذه الرسالة ومصير النبي المبعوث بها يختلف باختلاف الأحوال
يقول ابن كثير في تفسير الآية
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
أَيْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُونَ مُفْتَرِيًا عَلَيْنَا فَزَادَ فِي الرِّسَالَة أَوْ نَقَصَ مِنْهَا أَوْ قَالَ شَيْئًا مِنْ عِنْده فَنَسَبَهُ إِلَيْنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَعَاجَلْنَاهُ بِالْعُقُوبَةِ, ويجيبك قوله “لعاجلناه بالعقوبة” على المفهوم الظاهر من الآية التي نزلت في مكة في بدايات الدعوة إذ أن كل مسلم يعرف أن نهاية حياة النبي عليه السلام ستكون بوفاته! سواء كان هذا بالسم أو بغيره فلا عجب من وفاته فليس المقصود من الآية أن النبي عليه السلام لن يموت بل “إنك ميت وإنهم ميتون” فلماذا العجب من أنه توفي عليه السلام أياً كان سبب وفاته؟

وهذا جواب شامل لمن كان ربوبيا ويريد الإستدلال بالحادثة على بطلان النبوة أما إن كان المستدل بالحادثة من دينٍ آخر كالنصرانية أو غيرها فالأمر معه قريب من الربوبي فهو يستدل بما ورد من حياة النبي عليه السلام ليبين عدم نبوته لكنه مطالب في البداية أن يثبت صحة دينه وإن كان دينه خبرياً أي يعتمد على كتب سابقة كاليهودية والنصرانية فعليه أن يثبت ثبوت هذه الكتب ثم يثبت أن هذه الحادثة تدل بالفعل على بطلان نبوة النبي عليه السلام,أي أن إثبات صحة دينه سابق على إثبات بطلان نبوة النبي عليه السلام من خلال هذه الحادثة وكما بينا فيما سبق فالحادثة نفسها لا تدل على بطلان النبوة في الأصل -وهذا الوجه الرئيسي في جواب المخالف-, ومن جهة أخرى فإن كان المجادل نصرانيا او يهوديا على سبيل المثال فعليه أيضاً أن يقبل بما ورد عن باقي حياة النبي عليه السلام كما لزم غيره لأنه إن اعتمد على ما ثبت عنده تاريخيا فثبوت ما ورد عن النبي عليه السلام أعلى وأوثق أي أن إثباته لصحة ما في لكتاب المقدس مثلا يلزم منه أن يثبت ما ورد في سيرة النبي عليه السلام الصحيحة لأن درجة وثوقية السيرة النبوية أعلى من وثوقية الكتاب المقدس فضلا عما ما في الكتاب المقدس من حوادث سيئة حصلت مع الأنبياء ليس هدف المقال الدخول في تفاصيلها تبين لك أن حادثة كهذه لا يمكن من خلالها إبطال النبوة عند اليهود والنصارى.

  • السم والعهد القديم

وهنا نقطة أخيرة يستدل بها البعض أنه ورد في الكتاب المقدس “وأما النبي الذي يتجبر فينطق باسمي بما لم آمره أن يتكلم به، أو يتنبأ باسم آلهة أخرى، فإنه حتما يموت”[14]
ونقاش مثل هذا الإستدلال يكون تسليماً في البداية بصحة الكتاب المقدس فإن قبل تنزلاً فليس فيما ورد ما يدل على بطلان نبوة النبي عليه السلام إذ أنه لم يقل أحد مثلا أن النبي الصادق لا يموت وليس هذا هو مقصود النص هنا قطعاً بالتالي لا دلالة فيه على إبطال النبوة.

وتلخيصاً لما ذكر:

1) لا تعارض بين السم والعصمة لأن العصمة إنما تكون في التبليغ والكبائر والصغائر المشينة والوفاة من السم لم تعارض أس شيء من هذا
2) لا دلالة في الحادثة على بطلان النبوة لأن النبي عليه السلام أكمل الرسالة ثم توفي عليه السلام
3) لا بد من قراءة مجمل السيرة عند الكلام عن النبوة لا انتقاء أمور معينة فقط تخدم وجهة نظر الباحث دون التعرض لما ينقضها من نفس المصدر
 


 

[1] سنن أبي داود 4512

[2] صحيح البخاري 4428

[3]البخاري 4868ا

[4] البخاري 3597

[5] 1517 صحيح النسائي

[6] هود 49

[7] صحيح البخاري 7,صحيح ابن حبان 6550

[8] آل عمران 21

[9] البقرة 61

[10] البقرة 87

[11] المائدة 70

[12] النساء 155

[13] صحيح مسلم 2797

[14] التثنية 20:18

الكاتب: غيث الخالدي

القراءة الصوتية: صالح أبو النجا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى