قواعد وقائية من الشبهات الفكرية المعاصرة [ قبل ورودها]

 


القاعدة الأولى: تعزيز اليقين بأصول الإسلام

لا بد من الاهتمام الجاد بطرح دلائل أصول الإسلام بصورة عقلية تزيد الإيمان وتعزز اليقين وتحمي القلب من لهيب الشكوك، وأن القلب إذا لم يكن موقناً بهذه الأصول عارفاً بدلائلها فإنه يكون سريع الشك، قريب الاضطراب.

ولأجل أهمية هذه القاعدة الوقائية فسأتحدث عن بعض الوسائل العملية التي تدعمه.

وسائل تعزيز اليقين:

أولا: إحياء وإشاعة عبادة التفكر في آيات الله الكونية.

لقد جاء في كتاب الله توضيح العلاقة بين التفكر وبين إدراك الحقائق الكبرى، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ [آل عمران: 191]،فإنهم بعد تفكرٍ استدلوا بخلق السماوات والأرض على نفي العبثية والعشوائية.

وقد ذم الله سبحانه وتعالى المعرضين عن التفكر في آياته فقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء: 32].

ومن وسائل إحياء وإشاعة عبادة التفكر :

  • ١نشر المواد المرئية والمقروءة التي تخدم مجال التفكر والتأمل.
  • ٢  عمل مسابقات على أفضل إنتاج لمواد مرئية أو بحوث مكتوبة في هذا المجال
  • ٣-. عمل مسابقات أسئلة أو تلخيص لمواد سابقة منشورة في هذا المجال.

ثانياً: إشاعة عبادة التفكر في آيات الله الشرعية
وربط الناس بالقرآن، وفي الفترة الحالية توجد جهود طيبة في إشاعة عبادة التدبر للقرآن، وتقريب تفسيره للناس، منها ما يقدمه مركز (تدبر)، ومركز (تفسير) في هذا المجال، فجزاهم الله خيرا.

 

ثالثا: العناية بالكتب التي اهتمت ببيان دلائل صحة أصول الإسلام،

وقد كتب العلماء قديما وحديثا في هذا المجال، فنجد كثيرا من المتقدمين كتبوا في إعجاز القرآن كالخطابي والرماني والباقلاني والجرجاني وغيرهم، كما نجد أكثر من ذلك في باب دلائل النبوة ككتاب القاضي عبد الجبار، والبيهقي، وغيرهم كثير.

غير أني سأذكر بعض الكتب المعاصرة في هذا المجال والتي يمكن أن تدرج في برامج القراءة الجماعية أو تكون ضمن مسابقات تلخيص كتاب ونحو ذلك.

  • كتاب النبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز، وما أجمله من كتاب يتحدث عن دلائل صحة القران، وصدق النبي محمد ﷺ، بعبارات أدبية رشيقة، وله كذلك كتاب آخر في نفس الموضوع وهو: مدخل إلى القرآن الكريم
  • كتاب:الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد لسعود العريفي، وهو كتاب كبير، ذو مستوى عالي من التحريرات العلمية.
  •     كتاب كامل الصورة الجزء الثاني منه .

رابعا: الاهتمام في الخطاب الدعوي بالحديث عن الله وصفاته وعظمته ووحدانيته.

خامسا: الاهتمام بعبادة القلوب في الدعوة والعلم والعمل .

هناك عبارة مشهورة لأحد عُبّاد السلف يقول فيها: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف)؛ أترون من يشعر بهذا الشعور تؤثر فيه الشبهات؟
إن الوقاية من شبهات الشك والكفر والإلحاد لن تكون لقلب لم يذق حلاوة الإيمان؛ إذ إنه لن يشعر بالخسارة والفقد لو تركه، وأمّا من ذاق طعم الإيمان ولذّته فلن يرضى بأي بديل آخر؛ ولذلك كله؛ فإن العناية بتقوية إيمان القلب، وتعلّقه بالله سبحانه، وتوكله وإنابته وخشيته ومحبته ورجائه، لَمِن أكبر أسباب الوقاية من الشبهات،
ومن الكتب التي اعتنت بهذا الباب، كُتب الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وخاصة كتابه: مدارج السالكين.

 

سادسا: قصص المسلمين الجدد،

فإن لها أثرا كبيرا في الارتياح الإيماني، وخاصة حين ترى تنوع تخصصاتهم، واختلاف بلدانهم، وأنهم إنما دخلوا في الإسلام عن قناعة، ورضا، وشعور بالأفضل، هذا كله مع شدة التشويه الذي يُمارس ضدّ الإسلام والمسلمين، ثم نجد تزاحم الغربيين والشرقيين على بوابة الإسلام!

والجميل في قصص هؤلاء أنهم يوقفوننا على معان إيمانية ربما تفوتنا، فإنهم يقرؤون القرآن بعين متشوفة، وقلب متطلع إلى معرفة كلام الله سبحانه، وقد ذاقوا مرارة الكفر والحيرة قبل ذلك، وقد كنت ألمس ذلك وأنا أشاهد حلقات برنامج (بالقرآن اهتديت) لفهد الكندري وفقه الله، وهو من أجمل البرامج في هذا المجال، وأرشح حلقاته للعرض والنشر في البرامج العائلية والمدرسية لتحقيق غرض تعزيز اليقين.

القاعدة الوقائية الثانية: تكوين العقل الناقد

العقل الناقد: هو العقل الفاحص؛ الذي لا يقبل دعوى دون دليل، ولا يقبل الأدلة الفاسدة، ولا تُمرَّر عليه المغالطات المنطقية.

إن كثيرا من الشبهات التي أثرت على شريحة من الشباب كان من أهم عوامل تأثيرها: غياب التفكير الناقد، والعقلية الفاحصة؛ ولذلك فإن العناية بغرس معاني التفكير الصحيح، القادر على التمييز بين المقبول والمردود من المعلومات، يعتبر أمرا مهما جدا في التحصين من الشبهات وتعزيز المناعة الفكرية .

وما سبق كله يختلف عن العقلية المتشككة المولعة ب(لا أدري) و(ربما) و(ما يدريني)، فإن تُميّز العقل الناقد ليس بمقدار ما يرده ويشكك فيه الأخبار، وإنما بمقدار ما يلاحظه من عوامل وقرائن تستدعي الرد، وأخرى تُقوي القبول.

ويمكننا أن نربي أبناءنا على التفكير الناقد بتطبيقه على ما يسمعونه من أخبار وآراء فى المدرسة وبين الأصدقاء، فيتم تدريبهم عليه بمحاكمة هذه الأخبار إلى مبادئ التوثيق والتحليل السليم.

القاعدة الوقائية الثالثة: التأصيل الشرعي

والمراد بالتأصيل الشرعي: دراسة أصول الفنون الشرعية (العقيدة، الفقه، أصول الفقه، المصطلح، اللغة، علوم القرآن)، وهذا الأمر مهم جدّا؛ لأنه يُكَوِّن عند المتعلم قاعدة معرفية صلبة يؤول إليها ويستند عليها، بخلاف من يفتقد هذه القاعدة فإنه لا يكون له أساس محكم.

ومن الجهود الجيدة في تحقيق هذا التسهيل، ما يقدمه الدكتور عامر بهجت في دوراته المتميزة في الفقه وأصوله، وهي مرفوعة على موقع (يوتيوب) بعنوان (تنبيه الفقيه) و(الطريق إلى أصول الفقه) وغيرها.

ومن الأمور المنهجية المهمة التي تقتضيها هذه المرحلة: الاعتناءفي الدرس الشرعي – بتثبيت الثوابت، وعدم الاقتصار على شروح المتون أو التعليق عليها والتفريع على نصوصها، بل ينبغي أن يُزاد على ذلك ما يُثبّت صحة أصول تلك المسائل المقصودة بالشرح والتوضيح.

فطالب العلم مهما افترضنا عدم تأثره بالإشكالات والشبهات، فإنه لا ينفك عن احتياجهفي ظل ذلكإلى معرفة البراهين وصحة الأصول كي يكون قادرا على الجواب عما يَرد عليه من اعتراضات واستشكالاتاللهم إلا إن أراد أن يعتزل الناس ويبتعد عما يُشغلهم.

 القاعدة الرابعة: تحديد مصادر التلقي والمعرفة والموقف من كل مصدر

ما المصادر التي نعتمد عليها في تكوين المعرفة؟ وما حدود كل مصدر؟ وهل بينها تداخل؟ وما مصادر التلقي الشرعية التي لا يصدر عنها خطأ؟ وما مصادر الاستفادة الشرعية التي يمكن أن تخطى وتصيب؟

كل هذه الأسئلة تهم الجيل، وإذا قُدِّمَت الإجابة عنها بصورة صحيحة فإنها تنظم العقل، وتبين مداخله ومخارجه فيما يعتمد عليه لتكوين المعارف، وبالتالي يكون ذلك من وسائل الوقاية المحتاج إليها في هذا الوقت.

ومن أراد أن يأخذ فكرة عامة عن المعرفة وطبيعتها ومصادرها فإن للشيخ عبد الله العجيري محاضرة مرئية في موقع يوتيوب بعنوان «مدخل لفهم نظرية المعرفة» وتصلح في المرحلة الأولى لتكوين التصور العام تجاه هذه النظرية ومتعلقاتها وطبيعة المعرفة في الإسلام، ثم يحسن الانتقال إلى كتاب مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي للدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي، ثم كتاب المعرفة في الإسلام للدكتور عبد الله القرنيوهو كتاب متميز غير أن فيه صعوبة على المبتدئ والمتوسط، ثم الانتقال إلى كتاب الدكتور عبد الله الدعجاني في موقف ابن تيمية رحمه الله من المعرفة بعنوان « منهج ابن تيميه المعرفي» وهي رسالة جميلة مفيدة نافعة وفيها أيضا صعوبة على المبتدئ والمتوسط.

كما نستطيع بالإجابة عن الأسئلة السابقة أن نفرق بين المصدر الشرعي المعصوم وبين المصدر غير العصوم، فالقرآن والسُّنة لا يصدر عنهما خطأ، وكذلك اجتماع أفهام علماء المسلمين على أمر معين من أمور الشرعإذا ثبت هذا الاجتماعوأما الفردمن العلماء فإنه مهما بلغ من المنزلة العلمية فلا يرقى لأن يُسلَّم بكل أقواله، ولو كان أبا حنيفة أو مالك بن أنس أو الشافعي أو أحمد رحمهم الله تعالى جميعاً.

ومما يدخل في هذه القاعدة المهمة: موضوع التسليم للنص الشرعي، وعلى أي شيء يستند، ومن المراجع المهمة في جانب التسليم: كتاب ينبوع الغواية الفكرية لعبد الله العجيري، وكتاب التسليم للنص الشرعي لفهد العجلان .

القاعدة الخامسة:عدم التعرض لخطاب الشبهات من غير المتخصص

من المهم لمن يتخصص في الرد على الشبهات أن يكون عارفاً بتفاصيلها وقائليها وتاريخها، وربما يحتاج إلى قراءة بعض كتبهم، أو الدخول إلى بعض مواقعهم وصفحاتهم، حتى يحسن الجواب عنها، وأما غير المتخصص فإن في دخوله إلى عالم الشبهات مخاطرة غير مأمونة العواقب، ولا أعني بالدخول هنا: معرفة الرد على أبرز الشبهات وما يتعلق بذلك، وإنما أقصد القراءة لكتبهم، أو استعراض تغريداتهم ومشاركاتهم في شبكات التواصل، إما من باب التعرّف على ما عند (الآخرين)، أو من باب الفضول وتضييع الوقت، أو من باب الثقافة العامة ونحو ذلك.

القاعدة السادسة: القراءة الوقائية في كتب الردود على الشبهات، 

بشروط:

1)    الأول: أن تكون الشبهات معاصرة ومنتشرة، أو بتعبير عصري: أن تكون في دائرة الخطر.

2)    الثاني: أن تكون من الكتب التي تُجمل في ذكر الشبهة وتُفصل في الرد.

3)    الثالث: أن يكون الرد محكماً، ويُعرَف هذا عن طريق المتخصصين .

ومن الكتب المناسبة في مجال الرد على الشبهات المعاصرة وتُقرأ على سبيل الوقاية: كتاب السُّنة ومكانتها في التشريع الإسلامي لمصطفى السباعي، وكتاب كامل الصورة بجزئيه الأول والثاني.

 القاعدة السابعة: ترتيب هرم الغائيات الكبرى على حسب مراد الله

إن كثيرا من الاشكالات المعاصرة حول الإسلام إنما كان منشؤها بسبب اِختلال هرم القضايا الغائية الكبرى عند أصحابها، وأعني بالقضايا الغائية: المطالب الإنسانية الكبرى كالتعبد والاستقرار والحرية والعمران وتحقيق الذات وقضاء الشهوة واكتساب الأموال ونحو ذلك، وإذا أخذنا قضيتين غائيتين يشترك في تقديم كل منهما على الأخرى طوائف كثيرة من البشر وهما: تحقيق التعبد لله تعالى على مراده (مركزية الرحمن)، وتحقيق الرفاهية التامة والحرية المطلقة للإنسان على مراده (مركزية الإنسان). فمن يجعل على رأس الهرم الغائي للوجود: مركزية الإنسان فإنه سيقدمها حال التعارض مع أحكام الله وأوامره؛ فالأولوية عنده ما يسهم في رفاهية الإنسان وفي حريته واختياراته وشهواته مهما كانت سيئة وشاذة عن الفطرة أو مخالفة لأمر الله. وإذا نظر المتأثر بهذه الثقافة المقدِّمة لهوى الإنسان وحريته إلى الأحكام الإسلاميةالتي يظهر فيها تقديم اتباع أوامر الرحمن والتعبد له على كل شيء آخر ويفاضَل فيها بين الناس على قدر تقواهم واتباعهم لنظام الله فإنه يستشكل هذه الأحكام لأنها تتعارض مع مركزية الإنسان في نظره، فصار منشأ الإشكال هنا هو اختلال هرم الأولويات الكبرى لديه .

ومن هنا ندرك أن كثيرا من الاستشكالات المثارة ضد بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالكفار كالجزية وعقوبة المرتد إنما سببها هذا الاختلال في الهرم وإن غُلّفت بغير ذلك.

ومن الكتب المهمة جدّاً في هذا الموضوع: كتاب مآلات الخطاب المدني لإبراهيم السكران.

القاعدة الثامنة: تعزيز البرامج الجماعية المفيدة فكريا وعاطفيا

إن انتماء الشاب إلى البرامج الجماعية التي تجتذب اهتمامه، ونشاطه، سواء على نطاق العائلة أو الأصحاب يعطيه غَناءً معرفياً وعاطفياً، ويقطع الطريق على كثير من أنواع الفساد للتسلل إلى دائرة اهتماماته وجهوده؛ إنها تعطيه فرصة لاكتشاف قدراته، ثم الشعور بالثقة والهوية، وهذا يُشكل مانعاً نفسيّاً من الاندفاع المضاد للأفكار غير الصحيحة.

القاعدة التاسعة: الدعاء والابتهال

اعتدنا على الدعاء لمن يسافر بأن يحفظه الله من الأخطار، ويقيه الشرور، ويرده سالما، وفي الواقع فكلنا مسافرون في هذه الحياة مقتربين في كل مرحلة من الأجل، وكثيرة هي الأخطار المحتملة في هذا السفر، ونحتاج إلى عناية الله وحمايته لنا، وأثمن ما نخاف عليه في هذا السفر هو إيماننا الموصل إلى مرضاته سبحانه عنّا، قال إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ [ابراهيم: 35]، وقال محمدٌ : «اللهمَّ لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت؛ أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني؛ أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون».

وفي غمرة الشبهات وخطرها وكثرة الساقطين فيها فإننا بحاجة ماسة إلى الدعاء بأن يقينا الله وأهلينا وذرياتنا شرها، ويحفظ علينا إيماننا وتوحيدنا.

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى