تعزيز اليقين

الدليل التاسع من أدلة وجود الله عز وجل (دليل الغرائز)

  • من الذي علم الرضيع أن يلتقم ثدي أمه حال قدومه إلى هذا العالم الغريب؟ 
  • مَن الذي أرشد أسماك السلمون أن تسافر من نهر لآخر في موسم تكاثرها؟ 
  • كيف عرفت ذكور البطريق أن عليها أن تلصق بيوضها بأرجلها شهرين كاملين لئلا يتجمد جنينها حتى الموت؟ ولماذا تتمسك كل الكائنات الحية بالحياة؟
  •  مَن علم النحل بناء بيوت سداسية بمقياس موحد في العالم كله، وكأنه تعلّم أن السداسي هو ما يعطي أكبر فراغ بأقل كمية من مواد البناء؟ ومن علّمه بناء مخازن الشمع بأسقف مكتومة وبناء بيوت اليرقات بأسقف نفاذة للهواء، ولو عُكسا لماتت اليرقات ولتلف العسل؟ 
  • مَن علم الطائر أبو نقار أن يحفر وكره في النهر مائلا إلى الأعلى؛ ليمنع الضغط الجوي الموجود بالوكر وصول المياه للبيض الموجود في نهايته فيحافظ عليه، وكأنه يعرف قوانين الفيزياء !؟
  • هذه البعوضة التي تضع بيضها في مجموعات على شكل قارب يمكنها من الطفو وكأنها على علم بقوانين الطفو والغوص، مَن هداها لهذا ؟
  • ومَن هدى الطفيليات كالبلهارسيا لحظة خروجها من البيض للعائل الذي لن تعيش إلا فيه، فتذهب إليه وكأنها تعرفه بدقة ؟

كثيرة هي تلك الميول الموجودة في الكائنات الحية منذ لحظة ولادتها الأولى، وكلما تأملنا أكثر تكشف لنا المزيد من التصرفات والتوجهات التي تبهر العقول، فالأم مستعدة للتضحية براحتها وحياتها في بعض الحالات من أجل وليدها، والعصفور يخرج الطعام من فمه لإطعام صغاره معرضا عن حاجته هو للغذاء، والنحل يصنع من العسل ما يضطره للعمل بدأب واجتهاد رغم عدم حاجته لكل ذلك الإنتاج.

 تلك النزعات وغيرها من النشاطات الموجهة عرفت علميا باسم الغرائز، ويمكن تعريفها بأنّها ميل في الكائن الحيّ إلى سلوكيات غير مبنية على تجربة سابقة أو تعلّم.

  • مصدر الغرائز في الكائنات الحية :

الغرائز لم تأتِ من التجربة أو التعلم .

الرضيع الذي لم يجرب شيئا في العالم إلا رحم أمه يميل للقرب من والدته ويهدأ بمجرد أن يشعر بدفئها ورائحتها، والسلاحف البرمائية تدفن بيوضها على الشواطئ ثم تعود إلى المياه، حتى إذا فقس البيض وخرجت الصغار إلى الحياة نجدها تتوجه فورا وبشكل تلقائي إلى بيئتها المائية التي تنتمي إليها دون سابق عهد لها بها ولا سابق تعلم ولا تجربة، مما يدل على أن الغرائز غير مكتسبة من تجارب أو خبرات أو بالتعلم. 

ومما يؤكد هذا أن الغرائز توجد في الكائنات التي ليس عندها قدرات عقلانية تساعدها على جمع المعلومات وربطها وتحليلها ومعرفة الصائب منها الذي يحفظ حياتها من الخاطئ الذي يدفعها للهلاك، فوجود الغرائز في هذه الكائنات وتعقيد نظمها ودقة نتاجها دليل على أن مصدرها ليس التعلّم أو التجربة. وخذ مثالا على ذلك: السمكة المنتفخة الصغيرة، فهي تقضي سبعة أيام في عمل دؤوب ترسم لوحة خلابة غاية في الدقة والإتقان في رمال قاع المحيط لتجذب الأنثى إن رأتها من بعيد للتزاوج[1].

  •  إلى ماذا تشير الغرائز ؟

تشير الغرائز إلى وجود العناية والدقّة والغاية والحكمة.

ويستحيل إرجاع ذلك إلى مجرد المادة، إذ كيف لطبيعة غير عاقلة ولا واعية ولا مريدة أن تنتج هذه الخطط المتقنة المنظمة التي قد تفيد الكائن نفسه وقد تودي بحياته في سبيل إنقاذ غيره؟

وأنى للصدفة أن ينتج عنها كل هذا الفعل المتقن بلا فاعل مختار مريد متصف بالعلم والقدرة (انظر دليل الإتقان، ودليل الخلق والإيجاد)!

ومَن الذي جعل في الكائنات غرائز تشبه نظام تشغيل بالغ التعقيد؟ ومن الذي هدى كل كائن لما يناسب طبيعته وحاجته وحاجة من يحيط به من الكائنات؟ 

بل إن الإيثار والتضحية بالنفس التي نراها في صور من غرائز الكائنات الحية – كتضحية النحلات بأنفسهن في سبيل حماية ملكتهنّ – تعارض بصورة كلية منطق التفسير المادي القائم على الصراع للبقاء وعدم قيام الكائن الحي بما ينافي حاجة نجاته هو، بل إن هذه التفسيرات المادية المرتبطة بالصراع والبقاء تفقدنا المعاني الراقية وراء كثير من هذه الغرائز، كالرحمة والشفقة وغيرهما.

ولا يمكن اختزالها في برنامج داخلي في الكائن الحي، بل في بعض صور الغرائز إشارة واضحة إلى الإلهام والتوجيه ممن يعتني بالكائن.

 وتأمل فيما يلي :

تأمل في الغرائز التي تحتاج إلى علم بأمور خارجية مثل اتجاهات الرياح وفصول السنة ودرجات الحرارة والتفرقة بين الأماكن بدقة، والعلم بالظروف المناخية والبيئية اللازمة لمعيشة الكائنات الحية أو الضرورية لوضع بيضها أو خروج صغارها منه، وغير ذلك من أمور تحتاج إلى علوم وقدرات لا تمتلكها هذه الكائنات الحية غير العاقلة مما يشير إلى وجود عناية خارجية وإلهام لها.

 وتأمل في الكائن الحي الذي يهاجر لمسافات طويلة تصل أحيانا لآلاف الأميال، ويبدأ هجرته في وقت ثابت محدد سالكا طريقه الطويل الذي يبدو وكأنه يحفظه ويعرف وجهته، ليصل لمكان بعيد في الكرة الأرضية يحمل ظروفا مناخية مناسبة له بدون أن يجرب أماكن أخرى ويتيه ويتعب في البحث عن المكان المناسب له، وبدون أن يضل عن مكان هجرته، رغم أنه إذا انحرف في رحلته الطويلة بمقدار بسيط جدا عن مساره لوصل لمكان آخر تماما، ثم يبدأ طريق العودة في وقت منضبط ليرجع لنفس مكان هجرته الذي ابتعد عنه بآلاف الأميال.

فمَن الذي هداه إلى الهجرة في هذا الوقت ومن هداه إلى مكان هجرته الذي يناسبه ؟ ومن الذي هداه للطريق الطويل الوعر؟ ومن هداه لوقت العودة  للرجوع إلى مكانه الأصلي وعلمه أين هو؟ 

ونضيف على ما سبق ما نجده في الكائنات الحية من قدرة على التكيف سلوكيا وتغيير بعض صفاتها وطرق معيشتها إذا تغيرت بعض الظروف الخارجية المحيطة بها، وكل هذه أمور تشير إلى الرعاية والهداية ممن يتصف بالقدرة والعلم والحكمة.

 وتأمل أيضا في تلك الغرائز التي لا علاقة لها بما يحتاجه الكائن الحي نفسه، وإنما بما يحتاجه غيره ومن يعيش معه في بيئته الخارجية من كائنات حية، كإنذار طائر الأوكسبيكر لبعض الحيوانات إذا رأى من يريد افتراسها، فمَن الذي هداه لهذا الفعل؟ ومَن الذي سخره ليحمي غيره من الحيوانات عناية بها وحفظا لها !؟

وتأمل في بعض الغرائز في كائنات عقيمة لا تورث صفاتها لغيرها كالنحلات الشغالات، ولها أفعالها المذهلة في مملكة النحل فطرة وبداهة، كرعايتها لليرقات وتضحيتها، ثم هي تموت ولا تورث هذه الغرائز لغيرها، وأمهاتها الملكات تعملن وظائف أخرى تماما ! 

 فكل ما سبق يشير بالضرورة إلى ارتباط الغرائز عند الكائنات الحية بنوع من الهداية والتوجيه والإلهام لا يكون إلا من فاعل مختار. 

ثم على فرض اختزالها في مكونات داخلية مبرمجة – رغم بعد هذا التفسير لما أشرنا له- فمَن الذي أوجدها ؟ ومن الذي ركبها في كل كائن بما يناسبه وما يحتاجه بهذا التعقيد البالغ؟

فهذا الاختزال لا يمكن أن يُكتفى به كتفسير لمصدر الغرائز ونشأتها، فهي مفتقرة لخالق متصف بالعلم والإرادة والقدرة، ركب هذه الغرائز في الكائن الحي بقدرته وعلمه السابق، وهداه برحمته إليها.

  • الغرائز مصدرها الله سبحانه وتعالى.

يتبيّن مما سبق أنّ الغريزة لا يمكن أن توجد إلا بإرادة خالق عليم حكيم فطر الكائنات الحية على هذه الغرائز وهداها لما تسد به حاجاتها وتؤمّن لها بقاءها واستمرارها وتنفع بني جنسها وغيرهم كذلك، فالغريزة أمرٌ وضعه الله تبارك وتعالى في الكائنات لتسوقها إلى سلوكيّات معقدة وذكيّة ومفيدة، لأنه تبارك وتعالى هو الحكيم العليم اللّطيف والودود الذي ما كان ليترك خلقه ضائعين هائمين على وجوههم في العالم يحتاجون فلا يعرفون كيف يسدون حاجتهم، وما كان ليخلقهم عبثا -حاشاه سبحانه-.

وهذا ما قرّره القرآن في قوله تعالى: {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}، فبتلك الكلمات الموجزة الجامعة وصف نبي الله موسى عليه السّلام ربّه تبارك وتعالى، فهو الذي خلق جميع المخلوقات، وأعطى كل مخلوقٍ خلقه الجسمي اللائق به، الدال على حسن صنعة من خلقه؛ ثم هدى كل مخلوقٍ إلى ما خلقه له من جلب منافع ودفع مضار كما يناسب بنيته وحاجته وبيئته وما سُخِّر له. ومثل ذلك قوله تبارك وتعالى {الذي أحسن كل شيء خلقه}، فالذي خلق المخلوقات وأعطاها خلقها الحسن ومن ثم هداها لمصالحها وعلَّمها طرق نجاتها وانتفاعها هو الرب على الحقيقة سبحانه وتعالى.

وبهذا يتضح لنا كيف تدل الغرائز بالضرورة على وجود الله جل جلاله.

  • الغرائز تعرفنا على صفات الله جل جلاله .

إن وجود الغرائز ليس دليلا على وجود الخالق جل جلاله فحسب، بل يدل أيضا على صفات الله عز وجل، فبتأملها يتعرف العبد على مولاه، ويزداد حبا وتعظيما له، ويتعلق قلبه به وحده مكتفيا به جل جلاله .

فهداية الكائنات  لكل ما تحتاجه تدل على الله الهادي العليم بحاجة كل مخلوق وموقعه وقدراته التي وهبت له، وهو الذي بنى فيه خططاً محكمة لسد تلك الحاجات وإعانة غيره على حاجاتهم كذلك، وكل ذلك يسير بنظام متقن يتسق فيه عمل كل مخلوق مع غيره فيعينه ويستعين به، فالنحل حين يصنع العسل ينفع نفسه وبني جنسه ويقدم للبشر منتجه ويلقح الزهور ويساهم في دورة حياتها أيضا. قال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} [النحل:٦٨ – ٦٩].

وتعرفنا الغرائز على الله تبارك وتعالى القيوم على عباده الحفيظ، الذي خلق كل شيء ولم يتركه هملاً سبحانه، بل هو قائم على شؤون خلقه يدبر أمرهم ويكفيهم حاجتهم ويخلق لهم ما به تستقيم حياتهم من وسائل وأدوات، ويلهمهم طريقة التعامل معها واستصلاحها، وها هو القندس البارع الصبور يقدم لنا خير مثال على ذلك، فمَن علمه سوى ربه كيف ينشئ عشه ويبني سدا منيعا يحميه من المياه الجارية وكأنه مهندس بارع يعرف كيفية بناء السدود والمواد التي يحتاجها في البناء؟ ومَن هداه سوى الله لمعرفة ما يصمد به السد مع شدة المياه واتجاه الرياح! حتى وأنه يبنيه مستقيما في العادة إلا إذا كان الماء شديدا فيبنيه مقوسا ليواجه سطحه المحدب شدة اندفاع الماء وكأنه على علم بهذه القوانين والحسابات الدقيقة؟ مَن علمه سوى الله كيف يحافظ على مستوى المياه ثابتا بأن يجعل كمية المياه الخارجة من السد تساوي تقريبا الداخلة له مع التيار ؟ {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} { إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}.

 وتتجلى صفة الرحمة في مظاهر الرحمة بين الخلائق وما هي إلا جزء من مئة رحمة من رحمات المولى، وتظهر كذلك في عنايته سبحانه بأصغر وأضعف مخلوقاته، من الطير في أعشاشها إلى النمل في جحورها، فالنمل يتمسك بالحياة ويخزن طعام الشتاء في فصل الصيف رغم شدة مشقة ذلك وصعوبته عليه، والطير يحاول منذ قدرته على الحركة إلقاء نفسه من العش ليجرب الطيران الذي يعلم بغريزته أنه ولا شك سيتمكن منه، بل أثبتت التجارب أنّ الطفل الذي يحبس عن الطيران حتى يكبر لا يلبث أن يطير إذا أطلق سراحه دون أن يُعلّم ذلك، وصدق تعالى: {أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير} [الملك:١٩].

وإذا كانت هذه رحمته وعنايته سبحانه بأقل مخلوقاته شأنا فكيف بالإنسان وقد قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.وممّا منّ الله به على الإنسان من غرائز هو الميل للأنس بالآخرين، سواء كانوا بشراً مثله أو حيوانات أو غيبيات، وقد كان السلف الصالح يعدون أفضل الثمرات التي حصلوها من التزامهم شرع الله هي الأنس به سبحانه. 

ومن تمام رحمته سبحانه أن تفضل على الإنسان بالقدرة على التحكم بغريزته وتحديد مسار فعله معها أو ضدها، فهو قادر على تدريب نفسه على كبت غضبه، وغض بصره، والزهد بمتع الدنيا التي هو مجبول على التعلق بها وتطلبها، وكل ذلك مما يدعوه الالتزام بشرع الله ليسمو إليه بروحه فوق غرائزه الطبيعية، قال تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران:١٤].

ورغم أن الله تبارك وتعالى لم يوجد فينا غريزة إلا وأوجد لها منفذا شرعيا صحيحا، إلا أنه أراد لنا أن نسمو فوق العيش لمجرد إشباع الحاجات والانقياد وراء الغرائز، فنعلو فوق الحيوان ونحيا لرضا الرحمن. 

وبعض المشاهد تعرفنا على  الله القهار القادر على تسخير بعض الكائنات لبعض، القادر على تغيير خصائصها وجبلتها عناية بمخلوق آخر، كالرحمة والشفقة التي نشاهدها في أفعال الكائنات المفترسة تجاه صغارها، أو سكونها وعدم افتراسها لكائنات ضعيفة – كعدم افتراس التمساح لطائر الزقزاق الذي يتغذى على الطعام بين أسنانه- في مشهد يجعلنا نتساءل، كيف سخر الله هذا الطير ولم يخف من التمساح؟ وكيف تركه التمساح ولم يفترسه دونا عن بقية الكائنات؟ ، وما هذا إلا هداية وإلهام من الله القهار مالك كل شيء ومليكه.

ويدلنا اختلاف صور هدايات الحيوانات، مثل اختلاف صور التخفي من العدو من كائن لآخر على قدرة الله وإبداعه في خلقه  .. فسبحان الله العظيم .

وها نحن نصل إلى نهاية رحلتنا في هذا الدليل البديع، وقد وقفنا معه على نواحٍ كثيرة من قدرة وعظمة اللطيف الخبير، عالم الغيب والشهادة الذي لا يغيب عن كمال علمه السر وأخفى، ولا يقصر عن كمال سمعه مناداة ولا نجوى.

فسبحان الذي له الخلق والأمر، يدبره من السماء إلى الأرض، ولا يغيب عن كمال تدبيره مخلوق مهما صغر، الولي الحميد الذي له الأمر وإليه المصير.


[1]اضغط هنا لمشاهدة المقطع

المصادر:

  1. غريزة أم تقدير إلهي – شوقي أبو خليل
  2. الإلحاد للمبتدئين – هشام عزمي
  3. برنامج العلم والإيمان
+3

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى