الشبهات المبنية على دليل عقلي يكثر فيها وقوع ثلاثة أصول من الخطأ، وهي:

1- فساد المقدمات التي تُبنى عليها الدعاوى.

ومِن أظهر أمثلة فساد المقدمات فيما يعتمد عليه المشككون من الدلائل العقلية: ما يذكرونه في باب الوجود والكمال الإلهي من شبهات تعتمد على قياس الخالق على المخلوق، وهذا أكثر ما يكون في الاعتراض على أفعال الله والحكمة منها.

مثال ذلك: قول المشكك: لماذا يأمر الله بعبادته إذا لم يكن منتفعاً من ذلك؟ فافتراض الحاجة أو الانتفاع في حق الله وإدخال ذلك في فهم أفعاله سبحانه ناشئ من قياس فاسد على المخلوقات.

مثال آخر: قول الـمُلحد: لو كان الله موجوداً لكانت الحياة كلها رفاهية ولكانت المصائب غير موجودة، فهذه شبهة ناتجة عن فساد التصورات والمقدمات التي تُبنى عليها الدعاوى.

مثال ثالث: قول المـلحد: (بما أنّ لكل موجود مُوجِدٌ، والله موجود، فيلزم أن يكون له مُوجِد). والخطأ في هذا الاستدلال راجع إلى فساد المقدمة (لكل موجود مُوجِد) والصواب: (لكل حادِث مُحدِث) والله ليس بحادِث سبحانه.

وهذا المثال فيه نوع خطأ آخر، وهو عدم فهم قول المؤمنين.

2- عدم جمع الأدلة الواردة في الباب.

ويظهر هذا الأصل من الخطأ في باب الوجود الإلهي عند الملحدين الذين يتعلقون في إنكارهم ببعض الاعتراضات العقلية الضعيفة، ويتركون مقتضيات الأدلة العقلية الصحيحة الموصلة إلى ضرورة وجود إله عظيم حكيم عليم خلق الكون وما فيه؛ فإنه ما من دليل عقلي يُذكر لإنكار وجود الله إلا وتجد فيه أصلا من أصول الخطأ السابق ذكرها، وتجد -في الوقت نفسه- ما يعارضه من أدلة المؤمنين العقلية على وجود الله، ولو أن المنكرين عملوا مقارنة بين الأدلة، ونظروا فيها جميعا نظر الفاحص المُنصف، لما تعلقوا بتلك الدلائل الضعيفة أمام البراهين العقلية القاطعة.

3- عدم فهم قول المؤمنين: أو تصوير القول المراد إبطاله على غير ما يتبناه أصحابه، ثم إقامة الدليل على بطلان القول المـُحرّف.

مثال ذلك: قول المعترض: إنَّ المعجزات التي تُنقَل عن الأنبياء غير صحيحة؛ لأن العقل لا يُمكنه تصور وقوعها؛ إذ كيف يُفلَق البحر بمجرد ضربه بالعصا، وكيف يُمكن أن يصعد إنسان بقواه الجسمية إلى السماء في ليلة واحدة؟

والسبب في هذا الاعتراض هو تصوير القول المراد إبطاله على غير ما يتبناه أصحابه، فالمؤمنون بالنبوات لم يبنوا اعتقادهم بوقوع المعجزات على قدرات فائقة للأنبياء، وإنما بنوه بعد إيمانهم بأن الله هو الذي يُقدّرها، وأنه هو من خلق أصل الكون ودبّر ما فيه، فلا يُعجزه أن يشق البحر لنبيٍّ اصطفاه، ولا أن يصعد بخليله إليه وهو من خلق كل شيء.


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 1 / 5. عدد الأصوات 1







مشاركة عبر البريد الإلكتروني