تعزيز اليقين

دلالةُ المعجزاتِ على النبوة

الحمدُ للهِ وكفى، والصَّلاةُ والسَّلامُ على النَّبيِّ المصطفى وبعد:

إنَّ مِنْ أعظمِ آياتِ النُّبوَّةِ ما يؤتيه اللهُ أنبياءَه مِنْ خوارقِ العاداتِ الَّتي يعجزُ عن فعلِها سائرُ النَّاس، وتمكينُهم مِنْ هذه الخوارقِ إنَّما هو بتكريمٍ وتأييدٍ منَ الله، وهو دليلُ رضا اللهِ وتأييدِه لهذا الذي أكرمَه اللهُ بالنُّبوَّةِ، ولا يمكنُ أنْ يؤيِّدَ اللهُ بعونِه وتوفيقِه مَنْ يدَّعي الكذبَ عليهِ ويُضلُّ النَّاسَ باسمِه.

فالأنبياءُ الذين ابتعثَهمُ اللهُ إلى عبادِه يقولون للنَّاسِ: نحن مرسلونَ مِنْ عندِ الله، وعليكم أنْ تصدِّقونا فيما نخبرُكم به، كما يجبُ عليكم أنْ تطيعونا بفعلِ ما نأمرُكم به، وتركِ ما ننهاكم عنه، فإذا كانَ الأمرُ كذلكَ فلا بدَّ أنْ يقيمَ اللهُ الدَّلائلَ والحججَ والبراهينَ المبيِّنةَ صدقَ الرُّسلِ في دعواهم أنَّهم رسلُ اللهِ كي تقومَ الحجَّةُ على النَّاس، ولا يبقى لأحدٍ عذرٌ في عدمِ تصديقِهم وطاعتِهم، فمَنْ يقولُ: إنِّي رسولُ اللهِ؛ لا بدَّ أن يأتيَ ببيِّناتٍ تدلُّ على رسالتِه[1].

ولكنْ لا نعني بالتَّقريرِ السَّابقِ انحصارَ آياتِ وأدلَّةِ النُّبوَّةِ في المعجزاتِ، فهي أحدُ براهينِ النُّبوَّةِ؛ ولكنَّها ليستِ الطريقَ الوحيدَ للتَّأكُّدِ مِنْ صحَّةِ النُّبوَّةِ، فيمكنُ النَّظرُ في أحدِ ثلاثِ أمورٍ:

  • حالُ مدَّعي النُّبوَّة.
  • دعوتُه وما جاءَ به.
  • الأدلَّةُ والبراهينُ الَّتي أُيِّدَ بها.

وقد أيَّدَ اللهُ سبحانَه نبيَّهُ ورسولَهُ محمّدًا بمعجزاتٍ ظاهرةٍ كثيرةٍ، قالَ عنها ابنُ القيِّم : “ومعجزاتُه وآياتُه تزيدُ على الألفِ والعهدُ بها قريب، وناقلوها أصدقُ الخلقِ وأبرُّهم، ونقْلُها ثابتٌ بالتَّواترِ قرنًا بعد قرنٍ[2]”.

فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانتْ تقعُ بينَ يديهِ أحداثٌ كثيرةٌ خارقةٌ للسُّننِ الكونيَّةِ، وخارجةٌ عن مقدورِ الإنسِ والجنِّ، ولا يستطيعُ فعلَها أحدٌ منهم، وحدوثُ المعجزاتِ بينَ يديهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لم يقعْ مرَّةً أو مرَّتينِ، ولكنَّ ذلك وقعَ كثيرًا وفي مجالاتٍ مختلفةٍ ومتنوِّعة.

وقد تواترتْ تلك الأخبارُ وانتشرتْ بينَ الصَّحابةِ بشكلٍ كبيرٍ جدًّا، وبعضُها شهِدَها عددٌ كبيرٌ منهم، ثمَّ انتشرَ في الجيلِ الَّذي جاءَ بعدَ الصَّحابةِ، وكذلك الحالُ فيمنْ بعدَهم، فتحقَّقَ لمجموعِ تلكَ الأخبارِ التَّواترُ المعنويُّ الَّذي يوصِلُ إلى العلمِ اليقينيِّ بوقوعِ تلك المعجزاتِ.

وقد قامَ الكثيرُ مِنْ أهلِ العلمِ بتَّتبُّعِ أخبارِها وإيرادِها في مؤلَّفاتٍ مخصوصةٍ[3]، ومِن أمثلةِ تلكَ المعجزات:

  • تكثيرُ القليلِ منَ الطَّعامِ بينَ يديهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى كانَ يأكلُ منه مَنْ معه منَ الجيش، وتبقى منهُ بقيَّةٌ، والأحاديثُ في ذلكَ في الصَّحيحين وغيرِهما.
  • نبْعُ الماءِ مِنْ بينِ أصابعِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتكثيرُ الماءِ حتَّى يشربَ منه جميعُ الجيشِ ويتوضؤوا، والأحاديثُ في ذلكَ أيضًا في الصَّحيحين.
  • إخبارُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالأمورِ الغيبيَّةِ المستقبلةِ الكثيرةِ ثمَّ تقعُ كما أخبَرَ، وقد حدثَ ممَّا أخبرَ به شيءٌ كثيرٌ، بعضُها في حياتِه وبعضُها بعدَه، ولو لم يكنْ يوحى إليه مِنْ علَّامِ الغيوبِ؛ لخالفَ خبرُه الواقعَ ولو مرَّةً واحدةً، ولكنَّ هذا لم يحدثْ قط؛ لأنَّه لا يقولُ مِنْ عندِ نفسِه، بل يخبرُ عنِ الحقِّ سبحانَه وتعالى.
  • انشقاقُ القمرِ؛ وهو حدثٌ عظيمٌ لا يقعُ إلَّا بتقديرِ العزيزِ العليم، وقد نقلَ لنا هذه الواقعةَ عدَّةٌ مِنَ الصَّحابة، وهي مخرَّجةٌ في الصَّحيحين، وجاءَ ذكْرُ هذه الحادثةِ في القرآنِ الكريمِ في سورةِ القمرِ: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)).
  • حنينُ الجذعِ الَّتي كانَ يخطُبُ عليها في يومِ الجمعة، وهي قصَّةٌ مشهورةٌ شهدَها الكثيرُ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قالَ ابنُ حجَر: “إنَّ حنينَ الجذعِ وانشقاقَ القمرِ نُقِلَ كلٌّ منهما نقلًا مستفيضًا، يفيدُ القطعَ عندَ مَنْ يطَّلعُ على طرقِ ذلك مِنْ أئمَّةِ الحديثِ[4]”، قالَ الشَّافعيُّ: “ما أعطى اللهُ نبيًّا ما أعطى محمدًا، فقالَ له عمرو بنُ سواد: أعطى عيسى إحياءَ الموتى!، قالَ: أعطى محمَّدًا حنينَ الجِذعِ حتَّى سُمعَ صوتُه، فهذا أكبرُ مِنْ ذلك[5]”.

ودلالةُ المعجزاتِ على النُّبوَّةِ مركَّبةٌ مِنْ أمرين معًا: كونُ انخرامِ السُّننِ بينَ يديهِ وقعَ كثيرًا محقّقًا، ومِنْ كونِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مخبرًا عنِ اللهِ بأنَّه مرسَلٌ مِنْ عندِه، فهذان المعنيانِ يشكِّلانِ سويًّا الدِّلالةَ على أنَّ تلك المعجزاتِ إنَّما وقعت تأييدًا منَ اللهِ لرسولِه وإكرامًا له[6].

وقد يسألُ البعضُ؛ كيف نفرِّقُ بينَ النَّبيِّ والسَّاحرِ، وكلاهما يأتي بالغرائبِ؟.

إنَّ التفريقَ بينهما سهلٌ ميسورٌ، ونناقشُ ذلك منَ اعتبارين:

  • الأوَّل: مَنْ تصدُرُ عنه هذهِ الأمورُ، فالمعجزةُ تصدرُ عن أصدقِ الخلقِ وأبرِّهم وهو النَّبيُّ، فالأنبياءُ معروفون بأنَّهم أفضلُ النَّاسِ وأعظمُهم خُلُقًا وصدقًا وأدبًا، وأشدُّهم بعدًا عنِ الكذبِ والغشِّ والخداع، وعلى النَّقيضِ يصدرُ السِّحرُ عن أكذبِ الخلقِ وأخبثِهم وهو السَّاحرُ، والسَّحرةُ معروفون بالكذبِ، والدَّجلِ، والفجورِ، وخداعِ النَّاسِ، وأكْلِ أموالِهم بالباطلِ، فهل يخفى الفرقُ بينَ الرَّجلينِ على عاقلٍ؟.
  • الثَّاني: ذاتُ المعجزةِ وذاتُ السِّحر، فالمعجزةُ تكونُ خارجةً عن مقدورِ البشرِ ولا يمكنُ لأحدٍ أن يأتيَ بمثلِها، أمَّا السِّحرُ فإنَّه لا يكونُ خارجًا عن مقدورِ البشرِ؛ بل يكونُ منَ المعروفِ عن بعضِ النَّاس، فالسِّحرُ يمكنُ تعلُّمه والإتيانُ بمثلِه، بخلافِ المعجزةِ؛ فإنَّها ناتجةٌ عن محضِ اصطفاءٍ منَ اللهِ تعالى، لا يدَ للمخلوقِ في اكتسابِها، فمعارضةُ السِّحرِ بمثلِه ممكنٌ ووارد، أمَّا المعجزةُ فإنَّها تمتنعُ معارضتُها لكونِها خارجَ مقدورِ البشر.

وقد يردُ أيضًا سؤال؛ هل وقوعُ الكراماتِ للأولياءِ والصَّالحينَ مِنْ غيرِ الأنبياءِ يشكِلُ على دلالةِ المعجزةِ على النُّبوَّةِ؟.

والجوابُ: أنَّ ذلك لا يشكِلُ بل يؤكِّدُ؛ فالوليُّ كرامتُه إنَّما تدلُّ على صدقِ النَّبيِّ الذي آمنَ به هذا الوليُّ، واتَّبعَه في شريعتِه، ولا تدلُّ بحالٍ على عصمتِه أو نبوَّتِه، فهو لم يؤيَّدْ بها إلَّا لاتِّباعِه للنَّبيِّ. يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ: (وكراماتُ الصَّالحينَ تدلُّ على صحَّةِ الدِّينِ الذي جاءَ به الرَّسول)، وقالَ في موضعٍ آخر: (أمَّا الصَّالحونَ الَّذينَ يدعونَ إلى طريقِ الأنبياءِ لا يخرجونَ عنها، فتلكَ خوارقُهم مِنْ معجزاتِ الأنبياء، فإنَّهم يقولون: نحن إنَّما حصلَ لنا هذا باتِّباعِ الأنبياء، ولو لمْ نتَّبعْهم لم يحصلْ لنا هذا، فهؤلاءِ إذا قدِّرَ أنَّه جرى على يدِ أحدِهم ما هو مِنْ جنسِ ما جرى للأنبياءِ؛ فهذه الأمورُ هي مؤكِّدَةٌ لآياتِ الأنبياءِ[7]).

فالنَّاظرُ في معجزاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المتواترةِ وما اتَّصفتْ به مِنَ الظُّهورِ والضَّخامةِ؛ لا يتطرَّقُ إليه أدنى شكٍّ أنَّه مرسَلٌ مِنَ اللهِ تعالى ربِّ العالمين.

إنَّ اجتماعَ الدَّلائلِ معَ بعضِها لا يمكنُ أن يجعلَه اللهُ تعالى -وهو الحكيمُ العدلُ- في شخصٍ واحدٍ مدَّعٍ للنُّبوَّةِ، فمدَّعي النُّبوَّةِ يدَّعي أنَّ اللهَ بعثَه، فهو إمَّا في أسفلِ دركاتِ السَّفهِ والكذبِ والسوءِ؛ أو في أعلى درجاتِ الصِّدقِ والكمالِ الأخلاقيِّ، فالتَّفريقُ بين هذينِ المتناقضينِ مِنْ أيسرِ الأمور، فكونُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في قمَّةِ الكمالِ الأخلاقيِّ معَ التنوُّعِ في الدِّلالةِ على صدقِ نبوَّتِه؛ فلا يمكنُ أنْ يجتمعَ ذلك كلُّه في شخصٍ ويكونَ كاذبًا ثمَّ يمدَّه أيضًا بالمعجزاتِ الَّتي تدلُّ على صدقِه في دعواه.

لذلكَ؛ فالإيمانُ بنبوَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليس قضيَّةً تسليميَّةً محضة، ولا عبارةً عن مشاعرٍ نفسيَّةٍ روحيَّةٍ، وليسَ تقليدَ بشريٍّ قاصرٍ، وإنَّما هو قضيَّةٌ تصديقيَّةٌ برهانيَّةٌ إيمانيَّةٌ، تقومُ على أسسٍ عقليَّةٍ مثبَتةٍ، وبراهينَ استدلاليَّةٍ يقينيَّةٍ.

والحمد لله رب العالمين


[1] رسالة خاتم النبيين محمد ضرورتها وطرائق إثباتها ولوازمها، للدكتور ثامر بن ناصر بن غشيان

[2] إغاثة اللهفان لابن القيم

[3] مثل كتاب دلائل النبوة للبيهقي وكذلك للأصبهاني

[4] فتح الباري لابن حجر العسقلاني

[5] فتح الباري لابن حجر العسقلاني

[6] ظاهرة نقد الدين للدكتور سلطان العميري

[7] النبوات لابن تيمية

الكاتب: أحمد فوزي

التدقيق اللغوي: فاطمة الزعبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى