الشبهات المبنية على النظريات العلمية التي تنتمي إلى فضاء التجربة، يكثر فيها وقوع أربعة أصول من الخطأ، وهي:

١- عدم ثبوت الدليل الذي تستند إليه الدعوى.

كثيرا ما يتعلق المعترضون على الوجود الإلهي بنظريات أو فرضيات لم يُـتحقق من ثبوتها، وبعضها لا يزال في دائرة الافتراضات أو التخمينات، كفرضية الأكوان المتعددة، وبعضها قد تكون معتضدة بقرائن ولكنها لا تزال في دائرة الظن ويكون لها معارض أرجح منها كنظرية التطور، وهذا كله يجب أن يراعى في نقد خطاب المُشككين حين يعتمدون على هذا الباب.

٢- انتفاء التلازم بين الدليل والمدلول.

سبق في هذا الكتاب بيان بعض الأمثلة الكاشفة عن وقوع هذا الخطأ في استدلالات الملحدين بالنظريات العلمية على إنكار وجود الله سبحانه وتعالى.

وأنت إذا تأملت المعطيات التجريبية في تلك النظريات فإنك لا تجد فيها إثباتا على نفي وجود الخالق سبحانه وتعالى، بل غاية ما تجد فيها تفسير نشأة الكائنات أو طريقة عملها، وقد بينّا ما في الاستدلال بذلك من الخطأ.

٣- عدم وجود معيار مطّرد في اعتبار الأدلة، فيُستدَل بدليل في بابٍ ويُسقَط اعتباره في باب آخر دون اعتبار منهجي.

كثيراً ما يُصرّح الملحدون بأن المعرفة لا تُكتَسب إلا بالحس والتجربة لا بالعقل ولا بالخبر فضلاً عن الفطرة أو الإلهام. ثم إذا رأيت حقيقة استدلالاتهم على إنكار وجود الله لا تجدها تجريبية حسية، بل عقلية، فلا يوجد دليل حسي ينفي وجود الله تعالى، وأما ما يستدلون به من نظريات فهم إنما ينتقلون فيها من المعطى الحسي إلى إنكار وجود الله عن طريق الاستنباط العقلي لا الحسّي.

وقد بينّا ما في هذا الانتقال من خطأ.

ثم نقول لهم: إذا كنتم قد اعتبرتم الدليل العقلي في باب إنكار وجود الله فما بالكم لا تعتبرونه فيما هو أظهر من ذلك في باب إثبات وجوده سبحانه؟ بل تتبرؤون -حينذاك- من كل دليل غير تجريبي؟ هذا اضطراب في المعايير ولا شك.

٤- عدم اعتبار المُعارض الراجح.

قد يكون الدليل التجريبي الذي يستدل به المنكرون ظنياً، ثم نجد في الباب ما يعارض مدلوله من القطعيات سواء أكانت من نفس نوع الدليل الذي استدل به الـمُنكِر (أي الأدلة التجريبية) أو كانت من أنواع الأدلة الأخرى (عقلية أو خبرية)، ثم لا نجد لهذه القطعيات اعتباراً عندهم، فتراهم يُلقون إشكالهم وشبهتهم وكأنه لا يوجد في الباب ما يُعارضها مما هو أقوى منها.

مثال ذلك: الاستدلال بنظرية التطور على إنكار وجود الله تعالى.
وقد بينّا ما في الاستدلال به على الإنكار مِن خلل، ونزيد وجهاً من وجوه الخلل هنا، وهو عدم اعتبار الـمُعارض الراجح، فالنظرية ظنية ولو كان لها شواهد كثيرة، وأدلة وجود الله تعالى قطعية، ومع ذلك لا ينظرون إليها ولا يعتبرونها، وهذا إشكال منهجي في استدلالهم.


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 0 / 5. عدد الأصوات 0







مشاركة عبر البريد الإلكتروني