تعزيز اليقين

دور الصحابة في حفظ القرآن الكريم

الحمدُ لله وحدَه، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ لا نبيَّ بعدَه،

أمَّا بعد:

فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى أعلَمَنا وأخبرَنا فى مُحكمِ آياتِه أنَّه حافظٌ للذِّكرِ مِن كتابِه العزيز، متكفِّلٌ بذلك بقدرتِه تباركَ وتعالى، وإنَّ بشرًا مهما كانَ لا يستطيعُ أن يأتيَ بمثلِه، فهو تنزيلٌ من عزيزٍ حكيم.

ولمَّا كانَ مِن تشغيبِ الحاقدينَ على أمَّةِ القرآنِ بأنَّ هذا الكتابَ كسائرِ الكتبِ واردٌ عليه من التَّحريفِ بينَ نقَلَتِه من الصَّحابةِ، فلنا هنا أن نتساءل؛

هل حقًّا يستطيعُ الصحابةُ رضوانُ اللهِ عليهم تحريفَ القرآنِ؟

في الحقيقةِ إنَّ هذا السؤالَ معكوسٌ؛ فبعدَ أسطرٍ سنرى أنَّ الصَّحابةَ كانوا أكثرَ مَنْ حصَّنَ القرآنَ ضدَّ التَّحريفِ، فحتَّى خلافاتُهم كانت في سبيلِ الحفظِ والتَّحصينِ مِنْ أنْ يدخلَ في المصحفِ شيءٌ بخلافِ القرآنِ الكريمِ الذي تعلَّموه وحفظوهُ عَن رسولِ اللهِ بعد العرضةِ الأخيرةِ قبلَ وفاةِ رسولِنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

روى البخاريُّ في “صحيحِه” عن زيدٍ رضيَ اللهُ عنه أنَّه قال: « أرسلَ إليَّ أبو بكرٍ مقتلَ أهلِ اليمامةِ وعندَه عمَر، فقالَ أبو بكرٍ: إنَّ عمرَ أتاني فقالَ: إنَّ القتلَ قدِ استحرَّ -أيِ اشتدَّ وكثُرَ- يومَ اليمامةِ بالنَّاسِ، وإنِّي أخشى أنْ يَستَحِرَّ القتْلُ بالقرَّاءِ في المواطنِ، فيذهبَ كثيرٌ منَ القرآن، إلَّا أنْ تجمعوه، وإنِّي لأرى أنْ تجمَعَ القرآنَ، قالَ أبو بكرٍ: قلتُ لعمرَ: كيفَ أفعلُ شيئًا لمْ يفعلْه رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟، فقالَ عمر: هو واللهِ خيرٌ، فلمْ يزلْ عمرُ يراجعُني فيهِ حتَّى شرحَ اللهُ صدري، ورأيتُ الذي رأى عمرُ. قالَ زيد: وعمرُ عندَه جالسٌ لا يتكلَّمُ، فقالَ أبو بكرٍ: إنَّكَ رجلٌ شابٌّ عاقلٌ ولا نتَّهمُك، كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، فتَتَبَّعِ القرآنَ فاجمَعْه. فواللهِ لو كلَّفني نقْلَ جبلٍ من الجبالِ ما كانَ أثقلَ عليَّ ممَّا أمرني به مِنْ جمعِ القرآن، قلتُ: كيف تفعلانِ شيئًا لم يفعلْه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟، فقالَ أبو بكرٍ: هو واللهِ خيرٌ، فلمْ أزلْ أراجعُه حتَّى شرحَ اللهُ صدري للذي شرحَ اللهُ له صدرَ أبي بكرٍ وعمر، فقمْتُ فتتبَّعتُ القرآنَ أجمعُه من الرِّقاعِ والأكتافِ والعُسُبِ وصدورِ الرِّجال، وكانتِ الصُّحفُ التي جُمعَ فيها القرآنُ عندَ أبي بكرٍ حتَّى توفَّاه الله، ثمَّ عندَ عمرَ حتَّى توفَّاه الله، ثمَّ عندَ حفصةَ بنتِ عمرَ».

هكذا ابتدأَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مرحلةٍ جديدةٍ مِنْ تحصينِ القرآنِ بالتَّدوينِ خشيةَ أنْ يذهبَ الحفَّاظُ الذين وَعوُا القرآنَ في صدورِهم بعدَ معركةِ اليمامةِ، فتكلَّفوا جمْعَه من الرِّقاعِ والأكتافِ والعُسُبِ الَّتي كانَ يُكتبُ فيها الوحيُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وجمعوها في مصحفٍ مكتوبٍ موافِقٍ لمَا في صدورِ الرِّجالِ ليكونَ مرجعًا يُستندُ إليه.

فبفضلِ اللهِ ثمَّ بجهدِ الصَّحابةِ جُمعَ أوَّلُ مصحفٍ مدوَّنٍ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ.

وهنا قدْ يسألُ سائلٌ؛ لماذا لم يُجمعْ هذا المصحفُ على عهدِ رسولِ الله؟

إنَّ حياةَ المصطفى الحبيبِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانتْ مَدْعاةً لتنزُّلِ الوحيِ عليه، فإنَّ هذا كانَ مَدْعاةً للتَّدوينِ والتَّرتيبِ على ما أوحيَ إلى رسولِ اللهِ، فكانَ لِزامًا أنْ ينتهيَ تنزُّلُ الوحيِ حتَّى يستقرَّ الأمرُ إلى منتهاهُ من التنزُّلِ الشَّريفِ حتَّى يُجمع بينَ دفَّتيِ المصحفِ.

هلِ انتهى الأمرُ إلى هذا الحدِّ؟

عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه: أنَّ حذيفةَ بنَ اليمانِ قدِمَ على عثمانَ رضيَ اللهُ عنه وكان يُغازي أهلَ الشَّامِ في فتحِ أرمينية وأذربيجانَ معَ أهلِ العراقِ، فأفزعَ حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقالَ حذيفةُ لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنين!، أدركْ هذه الأمَّةَ قبلَ أن يختلفوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنَّصارى!، فأرسلَ عثمانُ إلى حفصةَ أنْ أرسلي إلينا بالصُّحفِ ننسخُها في المصاحفِ ثمَّ نردُّها إليك، فأرسلتْ بها حفصةُ إلى عثمان، فأمرَ زيدَ بنَ ثابت، وعبدَ اللهِ بنَ الزُّبير، وسعيدَ بنَ العاص، وعبدَ الرَّحمنِ بنَ الحارثِ بنَ هشامٍ رضيَ اللهُ عنهم؛ فنسخوها في المصاحف.

قال القرطبيُّ في التَّفسير: “وكانَ هذا مِن عثمانَ رضيَ اللهُ عنه بعدَ أنْ جمعَ المهاجرينَ والأنصارَ، وجُلَّةَ أهلِ الإسلام، وشاورَهم في ذلك، فاتَّفقوا على جمعِه بما صحَّ وثبتَ من القراءةِ المشهورةِ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واطِّراحِ ما سواها، واستصوَبوا رأيَه، وكانَ رأيًا سديدًا موفَّقًا”.

وكما ترى أدركَ اللهُ هذه الأمَّةَ في شأنِ القرآنِ الكريمِ بصحابةِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقدْ جمعوا الأمَّةَ على القرآنِ وقد كادوا لِيختلفوا لولا أنَّ اللهَ قيَّضَ لهذه الأمَّةِ خيرَ الرِّجالِ من صحبةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقلْ لي باللهِ عليكَ أهؤلاء رجالٌ يُتَّهمون فى تحريفِ كتابِ اللهِ!

اللهمَّ كلَّا!.

وهكذا فإنَّ اللهَ سبحانَه قد هيَّأَ لحفظِ قرآنِه رجالًا حفظوه وحافظوا عليه، تصديقًا لقولِه تعالى: ﴿إِنّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ﴾ [الحجر: ٩]

الكاتب: محمد نجم الدين

المراجعة: إيمان حبوباتي

التدقيق اللغوي: فاطمة الزعبي

القراءة الصوتية: أنس عاصم

التصميم: سمية العمودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى