غير مصنف

هل الفكر النسوي محضن للإلحاد؟

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

        يُعدُّ الفكر النسوي من أخطر ما راج في العالم منذ بدايته وحتى يومنا هذا، ذلك بأن الأفكار التي استمدها من الفكر الغربي –بكونه فكرًا ناشئًا في الغرب-، والتي يدعو إليها ويروج لها؛ أدت بالكثيرات من النساء إلى التمرد على أصول ضرورية للحياة البشرية بدعوى الوصول إلى الحرية البراقة الزائفة، وحقيقة هذه الحرية هي أنها قيد مخفي حط من مكانة المرأة وجعلها تتنكر حتى من كونها امرأة!، فهل وصل الأمر بالفكر النسوي إلى درجة إنكار الخالق للوصول إلى تحقيق أهدافه؟، وهل كان هذا الفكر محضنًا للإلحاد؟، للإجابة على هذه الأسئلة سيتم توضيح ماهية الفكر النسوي والأصول التي يقوم عليها وتحريضه على التمرد على مسلمات الدين باعتباره عائقًا أمام الحصول على حقوق المرأة.

تعددت المفاهيم التي قدمت لتعريف مصطلح “الفكر النسوي”، أو ما يعرف كذلك بالنسوية أو حركة تحرير المرأة أو غيرها من المصطلحات، لكن هذا الفكر يعرف بشكل عام بأنه: “أنساق نظرية من المفاهيم والقضايا والتحليلات تصف وتفسر أوضاع النساء وخبراتهن، وسبل تحسينها وتفعيلها، وكيفية الاستفادة المثلى منها”[١].

 

لا شك أن لكل فكر أصولًا وإرهاصات بنى عليها أفكاره، والفكر النسوي كأي فكر لديه أصول فلسفية وفكرية اتكأ عليها في إنتاج الأفكار التي وصل إليها، والحقيقة أن أصول هذا الفكر بالتحديد كثيرة ومتشعبة، وخير دليل على ذلك؛ كثرة الحركات النسوية التي نتجت عنه، كما اختلف الباحثون في تحديد هذه الأصول، ولعل من أهمها ما يلي:[٢] العلمانية، العقلانية، المادية، الفردية، النفعية، العبثية والتشكيكية، الصراع (أو ما يعرف بالصراعية)، الوجودية، الإنسانية (الهيومانية)، النسبية، المساواة، والجندر وسيتم باختصار توضيح مفهوم كل مصطلح مع علاقته بالفكر النسوي.

  • [العلمانية]:

العلمانية عامة: هي فصل الحياة عن الدين و” تغليب العقل البشري على النقل الإلهي، ورفض الدين كمرجعية عليا للقطع في الأمور والعودة إليه عند الاختلاف”[٣]. وإذا فصل الإنسان نفسه عن الدين؛ فهذا يعني أنه سينكر كل دين صحيح، وبالتالي فنتيجة تبني الفكر النسوي للعلمانية تؤدي إلى: “الإلحاد وإنكار الخالق بالكلية وغير ذلك من الأفكار، لأنها لا تعتبر الدين مرجعًا ومصدرًا للاستلهام والأخذ المعرفي،  بل إن تحرر المرأة وحقوقها مرتبطة بالتخلص من مرجعيته وهيمنته على وعي الناس وسلوكهم”[٤].

  • [العقلانية]:

العقلانية صنو العلمانية وفلسفتها الجوهرية أو المركزية ونتيجة طبيعة لها، لأنه بعد رفض الدين كمرجعية ومصدر للمعرفة والاعتقاد والتشريع فلا بد أن يكون هناك البديل، فكان البديل في تأليه العقل الإنساني وتمجيده، فظهرت النزعة العقلانية كرديف للنزعة العلمانية بل مؤسسة لها، وكان لها الدور الأعظم في صياغة العالم الغربي المعاصر في كل مجالاته، ولابد أنها قد تركت على واقع المرأة أيضًا والحركة النسوية آثارًا مهمة وجوهرية، فهي من ناحية فلسفة للأنثوية تعتمد عليها؛ وهي من ناحية أخرى وبامتداداتها المتطرفة كانت وبالًا على المرأة حطت من قدرها[٥].

  • [المادية]:

تشير المعاجم الفلسفية إلى أن المادية تعني كل اتجاه أو فكر فلسفي وضعي يقرر بأنه لا وجود لأي جوهر غير المادة، فجميع الظواهر النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية؛ إنما يفسرها الوجود المادي[٦]، وتعد المادية أهم أصل في الفكر النسوي لأنها فلسفة تعادي “الدين والتشريع والأخلاق والأسرة ، والتي تمثل قضايا جوهرية كلية في تأسيس المجتمعات ونهوضها، ولأن المرأة تمثل القاعدة التي ترتكز عليها الأسر؛ فإن القضاء على الأسرة يأتي من خلالها أولًا، فتمت معالجة موضوع المرأة في ضوء الفكر المادي الذي لا يرى لأي شيء قيمة تتجاوز الحياة”[٧].

  • [الفردية]:

الفردية هي: تمجيد الفرد كحقيقة منفردة وحيدة تعتبر نفسها مركز جميع الأشياء ومقياسها في نطاق المنافسة والتصادم مع الآخرين[٨]. وتكمن العلاقة بين الفردية والفكر النسوي أن الفكر النسوي ينادي بفكرة تحرر المرأة وجوهرها يكمن: “إما في دعوى إبطال سلطة الرجل؛ أو ما عبر عنه بالتمركز حول الأنثى، أن في دعوى المساواة بين الجنسين، وكلاهما ينظران للمرأة من زاوية فردية بحتة”[٩].

  • [النفعية]:

النفعية أو مذهب المنفعة وهي: “القول أن المنفعة مبدأ جميع القيم علمية كانت أو عملية”[١٠]. وهذه الفلسفة تبنتها تيارات الفكر النسوي لتبني وفقها: “الكثير من الحقوق كحق المرأة في تملك جسدها، وحقها في الإنجاب ورفض الرضاعة والأمومة، وحقها في عدم تربية ورعاية أبنائها، وحقها في إطلاق رغباتها الجنسية والحب المفتوح بل والشذوذ والزواج المثلي وغيرها من الحقوق التي تنسجم مع مبادئ المنفعة الفردية في تعاطيها مع المرأة”[١١].

  • [العبثية والتشكيكية]:

تشترك كل من العبثية والتشكيكية في: ” التمرد على المقدسات، والتشكيك في الثوابت والمسلمات، والعبثية في الحياة والتفكير”[١٢]. وكون الفكر النسوي يبحث عن الحرية في كل شيء؛ فسيتمرد حتمًا على كل شيء مستعينا بهاتين الفلسفتين للعبث في المسلمات الدينية والتشكيك فيها.

  • [الصراع (أو ما يعرف بالصراعية)]:

يقوم مفهوم الصراع على اعتبار أن الحياة والأحياء والكون كله في حالة من التعارض والتناقض الذي يقتضي حتمًا وجود صراع بين المتعارضات والمتناقضات لكي تقوم الطبيعة -بحسب قولهم- بانتخاب الأصلح الذي هو الأقوى والأجدر بالبقاء[١٣]. وفكرة الصراع بذاتها؛”تبنتها قضية تحرير المرأة منذ مراحلها الأولى، ولكن الصراعية كانت أكثر إيغالًا في المراحل المتأخرة، حيث انطلقت منه الحركات النسوية المتطرفة، فلما لم تقنع بتحرير امرأة وإنصافها من الظلم الحقيقي الذي طالها، ولم تقنع بالأشواط الأولى من تمرد المرأة؛ طمعت في عالم تنفرد به المرأة، وتتمكن فيه من التمركز حول ذاتها مطلقة عنان الفوضوية لمفهومها عن حرية المرأة”[١٤].

  • [الوجودية]:

الوجودية بالمعنى العام: إبراز قيمة الوجود الفردي، وبالمعنى الخاص: هي المذهب الذي عرضه (ج. ب. سارتر) في كتابه الوجود والعدم، وخلاصة هذا المذهب قول سارتر: “إن الوجود متقدم على الماهية، وإن الإنسان مطلق الحرية في الاختيار، يصنع نفسه بنفسه ويملأ وجوده على النحو الذي يلائمه”[١٥]. والوجودية عامة أثرت على الفكر النسوي، ووجودية سارتر خاصة أثرت في تيارات النسوية من خلال سيمون دي بوفوار، التي بدورها “أثرت آراؤها على الفكر النسوي في أمريكا الذي ظهر في أواسط الستينات”[١٦].

  • [الإنسانية (الهيومانية)]:

المفهوم العام لهذا المصطلح يعني: “أن الإنسان هو الأصل والمعيار والمحور الذي يتجه إليه التفكير، وتدور حوله القضايا”[١٧]. وبعض التيارات في الفكر النسوي اهتمت بالإنسانية حيث “أطلق المنشغلون بتحرر المرأة مصطلح الأنسنة ليعبروا عن تبنيهم للمنظور الإنسانوي الغربي للحياة، الذي يجعل من الإنسان قيمة عليا مطلقة في الوجود، ويظل يدور في فلكه دون أن يرى في ذلك خروجًا به من دائرة الأديان”[١٨].

  • [النسبية]:

النسبية مذهب من يقرر أن كل معرفة (أو كل معرفة إنسانية) فهي نسبية[١٩]، وتعد النسبية -خاصة الأخلاقية- بالنسبة لمروجي الفكر النسوي: “أصلًا أساسيًّا من الأصول الفلسفية التي استندوا عليها عند مراجعة قضية المرأة”[٢٠].

  • [المساواة]:

المساواة عامة  تقوم على مبدأ: “أن جميع البشر يتساوون في القيمة الجوهرية أو الحالة الاجتماعية، وتحت هذا المفهوم العام تم تمديد كثير من القضايا والمفاهيم الصائبة أو الخاطئة وتمريرها، كما تم التعامل مع هذا المفهوم بمعايير مختلفة فيها تطفيف ظاهر”[٢١]. وتعد المساواة بين الجنسين من أبرز قضايا الفكر النسوي حيث إن “المساواة في الحقوق عند منظري النسوية الأوائل؛ هدف أساسي لتحرير المرأة، يركز على حق الفرد في السعي لتحقيق الذات دون التقيد بالنوع، وهي النظرة التي تشبه مبدأ المساواة العنصرية الذي كان دعاة الحقوق المدنية يسعون لتحقيقه في نفس الآونة، ثم نادت الأيديولوجيات النسوية فيما بعد بأن هذا المدخل يصرف الانتباه عن القضايا العلمية التي تهيمن على تجربة المرأة، وهو ما أدى إلى اتخاذ الكثير من الإجراءات في صورة حملات محددة لمناهضة صور معينة من الظلم أو التفرقة”[٢٢].

  • [الجندر]:

تقوم فكرة الجندر على: “التمييز بين الجنس والنوع على اعتبار أن الجنس Sex مسألة بيولوجية، بينما النوع gender تصور اجتماعي”[٢٣]. واستعمل بعض دعاة الفكر النسوي هذا المفهوم بهدف حرية اختيار المرأة نوعها الجنسي إقرارًا أو إنكارًا، وهذا يعد من أخطر ما دعت إليه بعض تيارات هذا الفكر؛ لأنه يخرج المرأة عن فكرة فطرية أنوثتها التي تولد بها، ويهدم بذلك النظام الأسري الطبيعي “عن طريق ترسيخ فرضيات أسرية هدامة، كقبول التخنث في الأسرة، وعدم الممانعة أن تكون الأم مساحقة تعيش مع أسرتها وأطفالها على هذا النمط من الحياة، لأنه أمر طبيعي ولا مفر منه”[٢٤].

من خلال الجمع بين الأصول السابقة يتضح أن الفكر النسوي يسعى إلى إبعاد الدين بل واتخاذ الإلحاد بديلًا عنه، والبحث كذلك في فلسفات أخرى عن بدائل للدين، بل والتحريض على التمرد على المسلمات الدينية والتشكيك فيها من خلال العبث بها وبث الشبهات فيها وفي النصوص المقدسة، من أجل تحقيق الأهداف التي تزعم أنها ستحرر المرأة من المشاكل التي تعيشها، وتصوير أن الحل الوحيد لذلك هو تحقيق مبادئ هذا الفكر من خلال أهم مبدأ نادت به وهو: “الدين عائق أمام الحصول على حقوق المرأة ودفع الظلم عنها”.

تعددت المبادئ التي كان ينادي بها الفكر النسوي، ولعل أهم مبدأ منها؛ كان أن الدين عائق أمام الوصول إلى تحقيق الأهداف والحصول على حقوق المرأة ودفع الظلم عنها، حيث ترى النسوية “أن الأديان هي أكبر من يمارس الإقصاء والتهميش ضد المرأة، وأنها كانت ولا زالت مستمرة في التقليل من شأن المرأة واضطهادها، وبهذا تعطي الأديان الرجل الضمان اللازم ليهيمن على المرأة ويسيطر عليها”[٢٥]، وتبرر ذلك من خلال تحميل الدين “السبب في تخلف المرأة واضطهادها، وأنه عبر تشريعاته الذكورة قد كرس دونية المرأة”[٢٦].

ولعل سبب إنكار الدين في الفكر النسوي كذلك؛ هو الحمولات الفلسفية والفكرية والثقافية التي حَملها واستمدها من الفكر الغربي الذي نبذ بعد مراحل تاريخية مر بها كل الأديان ووضعها في طرف واحد مفاده: أن الدين لا فائدة منه، وأن الحل الوحيد بالنسبة لهذا الفكر هو الإلحاد، والحقيقة أن الإلحاد لا يقدم حلولًا بقدر ما يزيد في إغراق المرأة بل والبشرية كلها في مشاكل لا تخفى على من يعرف اللوازم الفاسدة الناجمة عن تبني الإلحاد.

بقلم: ياسمين قلاتي


[١] يمنى طريف الخولي، النسوية وفلسفة العلم، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٨م، ص١١.

[٢] تم الاعتماد في تحديد هذه الأصول على الجمع بين ما جاء في مرجعين هما: كتاب حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر دراسة نقدية إسلامية؛ لمثنى أمين الكردستاني، وكتاب قضية تحرير المرأة في الغرب أصولها الفلسفية وآثارها على العالم الإسلامي؛ لإيمان بنت محمد العسيري.

[٣]مثنى أمين الكردستاني، حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر دراسة نقدية إسلامية، ط١، دار القلم، القاهرة مصرـ ١٤٢٥ه/٢٠٠٤م، ص١٠٨.

[٤] ينظر، المرجع نفسه، ص١٠٨ و١١٦ و١١٩.

[٥] المرجع نفسه، ص١١٩.

[٦]إيمان بنت محمد العسيري، قضية تحرير المرأة في الغرب أصولها الفلسفية وآثارها على العالم الإسلامي، ط١،  مركز باحثات المملكة العربية السعودية، ١٤٣٨ه/٢٠١٧م، ص١٠٥.

[٧] المرجع نفسه، ص١١٦.

[٨] غارودي في سبيل ارتقاء المرأة، ص١٥٧، نقلًا عن مثنى أمين الكردستاني، حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر دراسة نقدية إسلامية، ص١٢٦.

[٩] إيمان بنت محمد العسيري، قضية تحرير المرأة في الغرب، أصولها الفلسفية وآثارها على العالم الإسلامي، ص١٨٣.

[١٠] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج٢، دار الكتاب اللبناني، لبنان ١٩٨٢م، ص٤٩٩.

[١١] إيمان بنت محمد العسيري، قضية تحرير المرأة في الغرب أصولها الفلسفية وآثارها على العالم الإسلامي، ص ٢٠٦.

[١٢] مثنى أمين الكردستاني، حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر دراسة نقدية إسلامية، ص ١٣٢.
[١٣]
 إيمان بنت محمد العسيري، قضية تحرير المرأة في الغرب أصولها الفلسفية وآثارها على العالم الإسلامي، ص ٢١٧.

[١٤] المرجع السابق، ص٢٢٦.

[١٥]  جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج٢، ص٥٦٥.

[١٦] إيمان بنت محمد العسيري، قضية تحرير المرأة في الغرب أصولها الفلسفية وآثارها على العالم الإسلامي، ص ٢٧٩.

[١٧] المرجع نفسه، ص١٢٩.

[١٨] المرجع نفسه، ص١٤٠.

[19] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج٢، ص٢٦٦.

[٢٠] إيمان بنت محمد العسيري، قضية تحرير المرأة في الغرب أصولها الفلسفية وآثارها على العالم الإسلامي، ص ١٦٧.

[٢١] المرجع السابق، ص٢٣٤.

[٢٢] سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، تر: أحمد الشامي، ط١، المجلس الأعلى للثقافة مصر، ٢٠٠٢م، ص٣٢٨.

[٢٣] خالد قطب وآخرون، الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية المجتمع المصري أنموذجا، ط١، سلسلة تصدر عن مجلة البيان كتاب البيان سلسلة الحركة النسوية في العالم الغربي١، دار الكتب المصرية، ١٤٢٧ه/٢٠٠٦م، ص٢٨٠.

[٢٤] انظر باخربيه محمد علي الصهيونية بإيجاز: أصل النشأة المخططات الصهيونية العالمية ذات النزعة العنصرية، ط١، (الخبر ١٤٢١ه/٢٠٠١م)، ص٨٠، نقلا عن أمل بنت عائض الرحيلي، مفهوم الجندر وآثاره على المجتمعات الإسلامية دراسة تحليلية في ضوء الثقافة الإسلامية، ص٩٥.

[٢٥] أمل بنت ناصر الخريف، مفهوم النسوية دراسة نقدية في ضوء الإسلام، ط١، مركز باحثات لدراسة المرأة المملكة العربية السعودية، ١٤٣٧ه/2016م،  ص١١٤.

[٢٦]  المرجع نفسه، ص١٢٢.

0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى