عرض ونقد

الزواج بين التشريع الإسلامي والتشريعات البشرية

للمرأة في كثير من الأديان والحضارات الحديثة مكانة لا تختلف كثيرًا عن حالها في الحضارات القديمة التي حطت من قدرها فجعلت سبب خلقها ووجودها هو متعة الرجل، وتنوعت أساليب قهر المرأة والتسلط عليها في مختلف الأمم، فكانت في الجاهلية مهضومة الحقوق؛ تورث كالمتاع وتدفن حية خشية العار، ومن مشارق الأرض إلى مغاربها توالت القوانين التي تجنت على المرأة ومسخت كرامتها فعلى سبيل المثال؛ جعلت الشرائع الصينية المرأة في عداد ملكية الرجل، بينما حكمت عليها الهندوسية بالحرق حتى الموت في حال وفاة زوجها وهي حية ترزق، وقد انحدرت بها المكانة في شريعة حمورابي حتى عُدت في عداد الماشية، وأما على الصعيد الديني والروحي؛ فكانت اليهودية والنصرانية تعد المرأة لعنة على البشرية إذ أنها أغوت آدم عليه السلام بالأكل من شجرة الخلد، واعتبرت بابًا من أبواب الشيطان وسلاح فتنة وشر لا بد منه.

 

وفي عام 1805م، عقدت عدة مؤتمرات نصرانية نوقش فيها وضع المرأة، وكان أحد نتائجها تقرير إنسانية المرأة وأن سبب خلقها هو خدمة الرجل، وكان القانون الإنجليزي وحتى قبيل هذه المؤتمرات يبيح للرجل أن يبيع زوجته، أما في أوروبا عمومًا، فقد نزع القانون الفرنسي صفة الأهلية عن المرأة وكانت مكانة المرأة في فرنسا إلى وقت قريب أشبه ما تكون بالرق المدني.

وهذه الأمثلة السابقة تعتبر شاهدًا قويًا على أن القوانين البشرية في مختلف الأمم التي يصوغها الناس وفق أهوائهم ونزواتهم وعقولهم القاصرة وما تمليه عليه شياطينهم بلا هدى من الوحي ستكون غالبًا مصالح موهومة، بل محض ظلم للنفس وللآخرين.

وعلى النقيض مما ذكر؛ ففي المنظور الإسلامي العظيم كانت المرأة نواة الأسرة الحيوي والمؤثر، والأسرة ذاتها مكون أساسي للمجتمع، ولهذا ولى التشريع الإسلامي عناية خاصة بهذا المكون الجليل ودور نواته الجسيم، فجعل نظام الأسرة في الإسلام ينبثق من معين الفطرة، وأصل الخلقة وقاعدة التكوين الأولى للمخلوقات كافة؛ وهي الجاذبية الفطرية بين الجنسين الذكر والأنثى، والأسرة تلبي هذه الفطرة العميقة في أصل الكون وفي بنية الإنسان.

هذه الأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الناشئة ورعايتها، وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها، وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة، لهذا كله حظيت الأسرة في الإسلام بعناية هامة، وسن لها من القوانين ما يكفل سعادتها وصلاحها واستمراريتها بالزواج الناجح، سواء فيما يتعلق بنشأتها، والحقوق المترتبة على ذلك، أو انفصال أحد الزوجين عن الآخر، ومعالجة ما يكتنف ذلك من آثار، وكان لهذه العناية الأثر الجميل على تماسك الأسرة المسلمة، وعلى وحدة المجتمع المسلم، وتآلفه، وتراحمه، وتعاطفه.

لم يشأ الشارع الحكيم سبحانه وتعالى أن يترك العلاقة بين شطري النوع الإنساني للنوازع الطبيعية وحدها كما هو شأن البهائم والحيوانات، بل أراد أن يحصر العلاقة بينهما في صورة منظمة هي صورة (الزواج الشرعي) ووضع لهذا الزواج أحكامًا عامة وأخرى تفصيلية تبين الحقوق والواجبات لجميع الأطراف، ولم يكتف بذلك بل جعل الزواج ميثاقًا غليظًا بين الزوجين وليس ذلك إلا من قبيل تعظيم الشارع لهذا العقد.

فالزواج الشرعي صورة راقية للعلاقة بين الرجل والمرأة، تلبي داعي الفطرة وتسكن فيها النفس ويحصل بها الاستقرار واستمرار النسل الإنساني الذي يحقق المقصود الأعظم من الخلق وهو العبودية لله تبارك وتعالى، وهذا ما لا نجده في الممارسات الجاهلية بين الأمم والشعوب التي تشمئز منها الطباع والفطر السليمة، فقد شاع عند الأشوريين واليابانيين والرومان والمغول والهنود ما يسمى بزواج الشراء؛ بثمن يؤديه الخطيب إلى والد الفتاة، والزواج بالخطف والاغتصاب، ولم يختلف حال العرب الجاهليين عن بقية الأمم فقد عرفوا أنواعًا من النكاح التي هدمها وألغاها الإسلام؛ ومنها نكاح الاستبضاع؛ الذي يرسل فيه الرجل زوجته لتعاشر رجلًا ذا منصب أو جاه لتحمل منه.

وقد أباحت بعض الشعوب صورًا من نكاح المحارم كشعوب الأنكا وهاواي القديمة والمصريين القدماء التي سمحت بزواج الأخ بأخته حفاظًا على السلطة والثروة، ومع شيوع هذه الأنواع المستقبحة من الزواج كانت كثير من الشعوب تغرق في فوضى جنسية تكون بالقانون أحيانًا، ومخالفة له أحيانًا أخرى، ففي بعض الطقوس الهندية القديمة مثل موسم الحصاد في شوتاناجبور يباح للنساء معاشرة من يشأن من الرجال، وعند الفينيقيين عرف ما يسمى بالدعارة المقدسة التي تمارسها المرأة مع غريب على شرف الآلهة، وفي الصين يباح تعدد الخليلات، وفي الشرائع القديمة في روما وفي أثينا واليابان يسمح للرجال بالاختلاف إلى البغايا دون معاقبة؛ في حين أن المرأة تعاقب على ذلك ويُعد فعلها من الكبائر.

ولم تكن أوروبا في عصورها المسيحية بأحسن حالًا فكانت العلاقات الجنسية قبل الزواج وكذلك الاغتصاب من الأمور الشائعة بالرغم من فرض العقوبات القاسية على هذه الأفعال، وانتشر الأطفال غير الشرعيين في جميع أنحاء العالم المسيحي وبلغ الأمر إلى درجة أن الدولة خصصت بيوتًا للدعارة تحت إشراف رسمي، وتولت الكنيسة بنفسها هذا التنظيم. 

وبعد أن أشرقت أنوار الرسالة المحمدية حرص الإسلام على أن يبني صورة راقية للزواج على أساس من التقوى والمودة والرحمة والفطرة، وشرع لذلك الحدود والضوابط التي تصون الأعراض وتحفظ العلاقة بين الرجل والمرأة، ومن ذلك ما حث عليه الشارع من اختيار الزوجة الصالحة والبكر الولود، والأمر بتزويج صاحب الخلق والدين، واشتراط دوام العقد لأن الزواج المؤقت لا يحقق الهدف المرجو من النكاح، واشتراط شهادة الشهود بعدًا عن شبهة الزنا والريبة، وأن تكون المعقود عليها محلًا للعقد ليست من المحرمات، واشتراط الولي، ورضا المرأة؛ فالبكر تستأذن والثيب تستأمر، ومن الاحتياط في الزواج ندب الشارع إلى النظر إلى المخطوبة الذي هو أدعى إلى الطمأنينة والرضا، والأمر بالمعاشرة بالمعروف من غير ضرر أو إيذاء، ثم إن الله تعالى جعل أمر القيام على هذه المؤسسة (الأسرة) وتدبير أمورها، وإدارة شؤونها، والسير بها نحو الهدف المنشود بيد الرجل بما منحه الله في تكوينه العضلي والعقلي إذ أنه أقدر على تحمل أعباء الحياة وتكاليفها، وبعد هذا كله قدس الله تبارك وتعالى هذا الرباط وسماه ميثاقًا ووصفه بأنه غليظ.

 وبعد وضع حجر الأساس لهذا الميثاق الغليظ، شرع الإسلام في حل الإشكالات التي غرقت فيها الأمم السابقة من تعدد الخليلات والعلاقات المحرمة التي ما كادت تبدأ حتى تسببت بدمار الأسر وتشتت الأبناء، فأقر قانون التعدد الذي عرفته المجتمعات القديمة لكن بقواعد أصيلة وضوابط أسرية جادة تمنح الحقوق وتبعد الرذيلة.

ولم تكن إباحة التعدد في الإسلام بداية حكم شرعي مستحدث لم يسبق له جذور في الأمم السابقة قبل بزوغ فجر هذا الدين الحنيف، بل إن غالب الأديان شرعت التعدد وأباحت ممارسته كاليهودية والنصرانية، ففي اليهودية كان التعدد مباحًا غير مقيد بعدد، وأما النصرانية فقد بالغ بعض فرقها حتى أوجبوا التعدد بل وحتى الأديان الوثنية سارعت لتطبيق التعدد، وتأتي بعد ذلك مختلف الثقافات القديمة والأمم كالحضارة الصينية التي جعلت للملك حق التعدد والزواج بأكبر عدد من النساء بصفته ابن السماء، وأعطت تشريعاتها للوزراء والحكام حرية الزواج بالعشرات من الزوجات، وبين جنبات هذه التشريعات التي حددت قوانينها اليد الإنسانية، ظهر الظلم وتفشى قهر النساء في كثير من الأمم حتى بزغت شمس الإسلام وما لبثت الحدود البشرية العبثية في التعدد أن تزول تحت وطأة الإعجاز التشريعي الإلهي والحكم العظيمة التي لازمت كل الأوامر الإسلامية فيما يخص التعدد، فكان الإسلام الدين الأوحد الذي شجع على الزواج من الواحدة {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}، ومن ثم أباح التعدد ولم يوجبه واشترط له العدل والمقدرة المادية والمعنوية.

 إن الناس في طبيعتهم وجبلتهم الإنسانية يطرأ عليهم التغير والتبدل وتتقلب نفوسهم ومشاعرهم التي قد تدمر كثيرًا من العلاقات الأسرية إن لم يكن هناك مخرج شرعي لحلها دون الطلاق، ومن ثم صار التعدد سبيلًا لحل تبدل النفوس والطبائع بين الأزواج دون تسبب في ضرر بالغ ينتج عن إنهاء ذلك الرباط المقدس، ولا ننسى الإشكالات المجتمعية المختلفة كارتفاع نسبة وفيات الرجال مقابل النساء نظرًا لصعوبة الأعمال والمخاطر الطبيعية التي يواجهونها، مما يؤدي إلى ترمل الكثير من الزوجات وبقائهن دون عائل يفي بحقوقهن ويكسبهن الاكتفاء العاطفي والنفسي الطبيعي، هذا وإن للأسباب الطبية والمرضية كالعقم والأمراض المانعة من الإنجاب أثرًا في نقص المواليد في كافة المجتمع المسلم، والذي يخالف أحد أهم أسس الزواج في الإسلام وهو الحفاظ على النسل وتكثير المسلمين.

 كل هذه الإشكالات التي ذكرناها إن لم تتم معالجتها بطريقة شرعية فإنها ستتحول إلى معضلات تجلب الكثير من الفساد الذي ينخر في المجتمع، فكان الإعجاز الشرعي في التعدد وسيلة حل تقي المجتمع من ويلات تفاقمها وتضمن الحقوق على أساس العدل والإنصاف مما يساهم في الاستقرار الأسري وسلامة المجتمع الإسلامي، وشكل هذا الفرق الجوهري بين النظام الإسلامي التشريعي القائم على الوحي وبين التشريعات البشرية التي تستند إلى آراء فردية وأفكار إنسانية تميل إلى الشطط والنسيان.


مراجع: 

الإعجاز التشريعي، الزواج (مقارنة بين تشريعات الإسلام وتشريعات الأمم الأخرى)، سليمان بن علي الشعيلي، بحث مقدم إلى المؤتمر الأول في الإعجاز في القراءات والمصطلحات القرآنية، كلية القرآن الكريم والقراءات، جامعة الأزهر، 2012.

 

القراءة الصوتية: أسامة قائد القطاونة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى