من خلال التأمل في كثير من الشبهات المعاصرة وجدتُ أن الأخطاء الاستدلالية التي تتضمنتها متفاوتة، ففيها ما يسهل اكتشافه والوقوف عليه -مما يفتقد أدنى درجات القبول-، وفيها ما يصعب كشف موضع الخطأ منه.

وهذا التفاوت يتطلب نظراً منهجيّا مُرتّباً، بحيث يستطيع الذهن أن يتعامل مع كل إشكال بما يناسبه من طُرُق كشف الخطأ.

وطُرُق كشف الخطأ كثيرة، فاجتهدتُ في تقريبها وتصنيفها على خمس مراحل أو خطوات، بحيث تُسقِط كل خطوة منها مجموعة من الشبهات، حتى إذا وصلنا إلى الخطوة الخامسة فإن شبهة من الشبهات المعاصرة لا تكاد تفلت منها، وذلك على النحو التالي:

الخطوة الأولى: التأكد من معارضة الشبهة لحقيقة ما تؤمن به من الحق والحذر من مغالطة رجل القش.

كثيرا ما يزيف المشككون في الإسلام وثوابته حقيقة ما يؤمن به المسلمون، ثم يثيرون شبهاتهم وتشكيكاتهم على الصور المزيفة التي اخترعوها، فلا تكون الشبهة عندئذ معارضة للإسلام وإنما معارضة لما افتُري على الإسلام وأُلصِقَ به.

 والواجب عدم التكلف في رد الشبهات من هذا النوع، بل التبرؤ من الصورة المزيفة وبيان الكذب والتلبيس الذي قام به من اخترعها.

مثال ذلك: القول بأن الإسلام دين وثني لأن المسلمين يعبدون الكعبة وأحجارها.

مثال آخر: القول بأن أهل السنة يزعمون أن الإمام البخاري معصوم لا يخطئ.

والحقيقة أن من يعبد الكعبة ليس مسلماً، ومن يدّعي عصمة البخاري ليس سنّياً، وهذا ظاهر لكل أحد.

وكلا الشبهتين مبنيّتان على تزييف الحقائق وعلى مغالطة “رجل القش”.

ورجل القش: تمثال على هيئة إنسان يُصنع من قماش يُحشى بالقش ثم يوضع على الأراضي الزراعية ليخيف الطيور والعوادي.

والمطلوب من المحاور المسلم التيقظ لأمثال هذه المغالطات وألاَّ يبدأ الحجاج مع المخالف بالأدلة قبل التأكد من معارضة قوله لما يؤمن به لا لما يخترعه المخالف.

الخطوة الثانية: التأكد من وجود دليل على الشبهة وأنها ليست مجرد دعوى.

 لا تخلو الشبهات المثارة ضد الإسلام أو ثوابته من إحدى حالتين:

  • إما أن تكون مجرد دعاوى يُرسلها أصحابها دون ذكر دليل يعضدها.
  • أو أن تكون مُستندة على دليل.

فإن كانت الشبهة مبنية على دعوى مجردة فإن المطلوب من صاحبها إثباتها بالدليل، وإلا كانت ساقطة لا قيمة لها ولا اعتبار.

ومن الخطأ المبادرةُ بذكر الدليل على بطلانها؛ لأن عبء الإثبات متوجه إلى مُطْلِق الدعوى لا إلى مُنكِرِها، بل إن علماء المناظرة يسمون عجز صاحب الدعوى عن الإتيان بدليل عليها (إفحاماً) ويقولون إن هذا موجِبٌ لانتهاء المناظرة.

مثال ذلك: قول القائل: (لا يُمكِن التأكد من صحة نصوص السنة التي قيلت قبل 14 قرناً من اليوم). فالتعامل الصحيح مع هذا الكلام ليس بإثبات خطئه بالدليل، بل بطلب الدليل على صحته ممن ادّعاه، فإن لم يأت بدليل يُثبت صحته فلا قيمة لهذه الدعوى؛ لأن الدعوى بلا دليل يُمكن أن تُقابَل بدعوى دون دليل أيضاً، وبذلك يسقط معنى الدليل والبرهان، ويمتنع الوصول إلى الحقائق.

مثال آخر: قول القائل: (الإسلام دين الوحشية والدماء) هكذا دون ذكر أي دليل.

فالتعامل الصحيح مع هذه الشبهة لا يكون بإثبات سماحة الإسلام وجماليته، بل بطلب إثبات الشبهة بالدليل، فإن أتى به صاحبها اتبعنا معه الخطوات التالية وإلا فإن الشبهة تسقط مباشرة.

الخطوة الثالثة: الـتأكد من صحة الدليل الذي تستند إليه الدعوى بعد تقسيم الشبهة إلى دليل ونتيجة.

إذا أتى صاحب الدعوى بدليل على دعواه، فلا بد أن نفرز الدليل عن النتيجة وعن كيفية الاستدلال به، ثم نوجه أنظارنا إلى الدليل لنتأكد من صحته، وذلك من أربع جهات:

أ. من جهة ثبوته.

ب. وصحّة فهمه (بصرف النظر عن إيصاله إلى النتيجة).

ج. وسلامة اختياره من أدلة الباب.

د. واعتبار جنسه عند صاحب الشبهة.

وذلك على التفصيل التالي:

أولاً. ثبوته:

لا بد أن يكون الدليل ثابتاً في نفسه قبل أن نتأكد من سلامة فهم صاحب الشبهة له، وكثيراً ما يستدل أصحاب الشبهات بأدلة غير صحيحة ليشككوا بها في الإسلام أو السنة.

مثال ذلك: التشكيك في السنة بناء على دعوى أن فيها نصوصاً مسيئة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد التردي من رؤوس الجبال حين فتر الوحي أول الأمر، قالوا وهذا حديث صححه البخاري، وهو عندكم أعلى علماء الحديث علماً.

والجواب: أن هذه الرواية لا تثبت من جهة النقل؛ لانقطاع إسنادها، وقد أبَان البخاريُّ نفسُه عن ذلك إذْ روى أول الخبر متصلاً –وليس فيه حادثة التردي-، ثم روى آخره وفيه موضع الشاهد مُبيِّناً الانقطاع في إسناده، حيث ذكر فيه لفظ (بَلَغَنا) والذي يدل على عدم الاتصال[1]، كما قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري[2]: “وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا”. بالإضافة إلى أن سياق الحديث ومناسبته وارتباطه بتعلق النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي يختلف عن طريقة عرض المشككين له.

مثال آخر: دعوى صاحب الشبهة أن في الإسلام ما يعارض الواقع ومعطيات العلم الحديث، ودليله في ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن لحوم البقر إنها داء.

والصواب أن الحديث ضعيف، فقد أخرجه الحاكم [3] من حديث ابن مسعود وقال: صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بأن سيف بن مسكين الوارد في إسناده: واهٍ، وأخرجه أبوداود في المراسيل [4] وابن الجعد وغيرهما من طريق مليكة بنت عمرو.

 وقد ذكر الإمام الزركشي هذا الحديث في كتابه «اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة» ونقل تصحيح الحاكم له ثم قال: “هو منقطع، وفي صحته نظر، فإن في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن نسائه بالبقر، وهو لا يتقرب بالداء”[5]. وقال العجلوني في كشفه [6]: “وقال في التمييز: وتساهَل الحاكم في تصحيحه، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر”. اهـ

وقد أخطأ من صحح الحديث من المعاصرين.

ثانياً: صحّة فهمه.

يعتمد بعضُ أصحاب الشبهات على دليل صحيح من جهة ثبوته، ولكن يكون تفسيرهم له مخالف للغة أو السياق أو لمعهود الشرع أو غير ذلك من موجبات الخطأ في الفهم.

مثال ذلك: تفسير (النبيذ) الوارد في الأحاديث بالخمر، ثمّ اتهام نقلة الأحاديث بأنهم يسيئون للنبي صلى الله عليه وسلم بروايتهم عنه أنه شرب النبيذ (أي الخمر على فهمهم)، وفي المقابل نجد من يطعن على بعض الصحابة الوارد عنهم شرب النبيذ (الخمر على فهمهم) فيسقطون عدالتهم بسبب ذلك أيضا.

وفي الحقيقة فإنه يراد بالنبيذ في اللغة ما بُيّن في لسان العرب كما يلي:

“وقد تكرر في الحديث ذكر النبيذ وهو ما يُعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا، فصرف من مفعول إلى فعيل، وانتبذْتُه اتخذته نبيذا، وسواء كان مسكرا أو غير مسكر فإنه يقال له نبيذ، ويقال للخمر المعتصرة من العنب نبيذ، كما يُقال للنبيذ خمر”.[7] اهـ.

مثال آخر: الاستدلال بقول الله تعالى: { لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين } [سورة الكافرون:6] على عدم تكفير المنتسبين إلى الأديان غير الإسلام. وهذا مخالف للسياق الذي ابتدأ بـــ{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } [سورة الكافرون:1]  والسورة اسمها: (الكافرون).

مثال ثالث: الاستدلال بحديث: «سيحان وجيحان والفرات والنيل كلٌّ من أنهار الجنة»([8]).

لبيان أنه يعارض الجغرافيا والتاريخ والاكتشافات الميدانية -فضلا عن صور الأقمار الصناعية كما يقول أحد الكتاب الصحفيين المتعالمين، ظنّاً منه أن مراد الحديث الاتصال الحسي المباشر بين النيل وبين الجنة، وهذا خطأ فاحش. 

وهذا الفهم السطحي الساذج لا يتحمله الحديث ولا رواته، بل يتحمله من أخطأ الفهم، وضلَّ عن صواب التأويل.

وقد ذكر ابن حزم – رحمه الله – في المحلى هذا الحديث، وآخر معه وهو حديث: “ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة”([9]) ثم قال: “وهذان الحديثان ليس على ما يظنه أهل الجهل من أن تلك الروضة قطعة منقطعة من الجنة، وأن هذه الأنهار مهبطة من الجنة، هذا باطل وكذب؛ لأن الله -تعالى- يقول في الجنة: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى . وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤا فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه : 118-119] فهذه صفة الجنة بلا شك، وليست هذه صفة الأنهار المذكورة ولا تلك الروضة، ورسول الله (عليه السلام) لا يقول إلا الحق. فصح أن كون تلك الروضة من الجنة، إنما هو لفضلها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة، كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة؛ وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة”([10])اهـ. فإذا كان هذا قوله فيمن يقول بأن تلك الأنهار مأخوذة من الجنة؛ فكيف بمن يدعي أن دلالة الحديث في الاتصال المباشر.

ثالثاً: سلامة اختياره -أي الدليل- من أدلة الباب.

يعتمد أصحاب الشبهات أحياناً على دليل صحيح من جهة ثبوته، مع صحة فهمهم لنفس ألفاظه، ولكنهم ينتقونه من بين أدلة الباب الأخرى، التي لا يستقيم فهم الباب إلا بمجموعها، ثم لا تجد تبريراً لهذا الاختيار والانتقاء إلا الهوى أو الجهل التام.

مثال ذلك: من يستدل بقول الله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ..} [سورة البقرة:256] على إسقاط فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى تقرير الحرية بمعناها الليبرالي الخالي من القيود الدينية.

بينما نجد نصوصاً قرآنية كثيرة واضحة صريحة في تقرير أهمية الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، بل وفي إيجاب العقوبة على بعض المجتمعات التي تتخلى عن هذه الفريضة.

أما آية سورة البقرة {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ..} فهي في عدم إجبار غير المسلم على الدخول في الإسلام وذلك بقبول الجزية منه.

مثال آخر: من يستدل بقول الله سبحانه {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [سورة القمر:49] على أن الإنسان مُجبر على أفعاله غير مُريد ولا مُختار، فيطعن في العدالة الإلهية بسب ذلك.

وعند النظر في مجموع الأدلة الواردة في الباب، نجد فيها دلالة واضحة على أن الله قد خلق في الإنسان إرادة واختيارا، وأنه رتب عليها المصير النهائي كقوله تعالى { فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا  } [سورة الكهف:29]، وقوله تعالى { أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ…} [سورة فصلت:40]، وهي في نفس درجة صحة نصوص إثبات القدر؛ فلا مبرر يسوغ الاستدلال ببعض الآيات والكفر ببعضها الآخر.

رابعاً: اعتبار جنسه -أي الدليل- عند صاحب الشبهة.

يستدل بعض أصحاب الشبهات بأدلة غير معتبرة عندهم في أبواب كثيرة، ثم نجدهم يعتبرونها في الأبواب التي يمكنهم توظيفها للطعن في الإسلام، وهذا تناقض.

مثال ذلك: ادعاء كثير من الملحدين انحصار المعرفة اليقينية في الأدلة التجريبية وحدها، وطَعْنُهم في الأدلة العقلية حال استعمالها في إثبات وجود الله وكماله -سبحانه- مع كونها مستندة إلى أوليات ضرورية، ثم تجدهم -في نفس الوقت- يستدلون على إنكارهم وجودَ الله سبحانه باستدلالات عقلية ضعيفة، كالاستدلال بوجود القوانين المفسرة لنشأة الكون على عدم الحاجة للخالق رغم عدم ثبوت خلق الكون منها تجريبيا عندهم، وهذا استدلال عقلي ضعيف، وهو يناقض موقفهم من الاستدلالات العقلية.

مثال آخر: التشكيك في مصدر الوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنكار نسبته إلى الله تعالى، مستدلين بقصة لقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ببحيرا الراهب في صباه، فقالوا إنه تعلم من بحيرا كل شيء أتى به في نبوته بعد ذلك.

وهذا الاستدلال منهم فيه ازدواجية في المعايير، إذ كيف صارت الأخبار والمرويات القديمة معتبرة عندهم في هذا الباب خاصة؟ مع إنكارهم كل ما ثبت في سيرته صلى الله عليه وسلم من شواهد نبوته، ودلائل رسالته، مع أن ثبوتها أقوى من ثبوت قصة بحيرا؛ فقبولهم بقصة بحيرا وردهم لعشرات القصص والأحاديث المؤيدة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم = تناقضٌ في موقفهم من الأدلة.

إضافة إلى أن الخبر فيه ضعف من جهة إسناده ابتداءً، وعلى فرض ثبوته فإن في سياق الخبر التصريح من بحيرا بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنهم يعرضون عن هذه الشهادة.

الخطوة الرابعة: النظر في العلاقة بين الدليل والمدلول، واستبعاد ما لا تحكمه علاقة اللزوم.

بعد التأكد من وجود الدليل على الدعوى، ثم التحقق من شروط صحته وفهمه وسياقه ونصوص الباب، بقي لنا أن ننظر في العلاقة بين الدليل والمدلول، فإن كانت العلاقة الحاكمة بينهما هي اللزوم = كان الاستدلال صحيحاً؛ فننتقل إلى الخطوة التالية، وإن لم تكن العلاقة بينهما التلازم، فلا نسلّم لكلام المخالف، بل نرده.

مثال ذلك: الاستدلال بحديث النهي عن كتابة السُّنة على عدم حجيتها.

وعند التحقيق فإن هذا الاستدلال ينقصه وجود التلازم بين أمرين:

  • النهي عن كتابة الشيء.
  • ونفي حجيته.

إذ لا تلازم بين الأمرين لا في اللغة ولا في العرف.

إذاً فالحديث مورده وموضوعه النهي عن الكتابة لا نفيُ الحجية، فنَقْلُهُ من حيز الكتابة إلى الحجية = تَحكُّمٌ ممنوع.
ومع وضوح هذه القضية إلا أننا نشاهد كثيرا من المشككين في السُّنة يقعون في هذا الخطأ.

مثال آخر: استدلال عامة الملحدين بـ (نظرية التطور التي تُفسّر نشوء الكائنات الحية وتطورها) على نفي وجود الخالق للكون والكائنات.

وهذا الاستدلال ينقصه شرط التلازم بين الدليل وبين المدلول من جهتين يظهر في كل منهما انتفاء التلازم:

الجهة الأولى: انتفاء التلازم بين نشأة الكائنات الحية على الأرض وبين نفي وجود خالق للكون عموماً، بمعنى أن هناك مخلوقات أخرى غير الكائنات الحية على الأرض، كالمجرات والنجوم والبحار وغيرها، فالاستدلال على نفي الخالق لكل هذه الأشياء عن طريق تفسير نشأة جزء ضئيل على الأرض يسمى الكائنات الحية فيه انفكاكٌ للتلازم كبير.

الجهة الثانية: انتفاء التلازم بين وجود القانون المفسِّر لنشوء الكائنات وبين نفي وجود من أنشأ هذا القانون ودبرّه. إذْ لا علاقة بين الأمرين (وجود القانون ونفي مُقننه)، بل إن وجود القانون المُحكم لأي شيء ما، يستدعي في الذهن البحث عمن صنعه وقنّنه.
وهذا كله مع التنزُّل الجدلي بصحة النظرية.

الخطوة الخامسة: التأكد من عدم معارضة النتيجة (المدلول) لما هو أرجح منها، فإن وُجد فالراجح مُقدّم.

قد يستدل المشكك بدليل صحيح، ويفهمه بصورة مستقيمة، وتكون العلاقة بين الدليل والمدلول علاقة تلازم، ثم نجد أن النتيجة تصادم حقيقة أثبت منها وأرجح، فهنا لا بد من تقديم الراجح.

وقد يقول قائل: كيف يمكن أن تكون النتيجة مصادمة لحقيقة أرجح منها مع أن النتيجة قد تُوُصِّل إليها من دليل صحيح وبالتلازم؟

الجواب هو أنه ليس كل دليل صحيح يكون قطعيا (100%) سواء أكان عقلياً أم تجريبياً أم شرعيّاً، فهناك من الأدلة ما هو ظني الثبوت، وفي حال رجحان هذا الظن نسميه صحيحاً، ونستدل به في كل مجالات المعرفة الإنسانية، ولكن إذا وجدنا أنه مُعارَض بشيء قطعي مُستفاد من أدلة أخرى أرجح منها فإن هذا التعارض يكشف لنا أن الدليل الظني الأول فيه خطأ لم نتبينه إلا بعد وجود التعارض.

ملاحظة: مع أن جُل الشبهات لا تتوفر فيها الصفات المذكورة في بداية هذه الخطوة، وهي: (صحة الدليل وفهمه بشكل مستقيم، ووجود التلازم بين الدليل والمدلول) وبالتالي فلن تتحقق منها نتائج صحيحة ولو كانت ظنية، إلا أنه قد يدّعي بعض أصحاب الشبهات توفر تلك الصفات في شبهاتهم، فإذا جادلتهم في بعضها طال الجدل، فيمكن لنا اختصار الحالة بأن نأتي بالأدلة القطعية المعارضة لنتائجهم الظنية، فإذا أثبتنا صحتها وقطعيتها كان ذلك كافياً في إسقاط شبهتهم دون الدخول في جدل طويل في حيثيات ثبوت أدلتهم أو مقدماتها.

مثال ذلك: الاستدلال ببعض النظريات الحديثة حول نشأة الكون والتي لم تصل بعد إلى حد الحقائق بل وبعضها لم يصل إلى أن يسمى نظرية، بل هي إلى الفرضيات أقرب، ولكن تجد من يدافع عنها من الملاحدة، فلنا في نقاشهم ثلاثة طرق:

الأول: إثبات عدم صحة تلك النظريات.

الثاني: إثبات عدم التلازم بين افتراض صحتها وبين نفي وجود الخالق.

الثالث: معارضتها بما هو أرجح منها من الدلائل، كالأدلة العقلية على وجود الله، إذْ هي قطعية، وتصادم النتيجة الظنية التي يريدون الوصول إليها.

وكل الطرق الثلاثة مسلوكة عند علماء المناظرة، فالأول منها يسمى المناقضة أو المنع (وهو في الحقيقة طلب الدليل على الصحة وليس إثبات عدم صحة الدليل الخصم) والثاني منها يسمى: النقض، والثالث منها يسمى المُعارضة.

[1] صحيح البخاري (6982).

[2] (16/290)، دار طيبة.

[3] المستدرك للحاكم (4/404).

[4] الحديث المرسل هو الحديث المنقطع، وأكثر ما يُطلق على صورة من صور الانقطاع، وهي ما يرويه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يبين الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

[5] اللالئ المنثورة، الزكشي، (100)، المكتب الإسلامي، ط1 تحقيق: محمد لطفي الصبّاغ.

[6] (2/70) دار إحياء التراث.

[7] لسان العرب، ابن منظور (3/511) دار صادر.

[8] صحيح مسلم (2839).

[9] صحيح البخاري (1195)، صحيح مسلم (1391).

[10] المحلى بالآثار، لابن حزم (7/283).

 


هل كان المقال مفيداً؟

انقر على النجوم للتقييم

تقييم متوسط 5 / 5. عدد الأصوات 1







مشاركة عبر البريد الإلكتروني