قواعد للتعامل مع الإشكالات والشبهات [بعد ورودها]

 


كانت القواعد في هذه مقالة ( قواعد وقائية للتعامل مع الشبهات[قبل ورودها]) عن الوقاية من الشبهات قبل أن ترد على المسلم، وأما إن واجهته شبهة فهو بحاجة إلى مزيد من القواعد المنهجية التي تعينه على إحسان التصرف تجاهها.

القاعدة الأولى: استعمال التفكير الناقد والتوثيق العلمي في التعامل مع كالمعلومات والأفكار

لا يكون لأي معلومة قيمة تستحق النظر والنقاش، ما لم تكن تتوفر على أدنى درجات التوثيق العلمي، وأما إن كانت [ دعوى بلا دليل ] فالموقف الصحيح تجاهها هو [ عدم قبولها ] ، وكذلك ربما تكون المعلومة صحيحة ولكن الاستدلال بها على المطلوب غير صحيح، فيجب أن يدقق الناقد في الكلام، ويتفحصه، ولا يضطرب لمجرد إيراد معلومة لا تصمد أما النقد العلمي!

أمثلة واقعية :

1- رد أحاديث معاوية والطعن فيه رضي الله عنه بسبب دعوى أن النبي لعنه، وهذا خبر لا يثبت، وبالتالي بطلت الدعوى والنتيجة.

2- التشكيك في السنة بسبب حرق عمر رضي الله عنه لصحف فيها أحاديث، وهذا الخبر يستدلون به كثيرا، وهو خبر غير صحيح.

والشبهات الماضية كلها أمثلة على دعاوى استندت إلى نقول غير صحيحة، فبطلت.

وهنا نوع آخر من الدعاوى، وهي المستندة على نقول صحيحة، ولكن عند التدقيق في طريقة بناء الحجة من هذه النقول نجد أن البناء غير صحيح، مثال على ذلك:

الاستدلال بحديث النهي عن كتابة السنة على عدم حجيتها. فالمعلومة صحيحة عند كثير من العلماء، ولكنها لا توصل إلى النتيجة؛ لأن النهي عن الكتابة لا يستلزم نفي الحجية؛ إذ نفي حجية الأخبار له طرق ليس منها عدم الكتابة.

وكذلك فإن من الثغرات التي يُمكن اكتشافها بالتفكير الناقد: التناقضات الموجودة في الاستدلال بالشبهة. مثال ذلك:

نفس الحديث السابق ذكره في النهي عن كتابة ما سوى القرآن، ولكن نوع الثغرة هنا مختلف عن الفقرة السابقة في أن المستدل به إنما يستدل بما لا يعتبره حجة؛ وهذا تناقض .

القاعدة الثانية: سؤال المتخصصين

لا بد أن تغرس الثقة بين الأبناء والآباء، وبين المعلمين والطلاب، وأن يفتح العلماء والدعاة وطلاب العلم قلوبهم وأبوابهم لاستقبال أسئلة الجيل وإشعارهم بالثقة والأمان مهما كان السؤال المطروح؛ لأن الأمان مفتاح التواصل، وإذا عدم الأمان وانهارت الثقة بحثوا عن المتردية والنطيحة لإجابة أسئلتهم.

ولا ننسى أننا نتحدث في هذه القاعدة عن المتخصصين ذوي المعرفة والقدرة على الإجابة لا عن هواة أو كتّاب لا شأن لهم في مجال هذه العلوم. قال الله سبحانه وتعالى : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.


القاعدة
الثالثة: مراجعة الجهود السابقة في الرد على نفس القضية الـمُستشكلة

لا يكاد يمر سؤال أو استشكال متعلق بالإسلام وثوابته إلا وقد طُرح قبل ذلك وعولج، فحين يتعرض الإنسان لشبهة في باب شرعي عليه أن يرجع إلى الجهود السابقة في معالجة نفس الإشكالات التي واجهته، فكثيرا ما يجد الجواب شافيا لمسألته، ويمكن سؤال المتخصصين عن أهم الكتب في الباب المستشكل.

القاعدة الرابعة: رد المتشابه إلى الـمحكم

إن قضية المحكم والمتشابه لمن الأمور المنهجية المهمة في فهم القرآن، وهي الفرقان بين الراسخين والزائغين، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، ويلخص ابن كثير معنى الآية ودلالتها في كلام واضح ثمين، فيقول: (يخبر تعالى أن في القرآن ﴿آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم؛ فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكّم مُحْكَمَهُ على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾؛ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد) انتهى.

وهذا يقودنا إلى أمر في غاية الأهمية؛ ألا وهو ضرورة استعراض سائر نصوص الباب وعدم الانتقاء والاجتزاء، فقد يكون النص متشابها، فلا يستبين إلا بالمحكم الذي نعرفه بنصوص أخرى.

فحين يأتي نصراني فيقول: إن قرآنكم يدل على تعدد الآلهة، والدليل قول الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ووجه الدلالة أن في هذه الآية ألفاظا تدل على الجمع: (إنا) (نحن) (نا) (واو الجماعة)، فنقول له: إن هذه الضمائر كما تدل على الجمع، فهي تدل على التعظيم أيضا، فالملوك يتحدثون عن أنفسهم بصيغة الجمع من باب التعظيم، وإذا نظرنا إلى الأمر المحكم البين في القرآن الكريم فهو التوحيد؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ. فبطل تشغيبه.

القاعدة الخامسة: التماسك أمام الشبهة التي لم يعرف جوابها

أصادف أحيانا ببعض السائلين الذين داخل قلوبهم الشك، وحين أسال عن السبب يذكرون شيئا لا يوجب الريب؛ وغاية ما في الأمر أنهم لم يعرفوا الجواب عما عرض لهم، وهل إيمان المسلم بهذا الضعف بحيث يهتز لأخف ريح؟ ألا يوجد موقف آخر عند عدم معرفة الجواب، اسمه (البحث، السؤال، نقد المعلومة) قبل الشك مباشرةً؟

إن عدم العلم ليس علما بالعدم؛ أي: أن عدم علمنا بالجواب لا يعني أنه لا يوجد جواب، وحين ندقق في بعض هذه الإشكالات التى أوجبت الريب نجد أن الكلام فيها قد قُتِل بحثا؛ فلو أن المستشكل قام ببحث سريع على المواقع الموثوقة في الشبكة لوجد عشرات الإجابات حاضرة أمامه.

القاعدة السادسة: دراسة سلبيات الانتقال إلى الأفكار المخالفة للقرآن والسنة

إذا كان يعتقد من واجهته بعض الإشكالات تحت مظلة الإيمان أنها ستُحل في نفق الإلحاد فهو مخطى جدا، فالواقع أنه إذا أشكلت عليه حال إيمانه عشرة أسئلة فإنها ستتضاعف إلى ألف سؤال إن انتقل إلى اللادينية، والفرق بين الأسئلة هنا وهناك أن الإجابات تحت مظلة الإيمان قوية، بخلاف الإجابات في الطرف الآخرلو وجدت بالأصل. 

مثال على ذلك: سؤال الشر؛ أو كما يحلو للبعض أن يسميه: معضلة الشر، وفي الحقيقة فإنه معضلة ولكن على الملحد لا على المؤمن؛ فإن الإيمان بالدار الآخرة وما فيها من قضاء وحساب وثواب وعقاب يجعلنا نعتقد أن كل من قتل ظلما، أو أحرق، أو اغتصب فإنه سيأخذ حقه، وأن الظالم سينال جزاءه، ولكن: ما جواب من لا يؤمن بالدار الآخرة؟ إن سألناه: ما مصير الظلمة على مر التاريخ ؟وهل دفنت حقوق من ظلموهم تحت التراب؟

وكذلك من يترك السنة لأن فيها إشكالات، ويقول يكفيني نص القرآن، فأول ما سيواجهه هو نص القرآن ذاته، الآمر بطاعة الرسل واتباعه، والمحذّر من مخالفة أمره، فسيقع هذا المُنكِر في إشكالات حقيقية تجاه تلك النصوص، كما أنه سيجد كثيرا من الأحكام التي أجمع المسلمون على العمل بها غير موجودة في نص القرآن، وهذا سيولد عنده تساؤلات أخرى متعددة. وفي واقع الأمر فإنه لم يتخلص من الأسئلة والإشكالات، وإنما انتقل من إشكالات صغرى إلى الإشكالات الحقيقية الكبرى.

القاعدة السابعة: عدم التعامل مع الوسواس كالتعامل مع الشبهة

من الطبيعي أن تمر بالمؤمن وساوس وخواطر، تعكر عليه صفو إيمانه، تأتي بأمور مزعجة للقلب في حق الله سبحانه أو قضائه وقدره، أو غير ذلك من أبواب الشرع، وهذه الوساوس ليست دليلا على ضعف الإيمان، ولا على النفاق، ولم يسلم منها الصحابة ولا العلماء والعباد، ولكنهم يستعيذون بالله منها، ومن الشيطان الرجيم، ويصرفون تفكيرهم عنها.

وإذا كان المؤمن يتعامل معها في هذا الإطار فليست مشكلة، بل هي باب حسنات له بإذن الله، ولكن المشكلة الحقيقية أن البعض لا يعرف كيف يتعامل معها، فيستجيب لكل خاطر مزعج يَرِد عليه، حتى يصل إلى حالة من البؤس والهم والغم ما لا يكاد ينعم معه بشيء، والأسوأ من ذلك أن تصيب الإنسان ردة فعل عكسية، فينفر من الطهارة والصلاة ويتركهما، أو ينفر من الدين بالكلّيّة .

إن باب الوساوس يختلف عن باب الشبهات الحقيقية التي يكون علاجها بالإجابة عنها، فتنتهي وتزول إذا كانت الإجابة محكمة، وأما الوساوس فإن الحل معها ليس في الجواب عنها، فإنها لا تنتهي بذلك ولو كرر الجواب مائة مرة، وإنما حلها في الإعراض عنها.

ومن علامات الشبهة أنها تكونفي الغالبذات مصدر محدد، إما أن يكون مقطعا مرئيا، أو كتابا، أو أصدقاء، ونحو ذلك، وأما الوساوس فالأصل أنها ترد من خواطر يشعر بها الإنسان في داخله، وكثيرا ما تأتيه وقت العبادة .

وبعد هذه القواعد السابق ذكرها، قد يبقى في نفس الإنسان شيء من الشبهة يصعب التخلص منه، أو تكون الشبهة أكبر من استطاعته للجواب عنها، فالحل هنا في الدعاء والابتهال والانطراح بين يدي الله سبحانه، ليزيل الشك، ويشرح الصدر، ويجلو الحزن والغم

0

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى