أسباب التأثر السلبي بالشبهات الفكرية المعاصرة

 


حاولت جمع ما استبان لي – بعد التأمل – من الأسباب لهذه المشكلة، ثم ضممت النظير إلى نظيره منها،

وصنفتها تحت أنواع من المؤثرات يندرج تحت كل نوع عدد من الأسباب:

النوع الأول مؤثرات خارجية

وسأذكر منها خمسة مؤثرات :

  • أولاً / شبكات التواصل الاجتماعي:

لا يخفى على أحد ما في شبكات التواصل من جوانب الخير والمعرفة والتكافل، غير أنها في الوقت ذاته تعد أكبر عامل في تسريع تداول الشبهات والإشكالات .

  • ثانياً / الأفلام والروايات :

قلّ أن تجد في الإعلام المرئي أو الكتب المقروءة ما يتمتع بجاذبية كبيرة للشباب من الجنسين مثل الأفلام والروايات، مما يوسع من الشريحة المتأثرة بها، وتكمن إشكالية كثير منها في التأثير غير المباشر، وذلك عن طريق نقل الثقافة الأجنبية بما فيها من صواب وخطأ، وخير وشر، دون تمييز لما يتعارض منها مع قيم الإسلام.

  • ثالثاً/ التواصل والاحتكاك المباشر بالثقافات الأجنبية عن طريق الدراسة ونحوها:

والإشكال الأبرز هنا أن الشاب المسلم يجلس على مقعد التعلم والتلقي من معلمين غير مسلمين، وفيهم من هو مهتم بنشر بعض الأفكار الإلحادية، ….. ولو كان الشاب قبل ذهابه إلى الدراسة هناك على مستوى عال من الإيمان واليقين، وكان يملك قدرا لا بأس به من التأصيل الشرعي والأدوات المعرفية التي يقيّم بها المعلومات الجديدة ويخضعها للنقد العلمي، لكان الأمر أهون من ذهابه وهو عريّ عن ذلك كله.

  • رابعاً / انتشار الشهوات المحرمة:

نحن نعيش مرحلة استثنائية مخيفة في انفجار وسائل الإغراء الجنسي، فهل هناك علاقة بين انتشار الشهوات المحرمة وبين قابلية التأثر بالشبهات؟

الإشكال في طبيعة الشهوات المعاصرة أنها متشعبة ومتسلسلة، ويدعو أولها إلى آخرها، ويمكن أن تستقطب كل اهتمام الشاب وعواطفه وتفكيره إليها، وهذا كله قد يؤدي ببعض المتعلقين بها إلى أن يستثقلوا التكاليف الشرعية، ثم إلى أن يبحثوا عن قطع ما ينغص عليهم كمال الاستمتاع بهذه الشهوات وهو تأنيب الضمير من ممارسة الحرام، ومن طرق ذلك الخروج من الدين أو إنكار الجزاء والحساب.

ربما لا يكون التسلسل السابق هو الأكثر من ناحية الواقع، ولكنه خطير وغير بعيد.

وهناك وجه آخر: ألا وهو أن الإكثار من الذنوب، وعدم التوبة منها يؤدي إلى تكون (الرّان) الذي إذا تكاثر على القلب حجبه عن البصر بالحق .

  • خامسا / التقدم المادي للعالم الغربي وتأثير الثقافة الغربية:

لقد أطلق ابن خلدون في مقدمته قاعدة بلغت شهرتها الآفاق، ألا وهي تأثير الغالب على المغلوب، فقال: «ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل في سائر أحواله. . حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير»  انتهى باختصار.

ومن الكتابات اللطيفة في هذا الباب كتاب (ينبوع الغواية الفكرية) لعبد الله العجيري، وقد قرر في مقدمة الكتاب أن كثيرا من الانحرافات الفكرية في هذا الزمان عائدة إلى مركب من أمرين :

–           (هيمنة النموذج الثقافي الأجنبي)

–           (مع ضعف التسليم لله ورسوله ﷺ)

ثم قال: «وإذا تأملت في كثير من (الموضات الفكرية) التي عصفت بالأمة المسلمة في تاريخها المعاصر.. عرفت أثر هيمنة النماذج الثقافية في تشكيل التصورات والأفكار، وبه يمكنك تفسير كثير من محاولات أسلمة الأفكار الشرقية أو الغربية، ففي زمن هيمنة النموذج الاشتراكي تم تقديم القراءة الاشتراكية للإسلام، وفي زمن هيمنة القيم العسكرية تمت قراءة الإسلام قراءة عسكرية، وفي زمن هيمنة النموذج السياسي الديمقراطي تمت قراءة الإسلام قراءة ديمقراطية، فمن الطبيعي أن يتم قراءة الإسلام قراءة ليبرالية في زمن الهيمنة الليبرالية.

 

النوع الثاني مؤثرات داخلية

إن العوامل الخارجية التي تساهم في التأثر بالتشكيكات المعاصرة في الاسلام وثوابته، لا تعمل عملها الحقيقي إلا بوجود محل قابل في الشريحة المستهدفة؛ أي: وجود ثغرات وفجوات في الشريحة الإسلامية المتعرضة للمؤثرات الخارجية السابقة، وسأذكر منها ستة مؤثرات فقط:

  • المؤثر الأول/ ضعف اليقين

لن أطيل كثيرا في التعليق على هذا المؤثر مع أنه من أهم المؤثرات؛ لأني سأتحدث عنه في القواعد الوقائية، غير أن الذي أريد أن أقوله هنا أو أثير به التساؤل في عقل القارئ الكريم النقطة التالية: قضية مثل وجوب الصلاة على وقتها هي من القضايا المتفق على كونها أهم الفرائض العملية بين المسلمين، وهم متفقون كذلك على أن تأخيرها إلى أن يخرج وقتها من عظائم الذنوب، والسؤال هنا: ما تفسير التفريط المشاهد في أداء الصلاة على وقتها من عدد غير قليل من المسلمين؟

أزعم أن ضعف اليقين هو السبب الأكبر في ذلك مع وجود أسباب أخرى أيضا.

إن كثيراً من المسلمين في عافية من الكفر والإلحاد مع ضعف يقينهم لأنهم لم يبتلوا بمن يشككهم في دينهم، وأما لو تعرضوا لشبهة قوية في أصل الإسلام أو ثوابته فقد لا يصمد إيمانهم أمام ذلك.

  • المؤثر الثاني/ المشاكل النفسية والضغوط الاجتماعية:

كثيرا ما يكون الضغط النفسي الذي يعاني منه الإنسان سببا في سخطه على قضاء الله وقدره، ومن ثم قد يجحد وجود الخالق سبحانه، أو يتهم عدله وحكمته، وهذا المؤثر بالطبع ليس خاصا بالعصر الحديث، فقد أخبر الله في كتابه الكريم عن أناس ينقلبون على وجوههم بعد عبادتهم إياه بسبب بلوى أصيب بها، فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. وما أجمل تعليق المفسر المتقن، الشيخ ابن سعدي رحمه الله على هذه الآية؛ حيث قال: «أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه بشاشته، بل دخل فيه إما خوفا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾؛ أي: إن استمر رزقه رغدا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه، فهذا ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ من حصول مكروه أو زوال محبوب ﴿ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾؛ أي: ارتد عن دينه، ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ أما في الدنيا؛ فإنه لا يحصل له بالردة ما أمّله الذي جعل الردة رأسا لماله، وعوضا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، ﴿ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: الواضح البين» انتهى.

 

  • المؤثر الثالث/ ضعف الجانب التعبدي وخاصة أعمال القلوب:

قَلّ أن تجد مسلما اعتنى بقلبه من الناحية الإيمانية، وراقب مستوى تعلقه بالله وتوكله عليه وحبه له، واجتهد في تخليصه من دواخل الغل والحسد والكبر إلا وهو يعيش لذة إيمانية لا يعدلها شيء، ولا يفكر مجرد تفكير أن يستبدلها بشيء، وأما من افتقد كل ذلك فقد يستهويه أي جاذب اخر .

  • المؤثر الرابع/ ضعف أدوات البحث والتوثيق والمعرفة:

إن شيوع التفكير الناقد عند مجتمع ما، وارتفاع مستوى الأدوات البحثية والعلمية فيه، يجعل من الصعوبة التأثير عليه بأفكار خارجية، والعكس صحيح، وهذا ما نلاحظه في قضية انتشار كثير من الشبهات التي لم تكن الوقاية منها تحتاج لأكثر من تفكير ناقد، وتدقيق علمي حتى يبطل تأثيرها.

  • المؤثر الخامس/ ضعف العلم الشرعي:

    ووجه كون ضعف العلم سببا للتأثر بما قد يطرأ من الشبهات، هو أن التأصيل الشرعي يعطي حامله قاعدة معرفية ومنهجية يستطيع أن يحاكم إليها ما يطرأ على ذهنه من معلومات وتحليلات جديدة، وأما من يفتقد هذه القاعدة المعرفية فإن من السهل وقوعه في الاضطراب المنهجي والسقطات المعرفية الكبرى.  

  • المؤثر السادس/ الفراغ الوقتي والذهني والروحي:

الفراغ الذهني والروحي يجعل الذهن والقلب عرضة لأي شاغل ولو كان سيئا، وأما من كان وقته ممتلئا، وذهنه وروحه مشبعة بالعلم والعمل والمعرفة والإيمان فهذا عائق وحاجز أمام كثير من الأفكار المنحرفة، والخواطر المقلقة. 

النوع الثالث من المؤثرات وجود جوانب من النقص في طريقة الدعوة والتوجيه والمعالجة الشرعية.

وتظهر جوانب النقص في صور، منها:-

  • أولاً

 الفجوة بين (كثير) من المتخصصين الشرعيين وبين عموم الشباب، وهذه الفجوة تؤدي إلى نقص في تصور الواقع، وتؤدي إلى عزلة شعورية بين الطرفين، والأشد من ذلك أنها تؤدي إلى تعطيل دور القدوات الذي له شأن كبير في الجانب الإصلاحي.

  • ثانياً

قلة تنويع الأساليب الدعوية بما يتناسب مع مؤثرات الواقع ومستجداته. وقد كان النبي يحرص في خطابه على تنويع الأساليب لإيصال المعلومة الشرعية؛ تارة بالسؤال، وأخرى بالرسم، وثالثة بالخطبة البليغة وغير ذلك.

  • ثالثاً

ومن جوانب النقص أيضا: ضيق مساحة الحوار المفتوح، الذي يشعر فيه الشباب بوجود وسيلة امنة، متسعة الأفق؛ لاستقبال أسئلتهم واستشكالاتهم.

  • رابعاً

ضعف الخطاب الشرعي/ العقلي المبرهن. وهذا من أكبر الأسباب. وسأزيده تفصيلا عند الكلام عن سمات الخطاب الديني المؤثر في الساحة الفكرية المعاصرة .

 

 

0

الكاتب: أ. أحمد بن يوسف السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى