تعزيز اليقين

الكمال الأخلاقي دليل نبوة

الكمال الأخلاقي دليل نبوة: 

 

  • بيان استناد هذه الحجة الى كمال الله تعالى :

هذه الحجة في أصلها مبنية على الايمان بكمال الله عز وجل المطلق وكمال عدله وحكمته ورحمته وقدرته ، فالله عز وجل لا بد متصف بأحسن الصفات وأعلاها فهو العليم الحكيم العدل الرحيم القادر على كل شيء وبناء على هذا الكمال الإلهي نستنتج أنه لا يليق بالله عز وجل وكمال عدله ورحمته أن يساوي بين الصادق والكاذب والبر والفاجر بل عدله عز وجل يقتضي أن يفرق بينهما ويجعل لكل منهما ما يتميز به عن الآخر فكيف لو كان هذا الكاذب الفاجر يزعم ان الله تعالى ارسله ويفتري عليه وينسب لله عز وجل من الاقوال والافعال مالا يليق بجلال الله تعالى وعظمته ؟ هل سيؤيد الله عز وجل مثل هذا المدعي الكاذب؟ لا بكل تأكيد بل سيفضحه عز وجل ويبين للناس كذب دعواه ويعاقبه على افتراءه وبهتانه هذا، وفي المقابل لو أرسل الله عز وجل للبشر رسولاً منهم يدعو إليه فإنه من كمال عدل الله تعالى ورحمته أن يبين للناس صدقه ويظهر على يديه من البراهين الدالة على نبوته ما لا يدع مجالا للشك في صدق دعواه ولكي يميز بين الصادق والكاذب فإن الصادق يؤيده الله تعالى بالبراهين بينما يفضح الله كذب الكاذب للعالمين، ومن كمال رحمة الله تعالى وعدله أن وضع في فطرتنا هذا التفريق ونجده من أنفسنا بالضرورة فنحن في حياتنا اليومية نستطيع التفريق بين الكاذب والصادق ويتناسب ظهور هذا التفريق وقوة دلالته في النفس بقوة الدعوى نفسها ، فلو كانت دعوى بسيطة مثلا كان يقول شخص انه غاب لأجل مرض فهذا لا يمكن معرفة كذبه الا بصعوبة اما لو كذب في أمر عظيم نسبيًا وقال مثلا أن الرئيس الفلاني مات أو حصلت حرب في بلد ما فإن هذه دعوى عظيمة نستطيع بكل سهولة التأكد منها وتفنيدها في أقل من دقيقة ، هذا مثال لمن كذب في أمور دنيوية فكيف بمن يكذب في دعوى النبوة بأكملها ويدعي انه على اتصال بالله عز وجل !! فهذا دعوى عظيمة للغاية فيمكن اكتشاف كذب الكاذب فيها بكل يسر وسهولة، وقد اختصر ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى كله في مقولة لطيفة يقول فيها :

“لو لم يميز بين الصادق والكاذب، لكان قد بعث أنبياء يبلغون رسالته، ويأمرون بما أمر به، من أطاعهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن كذبهم شقي في الدنيا والآخرة، وآخرين كذابين يبلغون عنه ما لم يقله، ويأمرون بما نهى عنه ، وينهون عما أمر به ، ومن اتبعهم شقي في الدنيا والآخرة، ولم يجعل لأحد سبيلا إلى التمييز بين هؤلاء وهؤلاء، وهذا أعظم من أن يقال : إنه خلق أطعمة نافعة، وسموما قاتلة، ولم يميز بينهما، بل كل ما أكله الناس، جاز أن يكون من هذا وهذا، ومعلوم أن من جوز مثل هذا على الله، فهو مصاب في عقله” (النبوات 1/554) وقال ابن ابي العز: “فإن النبوة انما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين ولا يلتبس هذا بهذا الا على أجهل الجاهلين بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرف بهما والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة” (شرح الطحاوية 185)

  • بيان الفهم الخاطئ للحجة :

وهناك خلل عند كثير من الناس حول حقيقة هذا الدليل حيث يتصورون أننا نقول أن الرسول ﷺ نبي لأجل أنه كامل في شخصه وأخلاقه وهذا سوء فهم مبني على تصور خاطئ عن حقيقة هذا الدليل، بل نحن نقول: أنه ادعى النبوة وهو كامل في شخصه وأخلاقه وأن الله تعالى له الكمال المطلق، فدلالة هذا الدليل مركبة من اجتماع هذه الأمور معا أي من كونه ادعى النبوة ومن كونه كاملًا في أخلاقه وصفاته وأن الله عز وجل لا بد أن يؤيد الصادق ويفضح الكاذب، ونحن في هذا الدليل ننظر في كونه ادعى أنه مرسل من عند الله-وهذا خبر عظيم جدا كما أسلفنا- ومن كونه شخصا كاملا في صفاته وأخلاقه، ومن كون الله عز وجل له الكمال المطلق، فاجتماع هذه الأمور هو الذي يؤسس حقيقة الدليل – على التفصيل الذي سنبينه فيما يلي-

  • التصوير الصحيح للحجة :

ومما سبق يمكن لنا أن نبني هذا الدليل بناء منطقيًا على النحو التالي :

  • الله عز وجل له الكمال المطلق.
  • الكمال المطلق يقتضي أن يؤيد الله تعالى الصادق ويفضح المدعي الكاذب وأن يجعل التفريق بينهما سهلا.
  • أن الرسول ﷺ ادعى النبوة .
  • أن الرسول ﷺ كامل في صفاته وأخلاقه.
  • لم يثبت عن الرسول ما يخالف دعوى النبوة أو يناقضها.
  • اذن هو صادق في دعوى النبوة

فعلمنا بكمال الله عز وجل وأن هذا الكمال يقتضي تأييد الصادق وفضح الكاذب نفهم منه أن مدعي النبوة له حالتان فقط لا غير إما أن يؤيده الله تعالى أو أن يفضحه بين الناس ، ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ ادعى النبوة فننظر في حاله هل أيده الله تعالى أم فضحه؟ فوجدنا أن الله تعالى لم يفضحه بل وأيده بمعجزات وبراهين فنستنج من ذلك أن صادق في دعوى النبوة.

  • وجه كون الكمال الأخلاقي من دلائل النبوة :

إن الأخلاق الفاضلة وخصوصًا الصدق والأمانة من أعظم دلائل النبوة لأن جوهر النبوة وحقيقتها هو أن النبي يخبر الناس أن الله تعالى يوحي إليه ويأمره بنشر الدين والأمر بأشياء والنهي عن أخرى، فإذا كان النبي يكذب ويخون ويغدر ويخاف ..الخ فكيف نضمن أنه لن يكذب في نقله للدين؟ بل ربما يكذب في النبوة وهو في الحقيقة لا أحد يكلمه!

فلو أن شخصًا قال لك أن فلاًنا من معارفكم تزوج البارحة، وأنت تعرف أن الذي يخاطبك معروف بالكذب فأنت لن تصدقه وفي أحسن الأحوال ستحمل قوله على الشك والظن دون أن تجزم به، بينما لو جاء شخص فاضل معروف بالصدق والأمانة أخبرك بنفس ما أخبرك به الكاذب فسوف تصدقه لأنه غالباً لن يكذب ولا توجد أي مصلحة تعود عليه لو كذب عليك في هذا الخبر.

فقس هذا على مسألة النبوة، لو ادعى النبوة شخص معروف بالكذب لقالوا له أنت كذاب وانصرفوا عنه حتى لو كان صادقًا في دعواه! فمجرد أنه عرف بالكذب سيجعل جميع أخباره مشكوك فيها ولن يصدقه أحد حتى لو قال الحقيقة، بينما المسألة الحقيقية هي حينما يقوم شخص لم يعرف إلا بالنزاهة والصدق والأمانة طيلة حياته ويدعي فجأة أن الله تعالى أوحى إليه، ومع ذلك لم يطالب بملك ولا مال ولا جاه ولا شرف بل طالبهم بعبادة الله تعالى وحده حتى لو آذوه وطردوه! فهذا لا شك أنه صادق في دعواه ولم يكذب ويفتري من عنده! هذا وجه كون الكمال الاخلاقي من دلائل النبوة

ومما ينفي أيضًا تهمة الكذب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكاذب إنما يكذب لأجل غاية يريدها سواء كانت غاية مادية كالمال والملك أو معنوية كالشهرة والجاه ، والناظر في حال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أنه أبعد ما يكون عن تلكم الأمور الدنيوية، فقبل النبوة كانوا يلقبونه الصادق الأمين وكان فخر بني هاشم وحفيد سيدها عبدالمطلب وزوج خديجة رضي الله عنها والتي هي من أكبر تجار قريش وكان يتاجر بمالها، كما أن القبائل المتنازعة في مكة التي كانت تريد الاقتتال رضيت به كحكم في مسألة رفع الحجر الأسود، ثم ماذا؟ بعد أن ادعى النبوة آذاه أقرباؤه وشتموه ووصفوه بالجنون والسحر ورموا عليه القاذورات وعذبوا أصدقاءه وأتباعه حتى أن بعضهم قتل! حتى أنهم حاصروا بني هاشم كلهم  في شعب وقاطعوهم لثلاث سنين وبعد موت عمه وزوجته خديجة طرده أهل مكة وشردوه حتى وصل الطائف ثم شرده أهل الطائف أيضًا وآذوه حتى عاد لمكة في جوار أحد السادات وفي أحد المرات عرضوا عليه الزواج من نساء كثر ومالا وفيرا ووعدوه بالملك عليهم لكنه رفضهم رفضًا قاطعا !

 فلو كان كاذبًا له غايات أخرى لاكتفى بما عرضوه من المال والملك أو ربما تراجع عن دعواه قبل ذلك بكثير وفر بجلده منهم بسبب تعذيبهم له لأنه لم يتوقع منهم ذلك ولم يتحصل على ما يريد منهم، فهل من كان يريد الشهرة والمجد والملك كما يزعمون وكان يتظاهر بالصلاح والشجاعة والصدق لكسب الشهرة والمكانة سيختار أن يعذبه الناس ويضربوه ويقاطعوه ويحاولون قتله ولا يدري متى سيقتلونه؟ أم سيترك دعوته هذه ويعيش كما كان معززا مكرما فخورًا وسيدًا فاضلًا كأجداده فهو حينها لم يكن محتاجا لمزيد شهرة  أو حتى كان بإمكانه أن يقبل بعرضهم لما عرضوا عليه الملك والمال والنساء ويعيش أفضل عيشة بين جميع العرب؟

فلم يبق حينئذ إلا أنه نبي صادق في نبوته لم يدعيها لأجل شهرة ولا ملك ولا مال كما هو حال بقية مدعي النبوة المحتالين كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهم على مر الزمن الذين ادعوا النبوة لأجل حكم قبائلهم او الشهرة او الثروة وغير ذلك ففضحهم الله عز وجل بين الناس وأهلكهم وجعلهم عبرة لذوي الألباب.

أدلة كمال خلق النبي عليه الصلاة والسلام :

هي في مجموعها متواترة معنوية فهي إذن ثابتة قطعياً وهي كثيرة جدا إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن في كل أمور حياته فلا يكاد يخلو حديث واحد من فائدة متعلقة بأدبه صلى الله عليه وسلم أو حياءه أو كرمه أو رحمته أو عدله وسائر صفاته الكريمة ، لكن سأذكر هنا أبرز الأحاديث الصحيحة الواردة في بيان كمال خلقه والتي تكون دلالتها ظاهرة ومن ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم لقومه ” أرَأَيْتَكُمْ لو أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلًا بالوَادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ علَيْكُم؛ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟” قالوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إلَّا صِدْقًا، قالَ: “فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ” فَقالَ أبو لَهَبٍ: تَبًّا لكَ سَائِرَ اليَومِ، ألِهذا جَمَعْتَنَا؟!” صحيح البخاري حديث رقم 4770 فهنا شهد له قومه بأنهم لم يعرفوه عنه إلا الصدق والخلق الحسن وبعدما أخبرهم بنبوته لم يرموه بالكذب والبهتان لأنهم يعرفون أنه أبعد ما يكون عن ذلك فلجؤوا إلى الشتم والاستخفاف بدعوته..

وكذلك في قصة هرقل مع أبي سفيان رضي الله عنه قبل اسلامه حيث قال لأبي سفيان : “وسَأَلْتُكَ، هلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، فقَدْ أعْرِفُ أنَّه لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ علَى النَّاسِ ويَكْذِبَ علَى اللَّهِ.” صحيح البخاري حديث رقم 2681  وفي هذا النص استدلال عقلي بقياس الأولى فهو بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليصدق مع الناس أربعين سنة من حياته ثم يكذب على الله عز وجل بدون سبب أو مصلحة تعود عليه ..

وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا المعنى حيث يقول الله تعالى  منكرا على كفار قريش { أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } المؤمنون[ 69 ]

أي: أومنعهم من اتباع الحق أن رسولهم محمدا صلی الله عليه وسلم غير معروف عندهم فهم منكرون له؟ يقولون لا نعرفه ولا نعرف صدقه دعونا حتى ننظر حاله ونسأل عنه من له به خبرة؟ أي لم يكن الأمر كذلك فإنهم يعرفون الرسول صلی الله عليه وسلم معرفة تامة صغيرهم وكبيرهم يعرفون منه كل خلق جميل ويعرفون صدقه وأمانته حتى كانوا يسمونه قبل البعثة الأمين، فلم لا يصدقونه حين جاءهم بالحق العظيم والصدق المبين؟

وكذلك قصَّة الأعرابي الذي جذب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بردائه فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه بردٌ نجرانيٌّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ، فجبذه  بردائه جبْذَةً شديدةً، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت بها حاشية البُرْد مِن شدَّة جَبْذَته، ثمَّ قال: يا محمَّد! مُرْ لي مِن مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ ضحك، ثمَّ أمر له بعطاء” البخاري 3149  وقصص عدله وحلمه وكرمه ورحمته كثيرة جداً بما لا نستطيع أن نحصرها هنا أو نوفيها حقها.

هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

الكاتب: سعيد أحمدين سليمان

المراجعة: مها السفياني

التدقيق اللغوي: بتول

القراءة الصوتية: صالح أبو النجا

التصميم: ندى الأشرم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى