سمات الخطاب الديني المؤثر في الساحة الفكرية المعاصرة

 

 


سمات الخطاب الديني المؤثر في الساحة الفكرية المعاصرة:

سأذكر خمس سمات إن توفرت في الخطاب الدعوي فسيكون له أثر كبير بإذن الله في الساحة الفكرية المعاصرة.

 

  • السمة الأولى: الاهتمام بالخطاب العقلي

إنّ الأدلة الشرعية مليئة بالدلائل العقلية على أصول العقيدة والتوحيد وغيرها.

ومن يقرأ كتاب الله، ويتأمل في سُنّة نبيه ﷺ، يجد حضوراً ظاهراً للخطاب العقلي فيهما.

فمن ذلك على سبيل المثال: آيات إثبات البعث في القرآن؛ كقوله سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: 99]. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: 33]، ، وهذا في غاية الإقناع العقلي؛ فإن مشركي قريش كانوا يُقرُّون بأن الله خالق السماوات والأرض، فكان الاستدلال عليهم بأن الذي خلق السماوات والأرض من العدم قادر على أن يخلق مثلها، ومن باب أولى أن يخلق ما دونها ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾  [غافر: ٥٧].

ومن الخطاب العقلي في القرآن قوله سبحانه: ‏﴿‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏﴾‏ [الطور: 35]، فإن هذا التقسيم يجعل العقل يضرب الاحتمالات بين القسمين المذكورين، وحين لا يجد من البراهين ما يعضد أحدهما فإنه سيبحث عن خيار ثالث تبيّنه الآيات التي تَلت الآية المذكورة والتي سبقتها، وهو الله ﷻ.

ومن المراجع في الباب: كتاب الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد للدكتور سعود العريفي، وكتاب بلاغة الاحتجاج العقلي في القرآن الكريم لزينب الكردي، وكتاب مناهج الجدل في القرآن لزاهر بن عواض الألمعي.

وحين ننتقل إلى سُنَّة النبي ﷺ، فسنجد مواقف كان الإقناع العقلي فيها في غاية الجمال والبهاء، والحجة والإقناع

طرق مخاطبة العقول:-

وسائل مخاطبة العقول على أنواع:

  • منها ما يعود إلى طريقة الخطاب وأسلوبه.
  • ومنها ما يعود إلى طريقة إبطال أقوال المخالفين.
  • ومنها ما يعود إلى خطوة مسبقة في تقرير حدود العقل والعلاقة بينه وبين التسليم لله والرسول.
  1. 1. فأما النوع الأول، وهو ما يعود إلى طريقة الخطاب، فإن الأساليب التي يُحرّك بها العقل ويُثار متعددة:
  • منها: أسلوب السؤال، وقد استعمله النبي ﷺ لإيصال بعض المعلومات
  • ومن الأساليب أيضا: استعمال القياس، وضرب الأمثلة، وسر المثال من جهةالعقل هو القياس، ومن الأمثلة العصرية التي يمكن أن تُضرب في الإجابة عن سؤال: كيف نؤمن بالله سبحانه ونحن لا نراه: (الإلكترون)؛ حيث إنه من الأمور العلمية التي يتعامل معها العلماء كحقيقة موجودة مع عدم رؤيتهم له، وإنما يرون آثاره فقط. فكذلك نحن نؤمن بالله سبحانه وإن لم نره، ولكنّا نرى اثاره.
  • ومن الأساليب أيضا: اتباع مهارات الإلقاء والإقناع، وهي من المهارات التي ينبغي على شريحة الدعاة والخطباء إتقانها، وحتى الموهوب – منهم – في هذا المجال يستفيد من بعض المهارات في برامج الإلقاء ودورات الاقناع.
  • ومن الأساليب أيضا في إيصال المعلومة إلى العقول: الاهتمام ببناء المقدمات المسلمة وتقريرها؛ ثم الانطلاق منها إلى النتيجة المطلوب إثباتها، وهذا من أهم الأمور.

مثال ذلك: الانطلاق من مقدمة: (أن القرآن نزل لكل البشر وليس للصحابة خاصة) للوصول إلى نتيجة أننا مخاطبون بآيات طاعة الرسول والتي لا يمكننا امتثالها إلا باتباع ما صحَّ عنه من أخبار.

هذا كله في النوع الأول من طرق مخاطبة العقول.

  1. وأما النوع الثاني وهو ما يعود إلى طريقة إبطال أقوال المخالفين فيكون بطًرًق:
  • منها: إبراز التناقضات العقلية أو المنهجية في خطاب الخصوم.
  • ومنها أيضا: إبراز اللوازم الفاسدة لأقوال الخصوم.

مثال ذلك: إظهار فساد قول الملحدين واللادينيين المنكرين للبعث والحساب بالسؤال عن مصير الظلمة الذين قتلوا آلاف أو ملايين البشر هل سيعاقبون بعد موتهم، وهل سيقتص المظلومون منهم؟ فالملحدون لا يعترفون بالبعث فكان من اللوازم الفاسدة لقولهم أنه لا فرق بين الظالم والمظلوم، بل إن حال الظالم أفضل؛ لأنه استمتع بحياته – التي يظن أنها لا حياة غيرها – بخلاف المظلوم الذي حُرم منها.

  1. وأما النوع الثالث من طرق مخاطبة العقول فهو في الاهتمام بالكلام عن العقل من جهة كونه مصدرا للمعرفة، وحدود عمله، والعلاقة بينه وبين النقل، وموقفه من الغيبيات، ونحو ذلك، فهذا كله مما يضع العقل في موضعه الصحيح، ويجعله حَسَن الاستيعاب، وحَسَن التقدير .

 

  • السمة الثانية: الوعي الجيد بحقيقة التساؤلات الموجودة في الساحة، وبحقيقة الأقوال المخالفة.

ربما يحتار الخطيب أو الداعية في اختيار الموضوع الذي يطرحه عبر منبره أو كرسيه أو حتى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن هذه الحيرة تزول إذا كانوا متابعين لما يُشغل الشباب ويجتذب تفكيرهم، فالقضايا متجددة، والأفكار متسارعة، والذي يرصد الواقع بذكاء، يعرف متى يتكلم، وبماذا يتكلم، فإذا رأى اهتماما بالسجال الفكري حول قضية شرعية فإنه يبادر بصوته فيها بعد أن يدرك حقيقة الإشكال، وطبيعة التساؤل، وبعد أن تفتحت الأسماع، وتلهفت متتبعة كل صوت في هذه القضية.

 

  • السمة الثالثة:- مراعاةأحوال المخاطبين وتفاوت مستوياتهم،

 ومعرفة ما يُقرب وما يُنفّر من أساليب الخطاب في الساحة الشبابية.

 

  • السمة الرابعة:- مقابلة الحجة بالحجة، لا بالسب والشتم، والعدل مع المخالف.

إن مما يؤثر تأثيراً سلبياً أن يقابل الطرح التشكيكي في الثوابت الشرعية بالسب، أو التصنيف لصاحبه، دون أن يُبَيّن وجه الخطأ في كلامه بالدليل والإقناع

 

  • السمة الخامسة :- الرغبة الصادقة في هداية الناس

فإن صدق النية، والحماس للفكرة، والإخلاص لله في تبليغها، ونفع الناس بها، يظهر على تقاسيم الوجه وتعابيره، ويعطي للمتابع شعوراً بالقيمة والأهمية، وقبل ذلك فإن الله جاعل لكلامه محلا وقبولا.

 

0

الكاتب: أ. أحمد بن يوسف السيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى